عرف البث الفضائي العربي خلال السنوات القليلة الأخيرة تطوراً كمياً، حيث تزايد عدد الفضائيات بوتيرة متسارعة، لتبلغ، وفق تقارير حديثة، نحو 700 قناة متنوعة بنهاية العام الأخير وتزيد سنوياً بمقدار عشر فضائيات..
ووسط هذا الانتشار المتزايد، مازالت التساؤلات تفرض نفسها حول مدى استفادة المشاهد العربي من هذه الفضائيات وسط انقسام من الخبراء ما بين مؤيد لهذا التزايد لزيادة حدة المنافسة على تقديم وجبة إعلامية جيدة، ورأى آخر يقول إن تأثير هذه الفضائيات كان ضعيفاً إن لم يكن سلبياً على جمهور المشاهدين.. وما بين هذا وذاك تابع «الحواس الخمس» أداء الفضائيات العربية من وجهة نظر إعلاميين وأكاديميين.. والتفاصيل في السطور القادمة.
الفضائيات جزء لا يتجزأ من الثورة المعلوماتية، بل تعد ضرورة حتمية للشعوب والدول.. هذا ما يؤكده الإعلامي محمود سعد مقدم برنامج «البيت بيتك»، والذي يدلل على وجهة نظره بحال الدول العربية التي كانت تعاني حتى وقت قريب من سيطرة التلفزيون الأرضي على كل البرامج المذاعة لتعرض رأيها دون القبول بالرأي الآخر حتى جاءت الفضائيات لتفرض عليها خطة جديدة للعمل يكون هدفها نشر الرأي والرأي الآخر.
وفي تقييمه أداء الفضائيات العربية، رأى سعد أن الفضائيات العربية حملت قدراً من التفاعلية والانتشار في المجتمع، فعلى حد تعبيره قادت جمهور وسائل الإعلام في كل أنحاء العالم وليس في الوطن العربي فقط إلى الاعتماد عليها كمصدر رئيسي وسريع في الخبر والمعلومة والفكرة والرؤية، وقال إن زيادة عددها وتنوع رسالتها كانا في صالح المشاهد في المقام الأول، فقد سهلت له الوصول إلى المعلومة بالسرعة المطلوبة مهما كان موقع الحدث، والأهم من ذلك أنها أتاحت للجمهور العربي فرصة الاحتكاك مع الشعوب الأخرى والإطلاع على الثقافات المغايرة.
فرضت سطوتها.. لكن!
في حين يرى الإعلامي معتز الدمرداش مقدم برنامج 90 دقيقة الذي يذاع على فضائية المحور، أن الفضائيات استطاعت فرض سطوتها على كل الأحداث وجعلت الصحافة تتراجع بعد أن كانت السلطة الرابعة، فحتى وقت قريب كان الصحافيون يلهثون وراء رجال السياسة والاقتصاد والفن لكن تبدل الحال الآن بفضل الفضائيات.
حيث أصبح رجال السياسة والاقتصاد والفن هم الذين يلهثون وراء الفضائيات لكي يظهروا على شاشتها وإذا تم تجاهلهم يقومون بإرسال الوسطاء ويعاتبون القائمين عليها لأنهم تجاهلوهم، مما يؤكد أن الفضائيات قلبت الموازين تماماً وأصبحت هي المسيطر الأول على زمام الإعلام في العالم العربي.
وبرغم ذلك لم ينكر الدمرداش أن بعض الفضائيات حمّل الكثير من السلبيات على المجتمعات العربية وساهم في تفتيت العلاقات بين الأسرة الواحدة وعمل بعض برامجها على زيادة ظواهر العنف والإجرام والفساد الاجتماعي خاصة لدى طائفة الشباب.
الفرصة متاحة
لكن الإعلامي محمود سلطان يرى أن النظرة المتفائلة بامتلاك الأمة العربية نحو 700 قناة فضائية المزودة بأحدث تقنيات البث لا تزال تحتاج إلى تواجدنا عبر الخريطة العالمية من خلال تطوير الرسالة الفضائية وتبني قضايا حقيقية.
مشيراً إلى أننا منذ 40 عاماً ونحن لا ندري أن مشكلة الإعلام العربي أنه لم يجد فرصة للوصول إلى الآخر لنقص الكفاءة والقدرة على الوصول إليه ومخاطبته، أما الآن فقد أصبحت الفرصة متاحة وتبحث عمن يستغلها.
غرق في دوامة الإعلام المحلي
إلى هنا تضرب د. ليلى عبدالمجيد، عميد كلية الإعلام السابق بجامعة القاهرة، مثلاً بالإعلام الفرنسي الذي أوجد له جماهيرية كبيرة في البلاد العربية وفي الشام وشمال إفريقيا، بينما أخفق الإعلام العربي في أن يكون له صوت مسموع في أميركا وأوروبا، بعدما غرق في دوامة الإعلام المحلي، مبتعداً عن المشاركة في القضايا المؤثرة في الواقع العربي كله.
ودللت على هذه المحلية بنشرات الأخبار والتغطيات الإخبارية التي تأخذ مساحات زمنية واسعة ويخصص لها 30% من زمن الإرسال ولكن للأسف معظمها أخبار سياسية تنقل أقوال المسؤولين في دولة البث؟ في حين يخصص للأخبار غير المصورة 43% من جملة البث كذلك البرامج الثقافية التي لا تزيد في المتوسط على 6% وتتناول موضوعات بالمعنى الضيق.
وأوضحت عبدالمجيد أن معظم الفضائيات العربية مازالت تخاطب نفسها وترفض في نفس الوقت البحث عن صيغة وخطاب واضحين ومحددين تواجه بهما سواء المشاهد في الداخل أو الآخر في الخارج.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية
