ملاحظ أن التجارب الديمقراطية بدأت في الظهور بقوة خلال السنوات الاخيرة في كافة جامعات ومدارس الدولة، وأصبح الطلبة من خلالها أكثر فهما للعبة الديمقراطية التي عادة تتم عبر الترشح والاقتراع.
وقد يظن البعض بأن هذه التجارب عادية لصغرها واقتصارها على مجتمعات طلابية، إلا أن الواقع يبرهن عكس ذلك، فقد أصبح الطلبة من خلالها قادرين على تحديد الشخصيات التي ينتخبونها، وقادرين على إيصال أصواتهم إلى الإدارات المسؤولة عنهم، إلى جانب انه أصبح لديهم القدرة على حل قضاياهم الداخلية بكل هدوء ودون ضجيج.
وبعد مضي سنوات، أثبتت هذه التجارب أن الطلبة قادرون على تحمل مسؤولياتهم وحل مشكلاتهم، وهو ما دعا إدارات الجامعات والكليات، وحتى المدارس، إلى اعتماد هذا النموذج في تعاملها مع الطلبة.
بل وتطوير آليات الانتخابات بحيث تكون أسرع وأسهل للطرفين، وفي تحقيقنا التالي ارتأينا تسليط الضوء على هذه التجارب من خلال طلبة عاشوا التجربة البرلمانية بكل حذافيرها، وتمكنوا من إيصال أصواتهم إلى الجهات المعنية في جامعاتهم ومدارسهم.
تأثير المجلس
في البداية يقول مهند محمد المعاني - عضو في اتحاد طلبة جامعة الشارقة للهيئة الإدارية التاسعة والعاشرة: نحن نعيش الآن في بيئة جامعية، وبالتالي علينا الاحتكاك بكل ما يجري فيها من أنشطة، والاستفادة منها في تكوين العلاقات الاجتماعية، والاستفادة من خبرات أساتذة وموظفي الجامعة.
وبالنسبة لي فقد أضافت هذه العضوية لي ولزملائي في المجلس الكثير من الخبرات، وزادت من ثقتنا بأنفسنا، ومن خلالها تدربنا على الكثير من المهارات مثل الخطابة وكتابة الرسائل الرسمية ومخاطبة كافة المستويات الرسمية.
وحول مدى تأثير وجود المجلس بين الطلبة، قال المعاني: من المعروف أن الاتحاد أو المجلس هو منبر للطالب، وبالتأكيد أنه يصعب على كل طالب الوصول إلى إدارة الجامعة العليا، وبالنسبة لنا نحن كاتحاد طلاب، ندرك بسبب قربنا وتعاملنا المباشر مع طلبة الجامعة ما الذي يحتاجون إليه.
ونعرف ماهية قضاياهم ومشكلاتهم، ونعمل على إيصالها إلى مدير الجامعة من خلال اجتماعاتنا الدورية معه والتي تجري شهرياً، وعادة تلقى مقترحات مجلس الطلبة الترحيب من قبل إدارة الجامعة، ورغم ذلك نعرف بأنه ليست كل القضايا التي تطرح على إدارة الجامعة، تحل وذلك لأسباب كثيرة منها مخالفة بعض الاقتراحات أو القضايا اللوائح الإدارية للجامعة، وبالطبع ففي هذه الحالة لا يوجد استثناء.
وتابع المعاني قائلا: اجتماعنا لا يتوقف عند حدود مدير الجامعة، وإنما نجتمع سنويا مع صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وفي الاجتماع نناقش معه الكثير من القضايا التي تهم شريحة الطلاب، ونحاول أن نخرج من الاجتماع بتوصيات وحلول لهذه القضايا.
أما عن شروط الترشح لمجلس الطلبة في الجامعة، فقد ذكر المعاني انه يجب على الطالب أن يكون قد أمضى في الجامعة فصلين على الأقل، وألا يقل معدله التراكمي عن نقطتين، وألا يكون قد بقي على تخرجه فصل دراسي واحد.
وأشار المعاني إلى أن المجلس يحرص على إقامة الدورات العلمية للطلاب وحل كافة القضايا التي تخصهم، إلى جانب المشاركة في المناسبات الوطنية مثل اليوم الوطني.
روتين إداري
وفي جولتنا التقينا شريف الزعبي، رئيس لجنة قضايا الطلاب في اتحاد طلبة جامعة الشارقة للهيئة الإدارية التاسعة والعاشرة، والذي أطلعنا بدوره على أبرز نشاطات لجنته، حيث قال: تعتبر هذه اللجنة واحدة من أهم اللجان في الاتحاد.
وهي تتميز بأنها تمثل كافة طلاب الجامعة، نظرا لتلقيها كافة القضايا والمشكلات التي تواجه الطلبة في هذه المرحلة، خاصة على المستوى الأكاديمي، ومن جهتنا نقوم بمخاطبة المسؤولين والجهات الرسمية، ونستمع إلى اقتراحات الطلبة في الأيام المفتوحة التي نقيمها لهم، وعلى ضوئها يبدأ عملنا.
وأوضح الزعبي قائلا: المشكلة التي نصطدم عادة بها في الجامعة تتمثل في الروتين الإداري، وهذا يقتل انجازات مجلس الطلبة، ولكن رغم ذلك نحاول أن نتعايش مع هذه المشكلة ونحل اكبر عدد ممكن من القضايا الطلابية، لإدراكنا أن المجلس الحالي هو مكمل لمسيرة المجلس السابق.
وأضاف: منذ أدائنا للقسم في شهر يوليو الماضي، تلقينا عبر البريد الالكتروني 126 قضية، بخلاف القضايا العاجلة، تم حتى الآن حل نحو 91 قضية منها، ونقوم على الفور عند حل أية قضية مهما كانت درجة أهميتها بإعلام الطلبة بذلك عن طريق موقع التواصل الاجتماعي على «الفيس بوك»، والرسائل النصية القصيرة، وإعلانات السكن والكليات وغير ذلك، وبالطبع فإن ذلك قد ساعد على تكريس سمعة جيدة لمجلس الطلبة، ورفع مستوى الثقة فيه.
مسؤوليات أكبر
أما الطالبة عائشة أحمد، عضو اتحاد طالبات جامعة الشارقة، فقالت عن تجربتها: هذه ليست المرة الأولى التي أكون فيها عضواً بمجلس الطلبة، فقد سبق لي أن دخلت هذه التجربة أثناء وجودي في المرحلة الثانوية بالمدرسة الصباحية التابعة لمنطقة رأس الخيمة التعليمية، والفرق انه في تلك الفترة كانت مسؤولياتنا محدودة نوعا ما.
وتقتصر على اجتماعات خارج وداخل المدرسة لمناقشة القضايا الطلابية، وقرارات وزارة التربية والتعليم وردود فعل الطلبة عليها، إلى جانب التعرف إلى احتياجات الطلبة واقتراحاتهم وتنفيذ بعض النشاطات الطلابية، أما في الجامعة فقد اختلف الأمر.
فمن جهة نحن نتعامل مع عدد كبير من الطلبة القادمين من بيئات اجتماعية مختلفة، وهي تجربة أوسع تمكن الطالب من تعلم مهارات الحوار والخطابة وتنمي فيه الروح القيادية، ورغم أن هذه هي التجربة الأولى لي بعد دخولي الجامعة، إلا أنني أتطلع إلى المشاركة في حل القضايا الطلابية وطرح مقترحات جديدة أعتقد بأنها ستفيد الطالبات كثيرا، والعمل على إيصالها إلى إدارة الجامعة.
تجارب صغيرة
تجربة مجالس الطلبة لم تقتصر على حرم الجامعات والكليات، وإنما خرجت من أبوابها لتجوب ساحات المدارس الثانوية في كافة إمارات الدولة، حيث حرص طلابها على ممارسة حقهم في الترشح والاقتراع.
وممارسة دورهم الدبلوماسي من خلال الاجتماعات التي يعقدونها مع إدارات مدارسهم لطرح قضاياهم ومشكلاتهم، والتوصل إلى حلول تكفل رضا الطرفين، وللاقتراب من هذه المجالس سلطنا الضوء على تجربة طلبة مدرسة الاتحاد الخاصة في الممزر، الذين انتهوا قبل أيام من انتخابات مجلس الطلبة التي حولت ساحات المدرسة إلى أشبه ما يجري في قاعات الانتخابات الرسمية.
حيث حرص الطلبة على إلقاء الخطابات التي تضمنت برامجهم الانتخابية، كما حرصوا على التعامل مع هذه الانتخابات بصورة برلمانية حقيقية من حيث الدعاية والبرامج الانتخابية، وبعيدا عن الغرف الاقتراع التقينا بعدد من الطلبة الذين تمكنوا من الفوز في هذه الانتخابات والذين حدثونا عن تجربتهم البرلمانية الصغيرة.
حيث قال الطالب حمد خليفة العقروبي: هذه ليست التجربة الأولى لي في مجلس الطلبة، فقد سبق أن كنت عضواً في مجلس الطلبة أثناء وجودي في مدرسة البحث العلمي، وبالنسبة لي أرى بأن وجود مجلس طلبة أمر مهم لأي مدرسة، لأنه يسعى بالدرجة الأولى إلى مد جسور التواصل ما بين الطلبة وإدارة المدرسة.
وطالما وجدت علاقات اجتماعية مع الإدارة فهذا في تقديري يسهل من حل القضايا أو المشكلات التي يعاني منها الطلبة، إلى جانب تحسين البيئة المدرسية، وهذا يعطي الطالب فرصة للتعبير عما يدور في رأسه من أفكار، بحيث تتحول المدرسة إلى مكان اكبر من تلقي المواد الدراسية أو العلمية.
وأضاف العقروبي: من خلال تجربتي أصبحت أدرك أن طلبة المدارس أصبحوا قادرين على تحديد الطالب الذي يمكن أن يمثلهم في المجلس، وذلك بالاعتماد على شخصية الطالب المرشح ومدى إمكانياته القيادية.
طريقة حضارية
أما الطالب راشد عبدالله التركي، والذي أمضى ثلاث سنوات في عضوية مجلس الطلبة، فقال: أداء الطلبة أعضاء المجلس يتطور في كل عام بشكل ملحوظ من حيث الأفكار والمقترحات والبرامج الانتخابية المطروحة، وبالطبع هذا ساهم برفع نسبة الإقبال على الاقتراع من قبل الطلبة.
إلى جانب انه ساهم في تعميق فكرة المجلس لدى الطلبة الذين أصبحوا أكثر تفهما وقناعة بضرورة وجود مجلس يمثلهم، وينقل قضاياهم إلى إدارة المدرسة التي ترى هي الأخرى في وجود المجلس طريقة حضارية للتواصل مع الطلبة.
وبالنسبة لنا نحن كأعضاء نعمل على تطوير هذه العلاقة مع إدارة المدرسة والمعلمين بشكل عام، ونسعى إلى تطوير هذه العلاقة بحيث تتعدى مستوى التعليم والتلقي، والوصول بها إلى آفاق أرحب وأوسع؛ بأن يرتبط الطالب بالمعلم بعلاقة اجتماعية جميلة، لأن المدرسة تعتبر ممرا تربويا وتعليميا في الوقت ذاته.
وبالتالي فيمكن للطالب أن يستفيد منها في كل الجوانب، إلى جانب أن المجلس يعطي الطالب الفرصة ليعيش حياة مختلفة بأن يمارس الدور الدبلوماسي الذي يشاهده ويقرأ عنه في وسائل الإعلام المختلفة.
الطالبة ريم الحلماني، عضو مجلس الطالبات في نفس المدرسة قالت: هذه هي المرة الأولى التي أخوض فيها هذه التجربة، خاصة وأنني على أبواب التخرج من المدرسة التي سأنتقل منها إلى مرحلة اكبر، وبالتأكيد ان انضمامي إلى المجلس سيسهم في صقل شخصيتي وتقوية الروح القيادية الموجودة لدي، لأن الوجود في هيئة كمجلس الطلبة يعطيني الفرصة لأن أكون حلقة وصل بين الإدارة والطالبات.
المؤتمر الخامس في مارس
مع بدء التحضير لمؤتمر «نحو جيل قيادي» في جامعة الشارقة يقوم اتحاد الطلاب في جامعة الشارقة سنوياً بعقد مؤتمر طلابي على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي، برعاية وحضور صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة.
وفي هذا الخصوص قال مهند محمد المعاني، عضو في اتحاد طلبة جامعة الشارقة: إن الاتحاد بدأ بالتحضير للمؤتمر الخامس على التوالي والذي سينعقد في شهر مارس المقبل تحت شعار «نحو جيل قيادي».
وأشار إلى أن الاتحاد اعتاد قبل هذا المؤتمر على مخاطبة كافة الجامعات والكليات الموجودة في منطقة الخليج، ودعوتها إلى المشاركة في المؤتمر الذي يطرح فيه عدد من الأوراق البحثية والنقاشية التي تعالج قضايا الطلبة في منطقة الخليج، وأكد أن كافة هذه الأوراق يتم عرضها على لجنة متخصصة للبت في مشاركتها.
وفي حديثه، أشار إلى أن صاحب السمو حاكم الشارقة يلتقي أعضاء الاتحاد بعد افتتاحه لأعمال المؤتمر الذي يستمر لمدة ثلاثة أيام، ويناقش معهم أبرز القضايا التي تهم الطلاب في الدولة.
دعاية انتخابية
وحول العملية الانتخابية التي تجرى في الجامعة، قال مهند محمد المعاني - عضو في اتحاد طلبة جامعة الشارقة للهيئة الإدارية التاسعة والعاشرة: تجري الانتخابات في جامعة الشارقة مع نهاية كل عام دراسي، وفي الفصل الثاني يفتح باب الترشح ويبدأ المرشحون في التحضير للدعاية الانتخابية.
والتي عادة تكون ضمن مدة محددة، ويمكن للمرشح خلالها تعليق صوره ومنشوراته وتوزيع برنامجه الانتخابي والاجتماع مع الطلبة، وبعد ذلك يجري الاقتراع، وفي العام الدراسي الماضي استحدثت الجامعة نظاما جديدا للاقتراع، والذي يتم عن طريق موقع الجامعة الالكتروني أو «اون لاين».
وبالتالي يمكن لأي طالب الاقتراع من موقع وجوده؛ سواء في البيت أو في إمارة أخرى، وبالتالي فلا داعي لحضور الطالب شخصيا إلى الجامعة للاقتراع، ومن خلال هذا النظام يمكننا القول إنه تم توفير الكثير من العناء على الطالب.
وأشار المعاني إلى أن استحداث هذا النظام قد ساعد على رفع مستوى المشاركة في الاقتراع مقارنة مع السنوات السابقة التي كان الاقتراع فيها يتم بشكل مباشر في الجامعة، إلى جانب انه فعّل عملية الانتخابات في الجامعة وشجع الطالب على الاقتراع.
دبي - غسان خروب
