لم تستطع الأبراج بارتفاعاتها الشاهقة وتزاحمها في شوارع دبي أن تحجب اللون الأخضر الذي رسمته دبي على تلال صحرائها الذهبية، فلم تعد طبيعة دبي على شكلها الصحراوي القديم.

ومع مرور السنوات استطاعت أن تقهره بصبغه باللون الأخضر، الذي طالما تمنته العين في صحراء لا ماء ولا زرع فيها، لتقر بحقيقة أنه لا يحد رؤية دبي سماء ولا أرض، لتصبح معها الحدائق حقيقة واقعة ومجسدة.ومع مرور الوقت تمكنت هذه الحدائق من استقطاب أعداد غفيرة من سكان دبي والإمارات المحيطة بها، وذلك لما توفره من خدمات تتناسب مع كافة أفراد العائلة كباراً وصغاراً، وهو ما جعلها وجهة الجميع، خاصة في عطلة نهاية الأسبوع لما تمثله من متنفس لهم، ولقدرتها على إشاعة المرح في قلوب الجميع؛ خاصة الصغار منهم، في ظل احتواء حدائق دبي على الكثير من المرافق التي قد تحتاجها العائلة أثناء تواجدها فيها.

ألعاب الأطفال

حدائق دبي لم تعد مقتصرة على عدد من الأشجار القادرة على تخفيف الحرارة العالية أو المسطحات العشبية الخضراء، وإنما أصبحت تحتوي على أماكن خاصة باللعب للأطفال، وقد زودت بكل معايير الأمن والسلامة التي تحمي الأطفال أثناء لعبهم، إلى جانب تزويدها بمرافق أخرى قادرة على تلبية مختلف الهوايات من السباحة والركض وقيادة الدراجات الهوائية وغير ذلك.

وتوفر كافة الخدمات في حدائق دبي شجع الكثير من العائلات على ترك الأماكن المغلقة والتوجه إليها وقضاء وقت طويل في أحضانها، ولم تغفل إدارة الحدائق العامة في بلدية دبي شريحة ذوي الاحتياجات الخاصة، فقد عملت على توفير كافة المستلزمات التي تسهل وصولهم إلى هذه الحدائق، بحيث يتمكنون من قضاء وقت جميل مع عائلاتهم.

ومع اقتراب فصل الشتاء الذي يتميز بأجواء جميلة، تشهد الحدائق العامة في دبي إقبالاً ملحوظاً، حيث يحرص الجميع على استغلال هذه الأجواء بالابتعاد عن المراكز والمجمعات التجارية المكيفة التي عادة ما تكثر الحركة فيها في فصل الصيف، نتيجة لارتفاع درجات الحرارة في الخارج. وفي ظل ارتفاع الإقبال على الحدائق خاصة مع نهاية الأسبوع، قامت «البيان» باستطلاع آراء بعض مرتادي الحدائق العامة للتعرف إلى أسباب زيارتهم لها.

في البداية قال أحمد موسى، الذي يحرص وعائلته على زيارة حديقة الممزر بشكل أسبوعي: لقد أصبحت حدائق دبي بمثابة المتنفس لنا جميعاً، فأنا أحرص وعائلتي بشكل دوري خاصة في مثل هذه الأيام على زيارة حدائق دبي العامة، وتحديداً حديقة الممزر التي تتميز بإطلالتها على البحر.

حيث نمارس فيها رياضة السباحة إلى جانب شواء اللحم، وعادة نخرج من بيوتنا في ساعات الصباح ونبقى في الحديقة حتى وقت متأخر، وبالطبع لولا توافر كافة المرافق التي يمكن أن نحتاجها في الحديقة لما تمكنا من ذلك، وفي بعض الأحيان نتوجه إلى حديقة الجميرا لممارسة رياضة السباحة، وهي الأخرى يتوافر فيها كل ما نحتاجه، فلا نحتاج إلى الخروج منها لشراء شيء ما.

الأمن والأمان

أما منى سمارة فقالت: لم تعد الحدائق كما في السابق تقتصر على بعض أشجار الظل، وإنما أصبح الخروج إليها ثقافة عامة لدى الجميع، فكثير من العائلات تخرج إلى الحدائق للاجتماع فيها وتناول الأكل والتنفيس عن نفسها، وقد لاحظت من خلال ارتيادي للحدائق العامة في دبي اختلاف العادات والتقاليد، وطرق إعداد الأكل من جنسية إلى أخرى، إلى جانب أن بعض العائلات تحضر معها الطعام الذي حضرته في البيت ليتناوله جميع أفراد العائلة، ولكن في الحديقة وليس على طاولة السفرة.

وأشارت إلى أن زيارة الحدائق لم تعد مقتصراً على الاجتماع وتناول الطعام، وإنما يقوم البعض بممارسة الهواية التي يفضلها من سباحة أو ركض أو استرخاء أو لعب وغيرها الكثير، وذلك نتيجة لما وفرته حدائق دبي.

وتابعت: أنا معتادة منذ زمن طويل على ارتياد الحدائق العامة، حيث أصطحب معي أطفالي الذين يستمتعون بالألعاب التي توفرها هذه الحدائق، وتسمح لهم بممارسة الألعاب في أجواء طبيعية، وهذا فيه فرق كبير مقارنة مع مناطق الألعاب المغلقة الموجودة في مراكز التسوق، وفي تقديري أن أفضل ما تتمتع به حدائق دبي هو الأمان، والرقابة الأمنية، فلا يمكن لأحد أن يتعدى على خصوصية الآخرين، وقد دعم ذلك وجود رجال الأمن وموظفي البلدية، وبالتأكيد أن ذلك من شأنه أن يشيع الارتياح بين مرتادي الحدائق.

لقد عملت إدارة الحدائق في بلدية دبي على إرضاء كل الأذواق عبر توفير الاحتياجات المختلفة في الحدائق، وبنظرة عامة سنجد أن لكل حديقة عامة في دبي ميزة تجعلها مختلفة عن الحدائق الأخرى، فهناك التي تم إعدادها خصيصا لممارسة رياضة الجري، وهناك التي تم تزويدها بالمسابح الكبيرة، وتجميل شواطئها لممارسة السباحة، وأخرى تم تزويدها «بتلي فريك» يمكنك من رؤية معالم دبي من الأعلى.

رياضة الجري

ومن جهته قال مشعل توفيق: لم تعد زيارة الحدائق العامة حكراً على نهاية الأسبوع، وإنما هناك الكثير من العائلات تزورها بشكل يومي، وعادة تكون في ساعات ما بعد الظهر، حيث تكون الأجواء جيدة، ومن خلال زياراتي المتكررة لحدائق دبي وجدت أنها بالفعل تشيع الراحة في نفس الزائر، خاصة وأننا جميعا نبحث عن الهدوء والاسترخاء بعد أسبوع عمل مضغوط، وهذا بالفعل ما توفره لنا هذه الحدائق.

وأضاف: اعتدت على ارتياد الحدائق العامة مع أصدقائي، خاصة حديقة الصفا القريبة من شارع الشيخ زايد، وعادة نقوم بإعداد حفلات الشواء المشتركة أو نحضر معنا طعامنا من أحد المطاعم، وإلى جانب الهدوء الذي تتمتع به هذه الحديقة فقد لاحظت أنها مزودة بمسار خاص لرياضة الجري، وبعد تجربته وجدته مريحاً جداً لتصميمه وفق المواصفات الرياضية العالمية، كما لاحظت أنه رغم قلة تواجد الأوروبيين في الحديقة إلا أن هناك أعداداً كبيرة منهم يستخدمون هذا المسار لرياضة الجري.

وأشار توفيق إلى أن لحدائق دبي مميزات كثيرة، ولكن أفضلها أن أسعار الدخول تعتبر رمزية، وبمقدور أي رب أسرة أن يتحملها مهما كبرت عائلته، وفي تقديري أنها لا تساوي شيئا مقارنة مع الخدمات المتوفرة في الحدائق، خاصة خدمة الأمان والمحافظة على الخصوصية.

تجمع الأصدقاء

ومن جهة أخرى، قالت هبة سالم: أرتاد الحدائق العامة مع صديقاتي، وعادة يكون ذلك في عطلة نهاية الأسبوع، ويكثر خروجنا إليها في فصل الشتاء حيث تكون درجات الحرارة أقل بكثير من الصيف، ويكون الطقس جيدا وباردا في أحيان كثيرة.

وأضافت: خروجنا إلى الحدائق لا يقتصر على تناول الطعام فقط، وإنما نحاول أن نجتمع فيها ونتجاذب أطراف الحديث، خاصة وأن كل واحدة منا تعمل في مكان مختلف.

وبالتالي فمن الصعوبة أن نجتمع يوميا، ولهذا السبب نجد أن الحديقة العامة أفضل مكان لاجتماعنا، لأنه مكان مفتوح وعام ورخيص نسبيا مقارنة مع أي مكان آخر في دبي، وطبيعي أن تكثر فيه الأشجار والخضرة، وهو ما لا نجده في بعض الأماكن في دبي حيث تكثر فيها البنايات السكنية، إلى جانب إنها تتمتع بالمحافظة على الخصوصية والأمان كبقية مناطق دبي.

وتابعت هبة: لم نعتد على ارتياد حديقة بعينها، ففي كل مرة نجتمع في واحدة نقوم بتحديدها بالاعتماد على طبيعة الأشياء التي سنقوم بها في الحديقة، وقد لاحظت أن لكل حديقة ميزة تختلف عن الأخرى، لدرجة تشعرك بأنك في مكان مختلف عن بقية الأماكن التي نزورها، وأحب هذه الحدائق إلى قلبي هي حديقة مشرف التي عادة ما أجد فيها ما أبحث عنه من هدوء وراحة.

اهتمام كبير بالحدائق العامة

تعود فكرة إنشاء الحدائق العامة في دبي إلى عام 1974، وأولى هذه الحدائق هي حديقة مشرف، وجاءت الفكرة نتيجة لاهتمام دبي بهذا الجانب، حيث لم تقتصر الخدمات التي تقدمها لسكانها على البنى التحتية الحديثة، إنما رافقت ذلك بتوسيع نطاق أماكن الترويح فيها .

والتي باتت تشكل جزءا من الاحتياجات العصرية، ولذلك فقد وضعت الحكومة خطة طويلة المدى تهدف إلى زراعة 8% من مساحة المنطقة الحضرية لإمارة دبي، بحيث تتناسب مع المقاييس العالمية في حصة الفرد من المساحة الخضراء، وخلال السنوات الماضية تحولت دبي إلى حديقة خضراء بفضل الجهود المبذولة في هذا الإطار، وهو ما جعل دبي واحدة من المدن الغنية بالحدائق.

وبسبب ندرة مياه الأمطار في المنطقة، وقلة مصادر المياه العذبة الطبيعية، اعتمدت إدارة الحدائق العامة والزراعة في بلدية دبي في عملية ري الحدائق على نظام ري معقد يعتمد التنقيط والري الأوتوماتيكي، وقد أثبت هذا النظام فعاليته وقدرته على توفير كمية كبيرة من المياه المهدورة، وإلى جانب ذلك عملت على اختيار النباتات التي تتناسب وبيئة المنطقة للحصول على أقصى حد من الاستفادة من المياه.

دبي - غسان خروب