أصبح في عداد الماضي، قرار الأمانة العامة لجائزة الشيخ زايد للكتاب، سحب الجائزة من كتاب «مدخل في نظرية النقد الثقافي المقارن» للدكتور حفناوي بعلي، لكن مفاعيله وتردداته ستبقى تلقي بظلالها على المشهد الثقافي في الوطن العربي، من محيطه إلى خليجه، إلى أن يصار إلى التصدي لمعالجة هذه القضية الشائكة، ليس من باب هذه الحادثة المؤسفة فحسب.
وإنما من بوابة الإجابة على السؤال الكبير حول مدى تمادي البعض في الوسط الثقافي والمعرفي، في ارتكاب هذه الخطيئة التي لا تغتفر بحكم أنها تتعلق بالتنمية الفكرية وبتطوير العقل العربي أو عكسهما في هذه الحالة، فكم من الأعمال الفكرية التي قد يكون أصحابها غارقين في هذا المستنقع؟ وما هو رد فعل الشارع العربي عندما يرى نخبته تتلاعب بتفكيره وتستهتر بذكائه، إذا كانت السرقات الفكرية تمر من بين أصابع أصحاب الشأن، ويرتكبها أشخاص من علية القوم فكريا.(البيان) استطلعت، على هامش معرض الشارقة الدولي للكتاب 2010، آراء عدد من المثقفين العرب، في مبادرة ستشكل بداية مشوار طويل من البحث ومراجعة الذات في ميادين الفكر والإبداع.
وهي آراء صبت بصورة عامة في نهر جارف من إدانة فعل السرقة هذا، الذي رأى البعض أنه يرقى إلى مصاف الجريمة، التي يجب أن لا يفلت مرتكبها من العقاب، لاسيما وأنه لا يزال مصرا على إنكار فعلته، ضاربا بعرض الحائط الكثير من المعطيات المهمة المحيطة بهذه القضية، وأولها سمعة هذه الجائزة المرموقة. إجراء صحيحالناقد السوري عزت عمر أشار إلى أنه كان يتمنى أن تمنح جائزة زايد للكتاب في هذه الدورة للنقد، نظراً لأن النقد حقل معرفيّ غني في ما يقدّمه من فكر يمثّل خلاصة الجهد الإنساني في مضماره.
وتابع:« ..عندما تحققت هذه الأمنية، بمنحها لباحث في مجال النقد الثقافي المقارن، شعرت أن هذا الفوز سوف يعزز التوجّهات النقدية العربية ويدفع بها مسافة كبيرة إلى الأمام، لاسيما وأن جائزة الشيخ زايد للكتاب باتت اليوم أهم جائزة عربية، الأمر الذي يتطلب منا الوقوف إلى جانبها ودعم توجّهاتها في تعزيز الحضور الإبداعي والنقدي العربي عالمياً، لا أن نتساهل في التعامل معها على أنها جائزة، كأيّ جائزة، تتحكّم في منحها المحسوبيات».
وأعرب عمر عن بالغ أسفه وحزنه على هذه الحادثة، وقال:« لقد أحزنني اليوم سماع الخبر عن سحب الجائزة من الناقد والأكاديمي الجزائري حفناوي بعلي، وذلك لعدم التزامه بالمنهجية الأكاديمية في مسألة توثيق المصادر التي اعتمدها، وكلّنا في نهاية الأمر مقصّرون طالما أننا لا ننظر إلى الجائزة إلا من خلال موشور مصالحنا الخاصة، فهل يليق هذا السلوك بنا وبرسالتنا الحضارية التي لا نكلّ من التشدق بها في المحافل المختلفة، ثمّ عندما يجد الجد وتتفضّل دولة عربية في تحقيق وتعزيز هذه الرسالة السامية، نسارع لهدمها بمثل هذا السلوك؟!
أعتقد أن سحب الجائزة من قبل الجهة المانحة، بمقدار ما هو مؤسف ومحزن، إنما هو البداية الصحيحة لكي تسير الجائزة نحو أهدافها ومبتغاها باستقامة، وكلّ ولادة لابدّ وأن يصاحبها شيء من الألم».
ناشر الكتاب
أما الناشر بشار شبارو مدير الدار العربية للعربية التي نشرت الكتاب ، فلقد أكد أن المؤلف الدكتور حفناوي بعلي قدم الكتاب بصورة مباشرة للقائمين على الجائزة، وليس عن طريق دار النشر، في حين وقع عقدا تقليديا لا يختلف بأي حال عن أي عقد آخر من هذا النوع، حيث يثبت هذا العقد أن المؤلف هو المسؤول عن المادة الأدبية الموجودة في الكتاب، موضحا أن الناشر عادة ما يطلع على الكتاب ومدى تماسك نصه ومدى أهميته وحيويته.
لكن أكد شبارو أن الناشر لا يتوقع أبدا أن يكون المؤلف قد نقل مادة دون أن يذكر مصدرها، وقال:«شعوري مطابق لشعور أي إنسان فرح بالجائزة عندما منحت، وانزعج كثيرا عندما اتهم المؤلف بالسرقة الأدبية».
وبدورها، اعتبرت الناشرة الهام عدوان، صاحبة دار عدوان للنشر، أن المشكلة تكمن في أن أحدا لا يقرأ، وأن المسؤولية لا تطال لجنة التحكيم فحسب، وإنما الأمانة العامة للجائزة نفسها، التي يبدو أنها لم تقرأ الكتاب بدورها، لكنها أكدت على ضرورة مراجعة الكاتب الدكتور عبد الله الغذامي ومؤلف الكتاب نفسه.
ضرورات
الشاعر و الصحافي اللبناني عبده وازن رأى أن الأمر كان مفاجئا جدا، وخصوصا أن هذه الجائزة هي من أهم الجوائز العربية اليوم، وباتت تجذب الكثيرين من الكتاب العرب، وبالتالي فهي جائزة لها ثقلها المادي والمعنوي.
وقال وازن «إن المؤلم في الأمر أن هذه الخدعة أو هذه السرقات الأدبية التي وردت في هذا الكتاب الفائز، قد مرت على اللجنة وهذا فعلا يجعلنا نشكك في هذه اللجان التي تختار لكي تشرف على اختيار الكتب المناسبة للفوز، وهذه قضية أظن أنها كافية، لأن اللجنة كانت مؤلفة من نقاد مشهورين وأكاديميين.
وبدا أن في الأمر خللا أو مشكلة لدى هؤلاء النقاد، وبت أشك في ثقافة من يسمى ناقدا أكاديميا،لأنه يبدو أنهم لا يقرؤون وهم فعلا غائبون عن الساحة الإبداعية والثقافية، ويعيشون في عزلة شبه أكاديمية، لكن هذه الظاهرة حصلت مرة في فرنسا، لكن اللجنة التي اختارت هذه تلك الرواية الفرنسية كانت مشكلة من روائيين ومن ناس عاديين ليسوا نقادا، أما أن يغفل هؤلاء النقاد، مثل عبد الله الغذامي، فهذا عيب خصوصا أن القضايا التي طرحها الغذامي باتت معروفة، فتصور إلى أين وصل النقد الأكاديمي».
وأما عن الجوانب الخلافية للقضية، فقال وازن :إن السرقة أمر قديم جدا، وإن هناك كتبا كثيرة وضعت عن السرقات الأدبية في عالمنا العربي والعالم أجمع، فالسرقة موجودة، لكن الذكاء، كما يقول الكاتب الأميركي فيليب روث، هو أن تسرق وتعيد صناعة ما تسرق حتى لا تنفضح». وأضاف وازن:« لو سعينا إلى كشف سرقات من هذا النوع لوجدنا الكثير.
وهذه فضيحة يجب أن تسجل في صفحة الذي يسمي نفسه نقدا أكاديميا». وحول الإجراءت التي يجب اتخاذها، دعا وازن إلى الانتباه في الدورات المقبلة، لكنه أكد انه على هذا المستوى يصبح السؤال عن الجوائز بلا طائل، وأن المهم هنا هو معالجة هذه الظاهرة وملاحقتها أكاديميا ومعاقبة من يسرقون بالمعنى المعنوي، حيث يمكن رفع دعوى أمام القضاء لمقاضاة هذا السارق، كما يجب العودة إلى الجامعة التي يُدرس فيها لكي يعيدوا النظر في رتبته كأستاذ جامعي.
تضمين الشروط
القاص نواف يونس رأى أنه يتعين على اللجنة المنظمة تضمين شروط المسابقة، ما يشير إلى التزام المشارك ليس في الشروط الفنية والعلمية للمسابقة فحسب، وإنما بالمعايير والقيم الأخلاقية، لاسيما وأن لجنة التحكيم لديها المساحة الكاملة زمنيا والامكانيات التقنية الحديثة التي تمكنها من متابعة الأعمال المشاركة. واكتشاف مدى التزامها بشروط المسابقة.
وأكد يونس أن هذه القضية تثير إشكالية كبيرة جدا لدى الباحثين في أعمال النقد الأدبي، تتمثل في الهوة الكبيرة بين جيلين من النقاد الذين كانوا يلتزمون بالمعايير الأخلاقية والفنية والأدبية، وبين الجيل الحالي الذي يفتقد هذه الملامح. كما طالب يونس بإنشاء محكمة أدبية علمية، أسوة بالمحاكم الجنائية، لمحاكمة كل كاتب تسول له نفسه الاعتداء على إبداعات وأفكار الآخرين.
تحقيق: باسل أبو حمدة


