(الكوريدور)..هكذا عرفه الناس وتداولت اسمه الأجنبي. هو الممر في الحقيقة، تلك المساحة التي قد لا تتعدى العشرة أمتار، تربط باب المنزل الداخلي بالباب الخارجي، في حالة كان السكن بيتا منفصلا، أو تربط باب المنزل بباب المصعد، في حالة كان شقة في عمارة.
إن تلك المنطقة الصغيرة من دون المناطق الأخرى، تحظى لدى كثير من الناس بمكانة متميزة بل خاصة، لما فيها من صدق وحميمية قد لا تحظى بهما أي من مناطق الأرض. إنها المساحة التي يتجلى فيها المرء لنفسه وللآخرين فينقل الأشياء من داخله لخارجها كما هي، بحالتها الأولى، وشكلها الذي صارت إليه في تلك اللحظات المحدودة بين باب المنزل وباب الخروج من أكناف المكان.
في هذه الأمتار العشرة أقل أو أكثر قليلا، يجد الإنسان نفسه مستلذا للصدق في ممارسته تلقائيا دونما تكلف إلى حد قد يتلعثم هروبا من ترتيب الكلمات. إنها المساحة التي يكون فيها على علاقة سيئة بهندسة الكلمات التي هي في حقيقتها مشاعره التي طفت في خطوات المغادرة الأخيرة تجاه الخارج.
إن الخطأ في (الكوريدورات) علامة إيجابية تشي أن الشخص صادق في تقديم نفسه إلى مضيفه الذي أسره منذ قليل في دفء منزله وجعله على هذه الدرجة الكبيرة والمتقدمة من الانشراح والسرور، ولكبر نشوته، قليلا ما تسعه الدنيا. كلما خرج الشيء طبيعيا تلقائيا كان صادقا دافئا في توجهه إلى الآخر الذي بالتأكيد سيستقبله بالصدق نفسه والتلقائية نفسها.
في هذه المساحة (الكوريدور) يمارس الناس، أغلب الناس، سلوكا آدميا غاية في النبل والسمو رغم كل ما قد راكمه الوعي في ذواكرهم من فنون للمجاملة وأجناس للمسايرة.
هي المساحة التي تمثل بالنسبة للبعض كرسي اعتراف لكن ليس للذنوب كما في الأديرة، إنما لآيات الشكر والثناء كما في المساجد، ومشاعر الإيحاء التي تضمر بوضوح (كم كان المضيف سخيا ومحبا وأريحيا). لقد اقترف مضيفنا بتكريمنا تلك الأمسية، شيئا من العظمة والتي غالبا ما يخافها الناس لشدة ثقلها. هكذا يترجم المكان (الكوريدور) مقتضياته الخاصة والمتميزة.
هنا في (الكوريدور) ودون المساحات الأخرى، يريد الإنسان القول (انظروا كم أنا طبيعي وصادق وليس ثمة من قوة في العالم تستطيع منع مشاعري أن تجري). (الكوريدور) هو آخر البداية وأول النهاية. الحديث يكون فيه قصيرا والكلمات محدودة لكنه الحديث الأطول عمقا والكلمات الأوضح صدقا.
ناصر حسن ـ الإمارات