لو جاز لنا أن نشبه مدن اليوم بالكائنات الحية، لما وجدنا أفضل من الوحوش لنشبهها بها، فمدن اليوم متهمة بالتهام 75% من المصادر الطبيعية في العالم كل عام. غير أن مخلوقاً أليفاً بدأت تظهر ملامحه في الأفق يختلف كثيراً عن تلك الوحوش، مدن تم التخطيط لها لتكون صديقة للبيئة بدأت ملامحها الأولية تنتشر على امتداد العالم، ومنها مدينة «بلانيت فالي»البرتغالية.
تقع مدينة «بلانيت فالي»على أطراف مدينة «باريديس»الواقعة في شمالي البرتغال، ويخطط القائمون على المدينة لأن يجعلوا منها صديقة دائمة للبيئة، ويميل خبراء البيئة إلى تشبيه تلك المدن بالكائنات الحية، نظراً لأن مبدأ عملها يشبه مبدأ عمل جسم الإنسان، فهي تحتوي على دماغ مركزي، وهو عبارة عن جهاز كمبيوتر مركزي ينظم أمور المدينة المتعددة، ابتداء من استخدام المياه وانتهاء باستهلاك الطاقة.
هناك العديد من المدن المماثلة التي يجري التخطيط لها حالياً في أنحاء متفرقة من العالم، لكن «بلانيت فالي»قد تكون أول مدينة تفتح أبوابها في العام المقبل، وتكون جاهزة بالكامل بحلول عام 2015، وبالمقارنة فإن مدينة «دونغتان»الصينية، الواقعة بالقرب من مدينة شنغهاي، قد تم التخطيط لها لتكون مدينة صديقة للبيئة، لكن أعمال البناء لم تبدأ فيها بعد، بسبب بعض المعوقات المالية والسياسية.
مثل كل المدن الصديقة للبيئة فإن «بلانيت فالي»سوف تعالج مياهها بنفسها، وستقدم لساكنيها طاقة متجددة، كما ستغطي النباتات المزروعة أسقفها، وستتكفل بتقليص درجات الحرارة في المدينة عن طريق عملية التبخر وامتصاص مياه المطر والملوثات الجوية.
وتمتاز «بلانيت فالي»بسمات أخرى تجعلها تتميز عن المدن الشبيهة، ومنها قربها من شبكات المواصلات الرئيسة، بخلاف مدن أخرى تم التخطيط لها بعيداً عن تلك الشبكات، أضف إلى هذا فإن «دماغها»سيقوم بتجميع المعلومات المختلفة، اعتماداً على شبكة من المجسات يتم نشرها في جميع أنحاء المدينة لمراقبة شبكات الطاقة والمجاري والمياه والتحكم بها، وكأنما هي جهاز عصبي حي، ويصف ستيفن لويس، الرئيس التنفيذي ل«بلانيت فالي»، العملية بـ «الأيض الحضري».
صحيح أن تركيب مثل تلك الشبكة الكبيرة من المجسات سيكون أمراً مكلفاً، غير أن ذلك سيتم تعويضه عن طريق استخدام طرق أكثر فعالية في البناء، من شأنها أن توفر الكثير من المال، ويقول لويس :«وفرنا في البناء بفضل استخدام التقنيات الحديثة، ووضعنا ما نجحنا في توفيره في التكنولوجيا». واستخدمت في تخطيط المدينة البرامج الإلكترونية ذاتها التي تستخدم في تصميم السيارات والطائرات.
أضف إلى هذا فقد تم تجهيز واجهات المباني سلفاً، ولهذا فعندما تبدأ أعمال البناء الفعلية، في أواخر العام الحالي، فلن تكون التكلفة كبيرة، كما أن عمليات البناء ستتم بشكل أسرع، وقد اختير الشكل السداسي ليكون التصميم المعتمد لكل البنايات نظراً لما يوفره من حيز ومساحة.
كما أن التكنولوجيا المستخدمة في المدينة يمكن الاستفادة منها لتطبيقها على مدن قائمة، وهذه، كما يرى «سايمون جيمس»، من جامعة وستمنستر البريطانية، فكرة سديدة، لكنه لا يميل للتفاؤل بخصوص الموعد المحدد لاكتمال المدينة، وهو عام 2015، ويرى أن نجاح المشروع يتقرر فقط عندما ينتقل الناس للسكن فعلياً في المدينة.
للمدينة الجديدة دماغ وجهاز عصبي مركزي وكلى وعيون وآذان ومعدة، أما دماغها فيتكفل بقياس نسب إشغال البنايات ودرجة الحرارة والرطوبة ومدى استهلاك الطاقة، حيث تتم تغذية تلك المعلومات للدماغ الرئيسي، بالإضافة لمعلومات أخرى متعلقة بإنتاج الطاقة عن طريق الأجهزة الضوئية وتوربينات الرياح، بالإضافة إلى كمية الماء المستخدمة والفضلات الناتجة.
أما القول مجازاً بأن المدينة تحتوي على كلى مثل البشر، فهذا لأنها تعيد استخدام أكبر قدر ممكن من المياه، بخلاف المدن الأخرى التي لا تستخدم للشرب والطبخ سوى 3% فحسب، والبقية الباقية تستخدم في المصانع وخلافه دون أن تتم إعادة استخدامها.
وسوف يتم تجميع مياه الأمطار عن طريق خزانات كبيرة موجودة على الأسطح الخضراء، ثم تتم تنقيتها عن طريق النباتات لإزالة الملوثات التي يمكن أن تحتويها، كما ستتكفل مجموعة من البحيرات وسط المدينة بباقي المهمة، حيث ستقوم نباتات الخيزران والقصب المزروعة على جوانب تلك البحيرات بتنقية المياه لجعلها صالحة للري والاستخدامات الأخرى.
وتتناول مدينة «بلانيت فالي» الفضلات بشراهة، وكمعدل فإن المدن الأخرى تعيد تدوير 5% من فضلاتها فقط، أما «بلانيت فالي» فإن «معدتها»، ستعيد تدوير 80% من الفضلات.
إعداد ـ يوسف جباعته
