قصر القامة لا يعني نهاية الحياة، وأحمد حنفي البالغ من العمر 41 عاما يعد مثالا واضحا على الإصرار وتحدي مصاعب الحياة، فقد شاء القدر أن يكون القزم الوحيد بين أفراد عائلته.

بعد وفاة والدي لم أتمكن من إكمال دراستي، واضطررت للعمل في عدة مهن ومجالات حتى أوفر لأشقائي حياة كريمة وسعيدة، علما أني كنت في الحادية عشرة من عمري ولم أكن أمتلك الخبرة التي أمتلكها اليوم. كنت أقوم بكل عمل يخطر على بالي في سبيل كسب الرزق الحلال. وتنقلت في مجالات متباينة فمن العمل في (كراجات) ورش تصليح السيارات، إلى المشاركة في عدة مسرحيات مصرية شهيرة، حتى قدمت إلى دبي حيث استطعت الحصول على فرصة عمل مناسبة في مقهى، مكنتني من تطوير نفسي، وصقل شخصيتي.

محترف

يبدأ دوامي في تمام الساعة الخامسة عصرا، حيث أنهض من النوم وأقوم بتناول كوب من الشاي، ثم أذهب إلى المقهى مشيا على الأقدام لأنه قريب جدا من المنزل، وأحمد الله على هذه النعمة لأنها أنقذتني من ازدحام السير اليومي الذي يسبب ضغطا وتوترا نفسيا للموظفين، وعندما أصل أذهب مباشرة إلى المطبخ لتلبية طلبات الزبائن، فأنا محترف في تحضير الشاي، والقهوة، والعصائر، و«الكوكتيلات» المتنوعة، وفي حال لم يكن هناك زبائن فإنني أجلس مع زملائي في المقهى، ونقوم بتناول الشاي سويا.

كما تدور أحاديثنا عادة حول مباريات كرة القدم، وأحيانا عن الزبائن، وعائلاتنا. الحقيقة أني لا أشعر أنني نادل وأن المقهى هو مكان عملي، نظرا لطبيعة العمل المرنة والسهلة والممتعة بالوقت نفسه، التي تشعرني كما لو أنني في منزلي وترفع لدي إحساس الحرص والمسؤولية، كما أنني اعتدت على زملائي الطيبين، وعلى الزبائن الذين يترددون باستمرار ويحترمونني كثيرا.

تحديات

لم يعد للقب القزم الذي رافقني لمدة طويلة أي تأثير سلبي على حياتي، حيث أصبح قصر طولي سببا من أسباب تميزي بشكل عام، بعد أن كان مصدرا للتوتر في السابق، حيث كانت تعليقات الناس الساخرة حول طولي في الشارع تؤذي نفسيتي لدرجة كبيرة، ولكنني علمت بنصيحة والدي -رحمه الله- التي جعلتني أكثر صلابة وتصميما على بناء مستقبل جيد.

حيث باتت ابتسامتي عريضة عندما أسمع تعليقات الناس، وصدري أكثر رحابة تجاه مزاحهم الثقيل في بعض الأحيان. واجهت عدة صعوبات في بداية العمل، حيث كنت أضطر للوقوف على عدة أشياء للوصول إلى غرض معين في المطبخ، كما كنت أجد صعوبة كبيرة في تحضير العصائر الطازجة، ولكنني تمكنت من التغلب عليها بفضل زملائي في العمل، الذين قاموا بوضع كل الأدوات في متناول يدي.

مباريات في المساء

أكون في قمة السعادة عندما تكون هناك مباريات لكرة القدم، حيث يزدحم المقهى بالزبائن في فترة المساء ويبدأ التشجيع الذي ينسيني طعم الغربة ويشعرني بالحماس، وعلى الرغم من ضغط العمل إلا أن طاقتي تكون في أعلى مستوياتها لأن أجواء الهتاف والتعليق على أحداث المباراة تكون طريفة للغاية.

ينتهي عملي في الساعة الثانية صباحا، حيث أتعاون مع زملائي في ترتيب الطاولات، والكراسي، وتنظيف المطبخ، ثم نذهب سويا إلى المنزل الذي نسكن فيه جميعا، حيث نتعاون أحيانا في تحضير العشاء، كما تستمر أحاديثنا حتى الفجر، وقد أقوم بالاتصال بأولادي (فادية وعبد الرحمن) وهما يتمتعان بطول طبيعي ولا يخجلان أبدا بقصر قامتي.

حيث أطمئن على دراستهما، والتزامهما بالصلاة، وأقوم بحل بعض المشكلات بينهما أحيانا، كما قد أتحدث مع والدتي وألح عليها بموضوع زواجي من جديد وضرورة اختيارها للعروس الثالثة بتأن حتى يطمئن بالي أكثر على سعادة والدتي وولدي، فقد كانت زوجتي الثانية تسيء معاملتهم، وهذا أمر لا أستطيع التساهل أو التسامح فيه، وقد قمت بتطليقها، وهذه المرة سوف أتزوج من تختارها لي والدتي ويوافق عليها أبنائي بالتأكيد، لأن راحتهم ورضاهم هو هدفي الوحيد.

وقت فراغ

أستغل وقت الفراغ الكبير قبل بداية الدوام أحيانا في الذهاب إلى الأسواق لشراء بعض الملابس الجديدة، حيث أقوم أحيانا بتفصيل القمصان، أما بالنسبة للبنطلونات فإنني أقوم بشرائها وقصها وتقصيرها، وعلى الرغم من أنها عملية متعبة ومرهقة كثيرا، إلا أنني لم أتمن أن أكون في يوم من الأيام طويل القامة، لأن النجاح لا يقاس بالطول والوزن، بل بالإنجازات والقدرة على بناء مستقبل جيد، وأنا راض عن طولي، ويكفي أنني كافحت في حياتي لأوفر لأخوتي ما لم أحظ به في حياتي.

علاقة

تربطني بزملائي الذي يعملون معي في المقهى نفسه، علاقة قوية جدا، حيث اشعر أني أعيش بين أفراد عائلتي الذين يشاركوني جميع لحظاتي الحزينة والسعيدة، ويقفون إلى جانبي في كل الظروف، حيث يراعون قصر قامتي ولا يتوانون عن مساعدتي وإشعاري بأني شخص طبيعي مثلهم.

رصد: ريما عبدالفتاح