مع تردي اقتصادات العالم الغربي وارتفاع تكاليف مستويات المعيشة وتقلص دخول العديد من الأفراد، فإن التشاؤم والحزن هما السمتان السائدتان في الوقت الحاضر هناك، خاصة بالنسبة لأولئك الذين يتهددهم شبح البطالة، إن آجلاً أم عاجلاً.
غير أن الأمر ليس بهذه البساطة، فتأثير الأزمات الاقتصادية على مشاعر معظم الناس وإحساسهم بالسعادة محدود، والحقيقة أننا نحن البشر مبرمجون على السعادة، وفهم الأسباب لذلك هي التي تعزز من كينونتنا ومشاعرنا الإيجابية، وتدعم مقدرتنا على التأقلم مع الأزمات الاقتصادية، مع المحافظة على ابتسامتنا في كل الأوقات.
من الواضح أن الفرد عندما يؤمن احتياجاته الأساسية، فإن تأثير المال في جلب السعادة له يكون محدوداً، بل على العكس فكثرة المال قد تؤدي إلى نتائج عكسية، وأجرى فريق من الباحثين من جامعة ليج البلجيكية بقيادة «جوردي كويدباك»تجربة طلبوا فيها من مجموعة من الناس، متفاوتي الدخل، تناول قطعة من الشوكولاته، وتبين أن الفقراء أسهبوا في التغزل بطعمها أكثر من الأغنياء، ما يدل على أن كثرة المال تفقد الإنسان الإحساس بالسعادة تجاه الأمور البسيطة.
وفي تجربة أخرى تم عرض صور لنقود على نصف المختبرين قبل إعطائهم قطعة الشوكولاته فكانوا أقل استمتاعاً بتذوقها من النصف الآخر الذين أعطيت لهم قطعة الشوكولاته بدون مقدمات أو صور، وهذا يدل على أن مجرد طرح فكرة المال يقلص إحساس البشر بالاستمتاع بملذات الحياة البسيطة.
أما ما الذي يجعل الإنسان سعيداً، وكيف تتكون السعادة في النفس البشرية فسؤال من الصعب الإجابة عنه، لكن من الأسهل الإجابة عن سر وجود المشاعر السلبية في حياتنا، فهي مفيدة في حالات السعي للبقاء، فالغضب يمد الجسم بالطاقة لمواجهة الخصم، والخوف يعين صاحبه على الجري كالغزال بعيداً عن مصدر الخطر، والشعور بالاشمئزاز يساعد الإنسان على الابتعاد عن الأطعمة الملوثة.
وترى الأخصائية النفسية «باربرا فريدريكسون»من جامعة نورث كارولينا في الولايات المتحدة، وصاحبة نظرية «وسع مداركك وابن للمستقبل»أن السعادة وحالات العقل الإيجابية الأخرى تحسن من قدراتنا التعليمية خلال حالة الشعور بالأمان، وهذا يساعدنا على بناء مصادر تفيدنا على المدى البعيد، بخلاف المشاعر السلبية التي يستخدمها الإنسان لخدمته على المدى القصير.
وأثبتت الدراسات أن المشاعر الطيبة والإيجابية تساعد على تعزيز ملكة الخيال لدى الناس، وتزيد من قدرتهم على حل مشكلاتهم، ففي تجربة أجريت على مجموعة من المشاركين عُرض على نصفهم فيلم كوميدي مرح، وبعدها قدمت للجميع مسألة عملية لحلها، فأظهر الأشخاص الذين حضروا الفيلم قدرة على حل المسألة أكثر من الباقين الذين كان قد عرض عليهم فيلم وثائقي حول الرياضيات.
وكشفت دراسات عديدة أن المزاج الجيد يحسن من قدرة الناس على الاستدلال الشفهي والتواصل الاجتماعي إذ يصبحون أكثر ألفة وثقة بالآخرين، ويميلون إلى التعامل الإيجابي أكثر تجاه النقد.
من هذا نستنتج أن المشاعر الإيجابية تحسن من قدراتنا على حل المشكلات، لكن هذا الأمر غير صائب على إطلاقه، فقد كشفت تجربة، قام بها «جو فورغاس»من جامعة «نيو ساوث ويلز»في سيدني بأستراليا، أن المشاعر الإيجابية قد تجعل منا أناساً سذجاً من السهل خداعهم، وأقل قدرة على الإقناع، وأكثر ميلاً لاتخاذ قرارات متهورة، ما يقود الكثيرين للجزم بأنه حتى السعادة ينبغي أن تكون لها حدود.
