لا نذهب إلى المقهى من أجل تزجية الوقت وإضاعته، بل من أجل الحصول على المعرفة. هذا ما حاولت أن تقوله لنا الإضافة النوعية التي جاء بها معرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته الـ 29 في استحداث تظاهرة «المقهى الثقافي» وإجراء الحوارات المباشرة مع المبدعين والمفكرين العرب المشاركين ونقلها على أثير إذاعة الشارقة، مع توفير خدمات المقهى التقليدي من تقديم فناجين القهوة وكؤوس الشاي وقناني الماء.
وهذه التظاهرة وإن كانت مقتبسة من المعارض العالمية، مثل معارض باريس وفرانكفورت، لكنها تقدم الثقافة بشكل أكثر شفافية وحميمية، فعاليات معرض الشارقة للكتاب تسلط الضوء على قضايا ثقافية .
وفي مداخلة تحت عنوان «حوار حول الأدب والتاريخ» للأديب المصري الدكتور يوسف زيدان، وقدم لها الدكتور محمد مؤنس وتناولت العلاقة الجدلية والشائكة بين التاريخ والأدب، أكد مؤلف رواية «عزازيل» عدم وجود صلة كبيرة بين التاريخ والأدب، متسائلا عما إذا كان التريخ هو ما جرى فعلا أم أنه التاريخ المكتوب عما جرى، وعما حدث فعلا في القرون الأولى التي لا نعلم عنها سوى كتابة واحدة تحكي عن وقائع محددة ونظن بعد ذلك أن ذلك هو التاريخ؟، وضرب زيدان مثالا على ذلك بما يقال عن انتصار رمسيس الثاني على الحثيين في موقعة قادش.
أما الأدب، فإنه، حسب رأي المؤرخ، نصوص تصبح مدخلا لمعرفة التاريخ حسبما يرويه هذا الشاعر أو ذاك، حيث يؤرخ للماضي والحاضر، في حين يعتبر الأدب المعاصر نصا أدبيا يؤرخ للحاضر، وبالتالي فإن من يكتب أدبا معاصرا، يكتب تاريخا، بحيث تكاد المسافة تنعدم بين الأدب والتاريخ، «من هنا جاء وصف بعض أعمالي بأنها تاريخية، مع اني لا ارى أي تاريخية فيها، ففي عزازيل، مثلا، يدور الحديث عن شاب مصري ينتظر جالسا في المقهى للحصول على المخدرات»، التاريخ هنا هو الإطار الذي ندلل فيه على أن الانسان واحد أو أنه الخطاب المعرفي الذي نتنبه من خلاله على أن وعينا مغلوط، وهذا ما يفعله زيدان في روايته الجديدة «النبطي»، التي ستصدر بعد أيام، والتاريخ هنا ليس جامدا، بل هو نص مكتوب تحقيقا لغرض ما، ولذلك عندما يعود هذا التاريخ فيجب ان يعود نشطا وفاعلا وحيويا.
وأكد زيدان أنه في حالة العدوان الإسرائيلي على غزة يعتبر الكثيرون أن ما حدث هو انتصار للفلسطينين رغم المآسي، ما يدل على وجود روايتين على الواقعة نفسها، وقال: «لا يجب أن نترك المضمون ونتعلق بالشكل»، ما أثار نقاشا حادا حول هذه النقطة، حيث اعتبر البعض أن ما حدث في غزة هو انتصار لإرادة الشعب الفلسطيني.
أعقب مداخلة زيدان نقاش فاض بمزيد من الأسئلة ذات الإجابات التي تبقى مفتوحة على العقل البشري، فتساءل المؤرخ المصري الدكتور صابر عرب عما إذا كان الأدب يعتبر مصدرا للتاريخ، وعما إذا ما كان من الممكن أن يكون التاريخ أدبا، مؤكدا ان التاريخ يبقى وجهة نظر لأنه علم يتعلق بالانسان نفسه.
بينما رأت الروائية المصرية هويدا صالح أنه لا توجد مسافات حقيقية بين التاريخ والادب وأن التاريخ يكتبه المنتصرون، لكن الأدب يسرد لنا تاريخ الشعوب ويعبر عن واقعها. كما أخذ دكتور حسن فاضل على رواية عزازيل وجود مشاهد فاحشة، فرد عليه زيدان قائلا: «إذا حذفنا الجانب الأدبي من الأدب، لما بقي هذا الأدب أدبا».
وتحت عنوان «المضامين الثقافية في الصحافة العربية»، تناول الشاعر والإعلامي عبده وازن، والكاتب صقر أبو فخر، والصحافي حكيم عنكر دور الإعلام في تقديم مضامين ثقافية حقيقية، قادرة، في الوقت نفسه، على جذب اهتمام المتلقي، وفي هذا السياق رأى وازن أنه يمكن الرهان في واقع الصحافة الثقافية اليوم على المجلات الثقافية الشهرية التي تمثل جسرا بين ثقافة النخبة والثقافية الشعبية، بينما أشار عنكر إلى أن الملاحق الثقافية وخاصة ملحق الكتب لم تتمكن من الخروج عن الإطار الضيق لمفهوم الثقافة.
وهي في حال تم تفعيلها، فإنها يمكن أن تشكل خدمة حقيقية للكتاب وللقاريء المتعطش إلى تناول ما يهمه من قضايا إنسانية وجمالية في إطار ثقافي، وحول العلاقة بين الثقافة والتلفزيون رأى أبو فخر أن الشاشة الصغيرة بوصفها أكثر الوسائل إعلامية انتشارا يمكن أن تقدم خدمة مهمة للكتاب والكتّاب في آن، وذلك من خلال التعريف الجيد والممتع بمحتوى الكتب الصادرة، وذلك على غرار ما يحدث في بلدان أوروبية عديدة .
في جلسة أخرى أدارها أحمد عبد الله، تناول الدكتور محمد قيراط، عميد كلية الاتصال في جامعة الشارقة، دور الإعلام في تحديد النمط الفكري والثقافي، مؤكدا أن الفكر الأحادي يسود عالم اليوم، لا سيما عالم ما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي السابق وانهيار منظومة الدول الاشتراكية.
ورأى أن القوي اقتصاديا وعسكريا هو من يحدد لبقية العالم كيف يفكر، مؤكدا أن هذا القوي راح يرسخ فكره ووجهات نظره عبر السيطرة والتحكم بوسائل الإعلام، ما قاد العالم إلى نوع من التبعية الفكرية، التي تلقي بظلالها على كافة مناحي الحياة، على غرار سياسة التجهيل التي تمارسها القوى المسيطرة وما يترتب عليها من ابتعاد الأجيال الصاعدة عن التواصل الحقيقي مع محيطهم الاجتماعي.
وفي جلسة أخرى جاءت تحت عنوان «حوار عن الأهداف والنتائج في تشجيع القراءة»، وشارك فيها مروان جاسم السركال المدير التنفيذي لإدارة قناة القصباء في الشارقة، وأليستر بيرتنشو، من معرض لندن للكتاب، وأندرو سنيور الأخصائي بتجارة الكتب وليزا ملتون الناشرة في مؤسسة «اوريون» .
والكاتب إليا مؤلف كتب هزلية للأطفال، ودار الحوار حول كيفية تشجيع القراءة لدى كافة الأعمار وعلاقتها بوسائل الإعلام الحديثة التي تسهم بفاعلية في توصيل المعلومات للأطفال بطريقة جذابة، كما تطرقت الندوة إلى النماذج الناجحة المثيرة لاهتمام الطفال مثل هاري بوتر، التي اهتمت بالقصة والموضوع، حيث كانت الفكرة واضحة. وخلص المشاركون في الندوة إلى أنه من الممكن تناول أي موضوع شرط أن تكون فكرته واضحة ومشوقة للأطفال، بما في ذلك أعمال شكسبير.
توقيعات
يوقع في السادسة والنصف من مساء اليوم كل من: عبير الطاهر (وجدت كنزاً، قصة للأطفال)، الدكتور عبدالقدوس السامرائي (أسس البناء الروحي) ومحسن سليمان (مسرحية جونو)، وهاني نقشبندي (ليلة واحدة في دبي)، وحسين آل رحمة (نِعَم)، وذلك في جناح التوقعيات في بهو المعرض.
