إذا أردت أن تكتشف سر عظمة حضارة ما فعلا؛ فعليك البحث أولا في مكنونات الإنسان المكون لها، ومدى قدرته على تحويل السقطة إلى نهضة والأزمة إلى همة.

فاليابان خرجت من الحرب العالمية الثانية وهي تئن من وطأة دمار شامل ونسف شبه كلي لهياكله ومنشآته، ولكن رغم هذا احتفظت بشخصية الإنسان الياباني وبكل ما تحمله من خصال التميز والعبقرية والثقة بالنفس والاعتماد على الذات والإصرار على التصدر والريادة والبدء من جديد لبلوغ الهدف.

ومما لا اختلاف فيه أن أي ازدهار في أي مكان يتطلب عناصر عديدة ومقومات كثيرة، ولكن اليابانيين شذوا عن هذه القاعدة وجعلوا من الفرد العامل الحاسم والأساسي لصنع الفارق، فبلادهم التي تعتبر أرخبيلا يضم عشرات المئات من الجزر التي تفتقر إلى ابسط الموارد الطبيعية ولا يصلح أكثرها لممارسة النشاط الزراعي وهي معرضة باستمرار لمختلف الكوارث من زلازل وفياضانات حسب موقعها الجغرافي، ولكنهم استطاعوا أن يسدوا هذا النقص الفادح بإعداد كفاءة ومهارة احتار فيها كثير من شعوب العالم المتقدم اليوم.

فما بالك بغيرهم ممن وضعوا في درجات العالم النائية. اليابانيون اخترقوا أصعب المجالات وأدقها وتفوقوا باقتدار في عالم التكنولوجيا والصناعات المتطورة، فهم شعب يطبق مقولة «أحب ما تعمل لكي تعمل ما تحب» بحذافيرها، فتجدهم متفانين متقنين لأعمالهم منتهجين ثقافة الإبداع والبحث المستمر، والنهل من الجديد مغروسة فيهم عن بكرة أبيهم إذ تجد حتى أطفالهم الصغار جل ألعابهم وأوقاتهم مرتبطة بالعلم.

وإذا سمعت أو قرأت أن طفلا في مقتبل العمر أو شابا يافعا في العالم اخترع جهازا أو وضع نظرية أو حل لغزا علميا مستعصيا فهو ياباني كاحتمال أولي، كما ان الخبراء يرون أن عاملا مهما آخر ربما ساعدهم في المضي قدما هو أن ميزانيتهم العسكرية عكس البلدان الأخرى لا تستنزف ميزانية الدولة، حيث يخصصون جل مدخراتهم وجهودهم للبحث العلمي والاعتناء بالعلماء والمستكشفين.

وعموما الحديث عن التجربة اليابانية طويل وشيق، ولا أريد القول بان علينا كعرب بالنموذج الياباني الذي صار قطبا حضاريا رائدا، وشعبا يشبه خلية النحل في تنظيمه وانضباطه استعصى تقليده حتى على الغرب، ولكن أقول علينا بالاهتمام أولا وأخيرا بالعنصر البشري قدر المستطاع فعنده تبدأ كل حضارة وعنده تنتهي.

إسحاق ـ الجزائر