تنور متقد يظفر المارة منه بالخبز الساخن الشهي، تدهشك مهارة صانع الخبز في التعامل مع العجين الأبيض وإدخال العجينة تلو الأخرى ببراعة في التنور، يتحدث ويراقب المارة دون الالتفات إلى ما تصنعه يداه، فقد اعتاد كاظم محمد رضا على العمل اليومي أمام التنور المتوهج بالنار دون كلل.

فأصبح متمرسا في إعداد الخبز الإيراني أو «الوقافي» باللهجة المحلية دون النظر إلى الرغيف، لأنه يحرص على مراقبة المارة فهو على ثقة من توافد المشترين على دكانه لطلب كمية الخبز التي يحتاجونها بينما تنشغل يداه بإخراج الخبز وإدخال العجائن الأخرى.

فيلتفت إلى الفرن مراقبا خبزه الذي يتضاعف حجمه بفعل الحرارة، وتفوح رائحته الطيبة ناشرة عبقها في الأجواء، مستخدما ملقطا طويلا لإخراج الخبز الناضج وتقديمه للزبون.

مهنة العمر

اعمل يوميا منذ الفجر، فأباشر بافتتاح المحل عند الساعة السادسة صباحا، لأن العمل في مجال الطعام يتطلب الحضور مبكرا فالناس تعتمد على الخبز لتحضير وجبة الإفطار، كما أن البعض يفضل الطازج والمخبوز في حينه أمامهم.

وأقوم بداية دخولي المحل بإعداد العجينة وتحضيرها في خلاط أوتوماتيكي ذو حجم كبير، وعلى الرغم من الكميات الكبيرة التي أعدها من العجينة إلا أنها سرعان ما تنفد نتيجة الإقبال الكبير على هذا النوع من الخبز، حيث اخبز في اليوم الواحد من 800 إلى 1000 رغيف.

يهدأ العمل فترة الظهر، حيث استغل وزملائي هذه الفترة بالتحديد للراحة وتناول وجبة الغداء، مع علمي بأن الطلب يزداد على خبزي في المساء وخلال فترة العصر إلى الليل بالتحديد لوجبة العشاء، فالحركة تنشط مساء وأتشارك مع زملائي في تجهيز عجينة أخرى ونتناوب على التنور حتى ينتهي العمل في الساعة الثانية عشرة عند منتصف الليل.

اعمل في هذا المجال منذ أكثر من 18 سنة، ويمتد عمر المحل لأكثر من 30 عاما، حيث أتيت لدبي وأنا على دراية بأساسيات العمل في المخابز وذلك بفضل عمل أسرتي في هذا المجال في إيران، وعلى الرغم من ذلك إلا أنه يتعين على الخباز اخذ الحيطة والحذر في جميع الحالات، فالخبرة وحدها لا تكفي للوقوف أمام التنور المتقد، كما احرص على عدم إدخال الزبائن إلى داخل المخبز خوفا عليهم وإتباعا لشروط السلامة وأصولها.

ضريبة التنور

قد ينتج من عملي حدوث بعض الإصابات التي أجدها بسيطة كحرق أصابعي أو يمسني لهيب النار في يدي ووجهي، ولكني معتاد على تلك الأمور، وفي جميع الأحوال لا أخشى حدوث مشاكل صحية لمن يتناول الخبز، حيث تعتبر درجة حرارة التنور العالية كافية لقتل الجراثيم، كما تعد درجة الحرارة مناسبة لتعقيم العجينة داخل الفرن، وإذا ما وقع شيء داخل التنور بشكل مفاجئ كحشرة صغيرة مثلا فسرعان ما تلتهمه النار مباشرة.

ومن الغريب أن هذا النوع من الخبز الإيراني، ذو الشكل والطعم التقليدي أصبح كالعملة النادرة، حيث لم يعد مقصدا للشباب للعمل في مجاله، وبالتالي صرت لا أرغب في توريث هذه المهنة لأبنائي لتنوع الوظائف وحرصي على إدخالهم المدارس وليس تعليمهم أصول الخبز.

خاصة أن الخبز اليوم أصبح يعد أوتوماتيكيا في أغلب الأماكن والبلدان، وليس يدويا كما يفضله البعض للمحافظة على نكهته، فهناك ماكينات خاصة لإعداده ولكنه لا يضاهي طعم الخبز اليدوي، ولا يوفر خبزا ساخنا على مدار الساعة.

الخبز المفضل

لاشك أن هناك أسبابا تجعل خبزي مفضلا لدى شريحة كبيرة من الناس، وعلى مدى أعوام طويلة لأن الخبز و للخبز نعمة كبيرة وهو رمز للترابط والتكافل الاجتماعي بين الناس، والخبز اليدوي مطلوبا لدى الناس واغلبهم كبار السن الذين اعتادوا على مذاقه وتناوله منذ صغرهم باعتباره الخبز المتوفر آنذاك.

ففيه عبق الماضي ومن المستحيل ألا توجد ذكريات عند الأشخاص عن الخبز اليدوي المعد عند خباز الفريج أو في داخل بيوتهم والمعد من قبل ربات البيوت، وتناولهم الأرغفة في جلسات حميمية، لذا تردنا طلبات كثيرة من الناس سواء المواطنين أو حتى الوافدين ومن مختلف إمارات الدولة.

واحرص خلال سنوات عملي على احترام الزبائن صغارا وكبارا، ومن المعروف أن الخباز لا يحتك كثيرا بالزبائن لتركيزه في عمله أثناء الخبز والوقوف على التنور وتقديم الخبز الطازج للزبائن، فلم تحدث خلافات مع الناس، بل الجميع يلقون التحية علي بينما انغمس أنا في عملي اللامنتهي.

لغة خاصة

نعم قد تحدث بعض المواقف بسبب ضغط الطلب على الخبز وبسبب كثرة الطلبات من الناس. وقد تشكلت لغة خاصة بيني كصانع خبز وبين الزبائن فمنهم من اعتاد على الإشارة بأصابعه وهو بداخل سيارته عن عدد الأرغفة التي يريدها، في حين توجد طلبات سابقة من الآخرين وهم المارة الذين يطلبون ويمضون لتخليص مشاويرهم والعودة إلي من جديد لأخذ نصيبهم.

هذه المواقف توقعني في بعض الصعوبات التي سرعان ما أتجاوزها بفعل تعاملي الطيب وحديثي الجميل مع الناس، وفي اللحظات التي يتخللها هدوء نسبي، فاني احرص على احتساء الشاي المر الذي أحليه بقطع السكر المكعبة «القند» داخل فمي، في جلسة دافئة مع زملائي.

رصد ـ نادية إبراهيم