لا يتوقف خطر ذوبان الجليد على التسبب بالفيضانات وانتشار الأمراض المعدية، بل يتعدى ذلك ليساهم في نشر ظاهرة جديدة تؤرق سكان المدن الكبرى القريبة من الجبال، الا وهي ظاهرة الانهيارات الصخرية التي أصبحت أكثر احتمالاً مع تزايد سوء الاحوال المناخية.
وفي العقد الأخير من السنوات باتت الانهيارات الصخرية أمراً مألوفاً في مناطق السلاسل الجبلية المرتفعة متزامنة مع ارتفاع درجة الحرارة، ويرجع العلماء السبب في ذلك إلى ذوبان القمم الجليدية فوق تلك الجبال، وما يصاحب ذلك من إزالة للمادة «اللاصقة».
التي تبقي تلك الجبال متماسكة، والأسوأ من هذا أن انخفاض سماكة القمم الجليدية التي تعلو البراكين قد يسبب اختلال قطع ضخمة من هذه الجبال وانهيارها، ما قد ينتج عنه تدمير مدن كبرى مثل مدينة سياتل الأميركية.
بالنسبة للكرة الأرضية فتلك الظاهرة ليست جديدة، لكن آخر مرة حدثت لم يكن هناك الكثير من الناس لمشاهدتها، وتشير دراسات عديدة إلى أنه قبل 10 آلاف سنة، أي في الفترة التي كانت فيها الكرة الأرضية تتحرر من أنياب العصر الجليدي الأخير، انهارت قطع صخرية ضخمة من القمم البركانية، وتسببت بانهيارات صخرية قوية، لو قدر لها أن تحدث قريباً من المدن العصرية لسببت دماراً كبيراً.
ومن أجل تقييم مخاطر تلك الكارثة، في حال حدثت مجدداً، قام الباحث «دانيال تورمي» من مركز استشارات «إنتركس» البيئي في لوس أنجليس بدراسة انهيار صخري ضخم حدث في بركان «بلانشون بيتيروا» على الحدود بين الأرجنتين وتشيلي قبل 11 ألف عام، وركز في دراسته على القطع التي تساقطت من البركان.
حيث وجد أن أكثر من عشرة مليارات متر مكعب من الصخور قد هبطت من أعلى الجبل فأناخته، ودمرت مساحة 370 كيلو مترا مربعا من حوله، في رحلة لتلك الصخور وصل طولها إلى 90 كيلو متراً، ولا يرى تورمي أن الأمطار هي التي تسببت في تفكك القطع الصخرية الضخمة، وإنما الطبقة الجليدية المتآكلة هي التي فعلت ذلك.
العالم المعاصر شهد انهيارات صخرية ناتجة عن التغيرات المناخية، ففي ديسمبر عام 1991، انهارت كتل صخرية وجليدية تبلغ زنتها 12 مليون متر مكعب من أعلى جبال نيوزلندا، وامتد الانهيار حتى مسافة 5 .7 كيلومترات جارفاً أمامه كل ما اعترض طريقه، ولم يكن بعيداً عن بعض المتزلجين الذين أسعفهم الحظ في تلك المناسبة.
ومع استمرار درجات الحرارة بالارتفاع يبدي الخبراء البيئيون، بمن فيهم تورمي، قلقهم من إمكانية أن يكرر التاريخ نفسه على البراكين المنتشرة في أنحاء مختلفة من العالم، ويرى تورمي أن العديد من البراكين الواقعة في المناطق المعتدلة معرضة للخطر أكثر من غيرها، خاصة تلك التي تحيط بالمحيط الهادي على شكل حدوة حصان.
وبما أن هناك الكثير من الناس ممن يسكنون قريباً من سفوح تلك الجبال البركانية، مقارنة بما كانت عليه الحال قبل 10 آلاف عام فإن النتائج، في حال حدوث انهيار صخري، ستكون مدمرة.
ويتوقع الخبراء أن تكون براكين جبال الأنديز هي الأولى في الانهيار، لأن درجات الحرارة هناك ترتفع بشكل كبير، بسبب ظاهرة الدفيئة، وأي حدث من هذا النوع في تلك المناطق سيكون نذير سوء للمناطق الأخرى.
أما الجبال البركانية التي لا تكسوها الثلوج، فهناك العديد من الدراسات التي تشير إلى أنها ليست هي الأخرى بمنأى عن الخطر، ففي حال تلقت تلك الجبال منسوباً متزايداً من مياه الأمطار الناتجة. هي الأخرى، عن طريق تغيرات المناخ.
يوسف جباعته
