تتواصل «البيان» أسبوعياً مع قرائها عبر رحلة مع نخبة من المستشرقين، المتميزين بمكانتهم العلمية الرفيعة، وروحيتهم الموضوعية المنصفة، في إضاءة فضل العرب والمسلمين، بكنوزهم المعرفية في الطب والكيمياء والرياضيات والفيزياء والآداب، على نهضة الحضارة الأوروبية والغربية، الممتدة من قلب الأندلس غرباً، إلى تخوم الصين شرقاً، حيث أسهموا في إطلاق عصر النهضة، وتطور علوم البشرية في العصر الحديث.

هذه الشهادات الموثقة لهؤلاء المستشرقين المنحدرين من قارات العالم الخمس، بمؤلفاتهم وترجماتهم وسيرهم، تؤرّخ لعلومنا وآدابنا، وتنير الجسر الرابط بين ماضينا وحاضرنا.لا يمكن لأي باحث أن يهمل مستشرق بقامة برنارد لويس مهما كانت الظروف. ولو خففنا روحه العدائية إزاء الإسلام، فيمكن القول إنه منبهر كبير بهذا التراث الذي درسه وقلب أوراقه التاريخية دون ملل أو كلل.اهتماماته تكشف عن روحه الموسوعية في المعرفة، فهو يخوض المناطق المجهولة ولنقل المحرمة كأن يدرس مذهب الإسماعيلية والحشاشين الطوائف المختلفة في المجتمع الإسلامي. تأثر لويس بمدرستي الاستشراق البريطانية - الأميركية تأثره بالعديد من مفكريهما ومنهم أستاذة هاملتون جب الذي أشرف على الدكتوراه.

العالم العربي والإسلامي

في السنوات الأخيرة، بدأ الاهتمام بقضايا العالم العربي والإسلامي المعاصرة، فكتب عن الحركات الإسلامية (الأصولية) وعن الإسلام والديمقراطية. وقام برحلات عديدة إلى الجامعات الأميركية، وألقى الأحاديث الإذاعية والتلفازية عام 1954، كما قدَّم استشارته للكونغرس الأميركي أكثر من مرة.

هناك العديد من المفكرين وخاصة العرب منهم من يعتبره خدم الاستعمار والفكر الغربي ولكن مؤلفاته العديدة تبيّن أن هذه الدوائر ربما استفادت منها لاحقاً، أي أن هذا المفكر طرح القضايا التي تخص الإسلام بروح نقدية. ومثال ذلك، انتقد المفكر الراحل إدوارد سعيد في كتابه المهم «الاستشراق» نظريات بيرنارد لويس، مؤكداً على معانيها المبطنة. ولكن ذلك لا يقلل من الكتابات الموسوعية عن الإسلام. ولكن يمكن القول إنه مفكر انتقائي، يثير الجدل حول أفكاره.

ولكن كل ذلك لا يضعف من قيمة الإسلام إذ أنه يعترف ضمنياً بعظمته واستمراريته وإلا لما خاض غمار هذا الميدان الشائك والمتشعب. ولعل الخطأ الذي وقع فيه هذا المفكر هو التعليق على وقائع معينة ويفصلها عن سياقها التاريخي ويعممها وإتباع الصورة النمطية للإسلام.

ولعل كتابه «مستقبل الشرق الأوسط» 1997، يوضح رؤيته مستقبل المنطقة ودولها وشعوبها على أعتاب القرن الواحد والعشرين. وقد ازداد الاهتمام بهذه الأفكار بعد أحداث الـ 11 من سبتمبر 2001، وخاصة من خلال تحليل الحركات الأصولية الإسلامية.

والخطأ الذي وقع فيه هو مقارنته للجهاد الإسلامي بجهاد الصليبيين المسيحيين في القرون الوسطى دون النظر إلى ما ألحق من حيف وظلم واستعمار. وارتبط صدور كتابه «أزمة الإسلام: الحرب المقدّسة والإرهاب المدنَّس» في عام 2003 وتزامن مع الاحتلال الأميركي للعراق. ولكنه يعترف بأن الإسلام يبقى لأكثر من ألف عام، مصدر القوانين والتشريعات الخاصة والعامة في حياة المسلمين.

ولم يتغير هذا الواقع حتى في ظل وقوع معظم البلاد والشعوب الإسلامية تحت احتلال الدول الأوروبية لها. ويرى أن فرنسا وبريطانيا قامت باحتلال بعض البلدان العربية لغرض» تدريب شعوبها، أو تهيئتها لإدارة شؤونها ذاتياً واستقلالها لاحقاً عن سلطة الانتداب». وهذا ليس بالرأي الصحيح لأنه يغفل ما قام به هذان النمطان الاستعماريان.

هل فشل الإسلام في مواجهة الحداثة؟

إن ما يقوله بيرنارد لويس، يكرره العديد من المفكرين العرب وخاصة ما يخص مواجهة تحديات الحداثة، ويحلل ذلك بتمسك العرب بموروثهم وأمجادهم ما يؤدي إلى إغلاق أفق المستقبل أمامهم. ويستشهد المفكر بتقارير الأمم المتحدة والبنك الدولي في «تخلف» العالم العربي والإسلامي عن اللحاق بركب الحداثة العالمية. ويؤمن بأن الهوة تتسع يوماً بعد آخر بين العالمين العربي والإسلامي والعالم الغربي.

فقد كتب وتداخل في تاريخ الإسلام والمسلمين، حتى اعتبر مرجعاً فيه، على سبيل المثال، كتب عن الحشاشين وعن أصول الإسماعيلية والفاطمية والقرامطة وكتب في التاريخ الحديث.

أثبت لويس عن قدرة كبيرة، وشبه فريدة من بين المستشرقين المحدّثين، وكشف عن موسوعيةٍ هائلة في البحث وجمع مواد التاريخ والاجتماع في العالمين العربي والإسلامي. فلقد اختار المناسب منها للفكرة المطروحة والمعالَجة، ثم قام بتشريحها وتحليلها وتقديمها للقارئ الغربي كمادة ثقافية جذابة- وليس أكاديمية باردة فحسب، وذلك بأسلوب وشكل وإطار من الموضوعية والمنطق-الجذاب واللغة-المبسطة.

فقد فهِم لويس منذ أن جاء إلى الولايات المتحدة، وربما كان ذلك من أسباب قدومه إليها أيضاً، أن الأفكار والمبادئ التي تنتجها النخب الفكرية، بذهنية ولغة أكاديمية نخبوية صافية، غير قادرة، على الأقل في المجتمعات الديمقراطية الحرة، على التأثير العميق والسريع في الثقافة العامة وصناعة الرأي، وبالتالي في صناعة القرار. ولهذا السبب اتجه إلى التخفيف عن اللغة الأكاديمية والعلمية.

أزمة الإسلام

كتابه الأكثر حداثة هو «أزمة الإسلام: الحرب المقدسة والإرهاب غير المقدس»، الذي صدر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. فهو يقول في ثنايا هذا الكتاب الأكثر تناقضاً وتبسيطية لقضايا العالم الإسلامي، بأن الإسلام محكوم بوعيه التاريخي وفكرته الجهادية المتأصلة المعادية للغرب والمسيحية ـ لكنه ينتبه إلى مغالاته التي طرحها قبل قليل، ويقول بأن «الإسلام أحد أعظم الديانات العالمية، وأن الحضارة الإسلامية، كانت الأكثر إبداعاً في كل مجال من مجالات النشاط الإنساني».

وعلى الرغم من كل ذلك، أن برنارد لويس، هو أول من طرح قضية «صراع الحضارات» وليس صموئيل هنتغتون، حتى لو سلمنا بهذا الرأي، فأن التعصب ضد الإسلام ليس حديثاً في التاريخ بل تمتد جذوره قديماً.

اهتم لويس في بداياته العلمية بالتاريخ الإسلامي ككل وركز على الفرق الإسلامية وخاصة الإسماعيلية-موضوع بحثه في الدكتوراه-، ومن ثم عاد ودرس التاريخ العثماني والتركي الحديث. وكتب عن علاقة الإسلام بالغرب والتواصل الحضاري، إلا أن اهتماماته الأخيرة بدأت في التركيز على الأصولية الإسلامية والحركات السياسية الإسلامية، وكتابه «أي يمكن الخطأ».

شاكر نوري