بوسع أي خبير اليوم ان يلحظ ان قطاع الإعلام في العالم العربي، ومنطقة الخليج تحديدا، يشهد نقلات نوعية في فترات زمنية قصيرة، أي ما يسمى بلغة أهل الصناعة «الوثبات».
ويتركز جزء كبير من هذا الحراك في الإمارات، حيث تواجدت، وعلى مدى أكثر من عقد مضى، بنية تحتية وركائز قوية لاستقطاب لاعبي الإعلام العالميين الراغبين في التوجه إلى جمهور الشرق الأوسط العربي تحديدا.
وفي دبي وأبو ظبي، نشطت حركة نشر المطبوعات العالمية باللغة العربية، بشكل مؤثر، وقامت شركات إعلامية أميركية وأوروبية بالعبور، عبر هذين البوابتين، بمضمون مطبوعات رصينة، لها باع طول في عالم الاقتصاد أو الترفيه، إلى جمهور عربي متعطش لتجربة إعلامية مختلفة عن النموذج المحلي السائد.
رفوف تزهر
وعلى رفوف المكتبات ومحلات بيع الصحف اليوم، بوسع القارئ العربي ان يختار بين «ماري كلير» الفرنسية الرائدة في عالم الموضة، أو «بلومبرغ بزنس ويك» الأميركية الرائدة في عالم الاقتصاد وأعمال الشركات، أو «فوربس» العالمية التي تتخصص بعالم الثروات ولوائح المشاهير، ناهيك ان «توب غير» أو «غالا» أو «مدام فيغارو» وغيرها الكثير من المجلات الترفيهية التي تعنى بالموسيقى والمشاهير والسيارات.
وقد اتخذت شركات عربية، ذات رأسمال خليجي غالبا، مثل «الوطنية» و« السعودية للأبحاث والنشر» الإمارات مقرا رئيسيا لها لإدارة هذه المشاريع التي تحصل عليها بعقود «فرنشايز» من الشركات الأم.
ويقف خلف هذا التحرك سببان رئيسيان، أحدهما فكري يتمثل بالرغبة في نشر رسائل هذه المطبوعات في النطاق العربي، والآخر تجاري يعكس خطط هذه الشركات بالحصول على حصص إعلانية من سوق نام، خاصة في ظل معاناة بعضها بسبب الأزمات الاقتصادية وتأثيرها على موارد المطبوعات.
آخر العنقود
آخر المطبوعات العالمية التي صدرت باللغة العربية، هي مجلة «ناشونال جيوغرافيك»، التي صدر عددها الأول أكتوبر الماضين مؤرخا لمرحلة جديدة في تاريخ مجلة عريقة يمتد أكثر ما مئة عام، وليؤرخ تطورا جديدا في حركة النشر الإعلامي في العالم العربي، خاصة ان المجلة التي اكتست بلغة الضاد كان قد سبق إطلاقها في السوق إطلاق بث تلفزة ناشونال جيوغرافيك، عبر، وكما في الحالتين، شركة أبوظبي للإعلام.
وتنبع أهمية تجربة «ناشونال جيوغرافيك» تحديدا، مقارنة بغيرها من العناوين، بكونها أحدى أقدم المجلات بالعالم، وهي تتمتع بشهرة واسعة بين 38 مليونا من القراء من أميركا إلى الصين ومن روسيا إلى ايرلندا. وتطبع 5,7 ملايين نسخة.
وقد ساهمت، على مدى عقود، بتشكيل الوعي الإنساني عن الثقافات والشعوب والاكتشافات، وكانت تجربة معولمة قبل ظهور أدوات العولمة الحديثة من انترنت ووسائط اجتماعية، وقبلها هيمنة قنوات التلفزيون الفضائية العالمية.
وقد تأخر وصول هذه المجلة إلى لغة الضاد، اذ هي صدرت بثلاثة وثلاثين لغة حتى الآن، من ضمنها اللغة الإنكليزية واليابانية والإسبانية (إسبانيا وأميركا اللاتينية) والإيطالية واليونانية والفرنسية والألمانية والبولندية والكورية والبرتغالية (البرتغال والبرازيل).
بالإضافة إلى الدنماركية والسويدية والنرويجية والهولندية والصينية (بالحروف التقليدية)، والصينية (بالحروف المبسّطة)، والفنلندية والتايلندية والتركية والهنغارية والرومانية والروسية والكرواتية والبهاسا الإندونيسية والبلغارية والسلوفينية والصربية والليتوانية.
إعلانات؟
ولا تراهن الشركة الناشرة للنسخة العربية من المجلة، وهي أبو ظبي للإعلام، على البعد التجاري فقط، في توصيلها مضمون المجلة إلى القارئ العربي، بل هي تساهم في إغناء الثقافة والمعرفة في وقت غابت فيه الكثير من المطبوعات الرصينة بفعل الأزمات الاقتصادية، أو المعايير الرقابية، في بعض الأحيان.
يقول إدوارد بورغيردينغ، الرئيس التنفيذي لشركة أبوظبي للإعلام: «يأتي إطلاق مجلة ناشيونال جيوغرافيك للمرة الأولى كجزء من التزامنا في تقديم أفضل محتوى لجمهورنا في المنطقة».
لكن هذا قد يكون مؤشرا جدا للمعلن أيضاً، الذي يأتي يبحث عن خيارات بديلة. يقول الياس بشارة، وهو أخصائي مبيعات إعلانية في شركة «فاستر لينك»، أن المعلن بات أكثر وعيا بقيمة المنتج الذي يزج فيه إعلانه. شركات الترفيه والرياضة وانتاج الكاميرات والفنادق والطائرات والرحلات والسلع الفاخرة ستكون مهتمة من دون شك للإعلان في هكذا مجلة.
انسجام بيئي
وهناك بعد آخر لتبني أبوظبي لإطلاق النسخة العربية من هذه المطبوعة تحديداً وهو بعد يواكب اهتمام الإمارة بنشر الثقافة البيئية المستدامة، في سياقات مختلفة، صناعية واقتصادية ومعرفية. فالمكان الذي يحوي مدينة مصدر للطاقة عنوان الطاقة المتجددة، يبدو الأمثل لكي يصدّر معرفة ترتبط ارتباطا وثيقا بالحفاظ على البيئة.
فقد سبق لمجلة «ناشيونال جيوغرافيك ماغازين» أن حصدت العديد من الجوائز عن التغطيات البيئية التي تجريها، حيث نالت المركز الأول عن فئة التقارير التفسيرية في المسابقة التي نظمتها «جمعية الصحافيين البيئيين» في عام 2008 حول المقالات الإخبارية المختصة بقضايا التغير المناخي وأنواع الوقود الحيوي.
كما تحظى بالتقدير بشكل مستمر على تصاميمها وصورها وتقاريرها من منظمات مثل «نادي الصحافة الدولي لما وراء البحار» و«جمعية التصوير الفوتوغرافي الطبيعي في أميركا الشمالية» و«وورلد برس».
وتشمل قائمة الجوائز التي حصلت عليها «ناشيونال جيوغرافيك» جوائز «مولوفيج» من جمعية «نيوز ديزاين»، وجائزة أفضل مصور فوتوغرافي للعام في مجال الحياة البرية من هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، وجائزة «ناتشرز بِست إنترناشيونال».
أبوظبي ـ رولا علي
