أصبح تقصير عمر الأسنان الطبيعية مهمة نسبة كبيرة من أطباء أسنان العيادات الخاصة، الذين من المفترض أنهم أقسموا على مراعاة المرضى وإبقاء ضميرهم مستيقظاً في كل الظروف، ويبدو للأسف أن المهنية لم تعد الشيء الوحيد الذي يراهن به أطباء الأسنان على استمراريتهم وتلألؤ سمعتهم الطبية.
حيث أصبحوا بارعين في ابتكار الحيل الخبيثة لجذب المرضى إلى عياداتهم، والضغط عليهم لإفراغ جيوبهم من المال، وإجبارهم على الصمت والتكتم على أخطائهم الطبية من خلال الخصومات المالية على تكلفة العلاج تارة، وعلاجهم بالمجان تارة أخرى.
يرى الدكتور فادي محمود عبد القادر- طبيب أسنان يدير عيادة خاصة- أن استهتار المرضى، وجهلهم، وإهمالهم لأسنانهم هو الذي دفع أطباء الأسنان المعدومي الضمير إلى التعامل معهم على أسس تجارية بحتة.
وقال: يبحث أطباء الأسنان بشكل عام عن التسوسات، والحشوات، والتلبيسات في أفواه المرضى، لأنها مكلفة جداً، كما أن سحب العصب هو الحل الوحيد لديهم لما تترتب عليه من خطوات طبية تدر عليهم مالاً وفيراً في وقت أقل،.
وأنا أرى أن استهتار المرضى بالفحص الدوري هو الذي جعلهم فريسة سهلة لمعظم الأطباء، حيث يلجأ المريض إلى أرخص العيادات عندما تتضاعف آلامه، دون أن يفكر ولو للحظة أن رخص الأسعار دليل واضح على سطحية معلومات الطبيب، ورخص معداته وأدواته، وبالتالي معاناة وأوجاع.
وصرف المزيد من المال، وإمكانية الإصابة بمرض التهاب الكبد الوبائي الخطير، الذي ينتج عن قلة الاهتمام بالتعقيم، حيث يكتفي غالبية الأطباء بمسح آلة حفر الأسنان بالكحول وإعادة استخدامها من مريض إلى آخر، وهنا يعرض الطبيب نفسه ومرضاه إلى انتقال الأمراض من أجل تقليل التكاليف المالية وزيادة الكسب، والجدير ذكره أنه ليس بإمكان الجهات المسؤولة معرفة ذلك، لأن الضمير والأخلاق هما اللذان يتحكمان في تلك المسائل.
وقد عمل فادي لسنوات طويلة في مصر، والأردن، وسوريا، قبل أن يأتي إلى دبي، وعن المواقف المميزة التي مر بها ولا يزال يذكرها، قال: أتى مريض وكان يشتكي من سقوط حشوة الكروان دائماً، فأقنعه طبيبه بأن الجاذبية الأرضية هي السبب، حتى لا يكتشف المريض فشله وغشه.
أحكام سريعة
وقالت الدكتورة هبة شطا ؟متخصصة في تجميل الأسنان والتركيبات والاستعاضة-: تحدث الأخطاء الطبية عادة نتيجة لإهمال نسبة كبيرة من الأطباء لعملية التشخيص، أو للتقصير في جمع البيانات وترتيبها بالشكل المناسب، وهو الروتين الطبي الذي يساعد على تحديد العلاج الصحيح، ويحدث ذلك بسبب كثرة أعداد المرضى، حيث لا يتمكن الطبيب من إجراء كافة الإجراءات الطبية مثل:
فحص الأنسجة، والغدد الليمفاوية، والأسنان، وعمل صور الأشعة، واختبارات الحساسية للأسنان، ويكتفي بإطلاق أحكامه السريعة حتى يبهر المريض بمهارته، وتقصير عمر الأسنان من خلال عملية خلعها.
وأذكر أن هناك مريضة كلما كانت تذهب إلى طبيب كان يقوم بخلع سن من أسنانها إلى أن وصل عددهم إلى خمسة أسنان، وبالنهاية أظهرت عملية التشخيص أنها تعاني من مرض نفسي يسبب لها ألماً في عصب الوجه ويؤثر على أسنانها، وما أدهشني فعلاً هو كيفية خلع الأطباء لأسنانها وهي سليمة وخالية من التسوسات.
وعن حيل الأطباء الأخرى، قالت شطا: فكرة الطبيب الشامل، منتشرة بشكل كبير وتقف وراء معاناة الكثير من المرضى، فهناك أطباء متخصصون في الطب العام ولكنهم يحشرون أنفسهم في الجراحة المتقدمة، وزراعة الأسنان، ووضع التقويمات، ويظنون أنهم قادرون على السيطرة على زمام الأمور، ولكنهم في الواقع يتعلمون من خلال التجربة على المريض، ويرفضون تحويله إلى المتخصصين حتى لا يضيع من بين أيديهم زبون.
كذلك عدم اتباع الأطباء لمقاييس معينة تساعد على مكافحة العدوى، يجلب مشكلات لا حصر لها، فهناك أطباء يستخدمون محلول التخدير نفسه لأكثر من مريض ويكتفون بتغيير الإبرة فقط، وهذا خطأ، لأنه من الممكن أن يحدث ارتداد للدم عند إدخال الإبرة في لثة المريض الأول وبالتالي يصبح المحلول ملوثاً.
وعن المواقف المميزة التي تذكرها، قالت شطا: هناك مريضة امتنعت لخمسة عشر عاماً عن الابتسام، حتى في صور زواجها، لأنها تكره منظر أسنانها، الذين تكسروا بسبب حادث سير مؤلم، وساهم عدد كبير من الأطباء في تشويهها، إلى أن جاءت إلي وأعدت إليها ابتسامتها وثقتها في نفسها.
السمعة الطبية
وركز الدكتور سامر الخالدي ؟أخصائي تركيبات في مركز العناية الطبي في دبي- على أهمية احترام أطباء الأسنان لبعضهم البعض، وقال: المنافسة الحادة بين أطباء الأسنان والرغبة في الظهور.
واستعراض النفس، تدفعهم إلى الإساءة لبعضهم البعض أمام المرضى، وذلك من خلال التشكيك في المهارات الطبية وقد يصل الأمر إلى السب والشتم ظناً منهم أن الأرزاق تأتي بهذا الأسلوب، فقد يخبر الطبيب المريض أن الحشوة الموجودة في أحد أسنانه وضعت بشكل خاطئ حتى يتظاهر بالاحتراف، في حين أنها قد تكون وضعت بالشكل الصحيح ولكن إهمال المريض لأسنانه تسبب بإتلافها، على سبيل المثال، وهذا للأسف تسبب بإحداث فجوة كبيرة بين الأطباء العرب، وانعدام ثقة المرضى بهم جميعاً.
وعن الأسلوب الذي من المفترض أن يتعبه الطبيب في حال اكتشافه لخطأ ما قام به طبيب آخر، قال الخالدي: على الطبيب تجنب الإساءة لغيره من الأطباء، وطمأنة المريض، ومعالجته بشكل عادي دون تخويفه، وأذكر أنني قمت ذات مرة بطرد مريضة من عيادتي لتجرئها على شتم طبيب آخر أمامي.
وأضاف الخالدي قائلاً: عدم احترام أطباء الأسنان لبعضهم البعض، ساعد في نشر اعتقاد خاطئ بين المرضى، وهو تعمد الأطباء «لتخريب» أسنانهم حتى يضمنوا عدم انقطاع قدوم المرضى إلى عياداتهم وبالتالي يزداد ربحهم المادي، وهذا غير صحيح لأن أي طبيب في الدنيا لا يحب أن تكون سمعته سيئة.
الاستعراض الإعلامي
في حين استنكر الدكتور زهير الخطيب ؟استشاري علاج عصب أسنان- وجود ثلاث جهات لترخيص الأطباء ومتابعة عياداتهم الخاصة في دبي بدلاً من وجود جهة واحدة رسمية في الدولة للقيام بذلك، واعتراف مدينة دبي الطبية بالشهادات التخصصية الأجنبية فقط، وقال:
يجب تغيير نوعية امتحانات أطباء الأسنان القادمين من الخارج التي تعطى على أساسها التراخيص في دائرة الصحة، ومدينة دبي الطبية، والمنطقة الحرة، لأنها تعتمد على الحفظ والإجابة الشفهية على أسئلة الممتحنين.
وهذا لا يعد مقياساً حقيقياً لمهارة الطبيب، إذ أن معظم أطباء الأسنان الآسيويين يتقنون فن الحفظ ولكنهم يفتقدون البراعة في التشخيص وغيرها من الأمور العملية، وهذه مصيبة كبيرة، كما يجب مراسلة الجامعات التي تخرجوا منها للتأكد من حسن أخلاقهم، ومستواهم الدراسي، وخلو سجلاتهم من القضايا الأمنية، لأن صحة المرضى فوق كل شيء.
إدخال المرضى في متاهات طب الأسنان أصبحت مهنة الأطباء في العيادات الخاصة.. هذا ما أكده الخطيب، وقال: من واجب طبيب الأسنان إخبار المريض بكافة المشكلات التي تعاني منها أسنانه.
ولكن لا يحق له أن يضغط عليه من خلال أسلوب التخويف لعلاجها جميعاً حتى يزداد ربحه المادي، ولكن للأسف هذا ما يحصل في معظم العيادات، كما أن عدم توفر إحصائيات معينة توضح أعداد أطباء الأسنان وتخصصاتهم على مستوى الدولة بشكل عام، ودبي بشكل خاص، يمنع تواصل المرضى مع الأطباء المتخصصين القادرين على إفادتهم بشكل مباشر.
وحول أساليب أطباء الأسنان بالترويج لأنفسهم وحرصهم على الاستعراض الإعلامي، قال الخطيب: أطالب وزارة الصحة وكافة المؤسسات المعنية بتكثيف مراقبة محتوى الإعلانات الموجودة في الجرائد والمجلات، لأنها توجه المرضى في كثير من الأحيان إلى أطباء يبالغون كثيراً في الحديث عن مميزاتهم ومؤهلاتهم العلمية.
كذلك أطالب بمراقبة برامج المرأة التي تعنى بإبراز جمالها والعناية بمظهرها الخارجي، لأنها تستضيف أطباء أسنان يحاولون فعل العجب العجاب حتى لو لم تكن أسنان المشتركات بحاجة إلى أي تعديل، وقد لاحظت ذلك من خلال متابعتي لبعض الحلقات، لذلك أتمنى أن تكون هناك لجنة تشرف على اختيار الأطباء للمشاركة في البرامج التلفزيونية، وعلى أسلوبهم في علاج أسنان السيدات المشاركات.
تجارب
التقينا موزة علي ؟مدرسة- في صالة استقبال إحدى عيادات الأسنان، وقالت: أقع دائما في فخ الدعايات الرنانة، وقد حفظت أساليب أطباء الأسنان المتعددة في غرس الاطمئنان في نفوس المرضى لجذبهم إلى عياداتهم وإفراغ جيوبهم لاحقاً من المال، ومن تلك الأساليب:
طمأنة المريض بأن حالته بسيطة وأنه قد عالج العشرات مثله، وإبهاره بكم الصحف والمجلات التي كتبت عنه، وعلاقاته بالكثير من الأطباء المشاهير، حتى يتأكد المريض من أنه في العيادة الأفضل على الإطلاق وأن من يعالجه محترف وذو خبرة، كذلك كان أحد الأطباء يخبرني بأن المواد الطبية التي يستخدمها لا توجد إلا في عيادته فقط، بالإضافة إلى أنه كان ينسب لنفسه الفضل في جمال ابتسامات العديد من السيدات، وهذا ما جذبني إلى عيادته.
لم تفكر موزة ولا مرة في أخذ حقها بالقانون من الأطباء الذين جعلوا فمها حقلاً لتجاربهم الفاشلة إلى أن ساءت صحة أسنانها ولثتها، وقالت: معظم العيادات التي ذهبت إليها لم تكن تحفظ أسرار مرضاها.
وهذا سبب لي حرجاً كبيراً على الصعيد الاجتماعي، كما أنني عانيت كثيرا بسبب خبث الأطباء، فبعد كل خطأ طبي كانوا يقدمون لي خصومات كبيرة على تكلفة العلاج، حتى لا أذهب إلى عيادات أخرى وأسيء إلى سمعتهم الرنانة، وقد كنت أعطيهم بدلاً من الفرصة عشراً ولكنني وجدت أنني الخاسرة الوحيدة وأن علي تحمل أخطائي، وهذا ما جعلني أقرر السفر للخارج لتلقي العلاج اللازم.
أما أحمد عامر ؟طالب جامعي- فقال: اقترح علي أحد أصدقائي الذهاب معه إلى عيادة الأسنان التي يتعالج فيها، فوافقت على الفكرة ويا ليتني لم أوافق، فبعد أن انتهى الطبيب من علاج صديقي، ألح علي للموافقة على فحص أسناني بالمجان، وتحت ضغط المجاملات وافقت، وأقنعني بضرورة خلع أحد أسناني المصابة بالتسوس، ومراجعته بعد أسبوع، وعند عودتي إليه مرة أخرى أقنعني بأسلوب خبيث خلع سن آخر.
وهكذا إلى أن خلع لي ست أسنان من الفك السفلي وأخبرني بأنه سيقوم بزراعة ست أخرى بدلا منها وسيمنحني خصما ماليا كبيرا، ولكنني عندما ذهبت إلى عيادته بعد شهر من الجلسة الأخيرة تفاجأت بسفره إلى بلده الأم.
استخدام اللغة الإنجليزية غطاء لخداع المرضى
يلجأ العديد من أطباء الأسنان إلى استخدام المفردات الطبية الإنجليزية بكثرة أثناء التحدث مع المرضى دون ترجمتها إلى اللغة العربية، كأسلوب من أساليب إظهار النفس، وإقناع المريض باحترافهم، وقد أكدت نسبة كبيرة من الأطباء أن تلك الحيلة تشعر بعض المرضى براحة نفسية كبيرة، وتعمل على زيادة ثقتهم بالطبيب الذي يعالجهم، بالرغم من عدم فهمهم للكثير من المعلومات التي يسمعونها منه وإحساسهم بالحرج في كثير من الأوقات، فعقدة الطبيب الأجنبي لا تزال تسيطر على عقولهم.
وفكرة أنه الأفضل والأكثر مهارة وبراعة من الطبيب العربي، لا تزال هي العنوان العريض عند المقارنة بينهما مع العلم أن نسبة كبيرة من أطباء الأسنان العرب درسوا في أهم الجامعات الأجنبية وانتسبوا لدورات ساعدت على تطوير مهاراتهم ومعلوماتهم، في حين أن تلك الحيلة تشعر البعض الآخر من المرضى خاصة كبار السن بالغضب والانزعاج، لأن عدم فهمهم لما يقول الطبيب يضاعف إحساسهم بأنهم أشخاص مغفلون.
وفضلاً عن الخداع باللغة الأجنبية والمصطلحات العلمية غير المعروفة يروي أحد الأطباء أن مريضاً راجعه إلى العيادة وطلب أن يخلع سناً من أسنانه بالكهرباء، حيث اتضح أن طبيباً آخر أقنعه بأن الخلع بالكهرباء أحدث ما توصل إليه طب الأسنان.
شركات التأمين تزيد معاناة المرضى
أكد الدكتور فادي عبد القادر أن شركات التأمين تعد سبباً من أسباب معاناة المرضى مع أطباء الأسنان في العيادات الخاصة، وقال: تتعمد شركات التأمين وضع أسعار قليلة على حساب صحة المرضى، فمثلاً هناك شركة معروفة قامت بوضع سعر 150 درهماً لعلاج سحب العصب، في حين أن تكلفته تصل إلى 1700 درهم تقريبا وربما أكثر في بعض العيادات الأخرى.
وهذا يدفع الطبيب إلى استخدام مواد رخيصة تتناسب مع ميزانية المريض، حتى لا يتسبب بالخسارة لنفسه، كذلك تقوم بعض الشركات التي تهدف إلى ترويج منتج معين قد يكون معجون أسنان، أو فرشاة، أو كريم خاص باللثة، إلخ، إلى دفع مبالغ مالية كبيرة إلى أحد الأطباء حتى يقوم بعمل الدعاية وينصح الناس باستخدامه، وأنا أرفض هذه الدعايات الرنانة، لأنها تصور هذا المعجون على سبيل المثال، على أنه الأفضل على الإطلاق وهذا غير صحيح، لأنه من ضروري تغيير نوع معجون الأسنان كل ستة أشهر تقريبا.
وأضاف نسبة كبيرة من الأطباء لا يخبرون مرضاهم عن بعض المشكلات الشائعة مثل انكسار بعض الأدوات في لثة المريض حتى يتهربوا من تحمل تبعاتها السلبية.
عدم استخدام الطبيب للقفازات يتسبب بأمراض خطيرة
تنتقل الكثير من الأمراض عن طريق اللعاب أو الدم ومنها: مرض الكبد الوبائي، والإيدز، والسل، والالتهابات البكتيرية، والفطريات، وقالت الدكتورة هبة شطا ؟متخصصة في تجميل الأسنان:
غالبا ما تنتقل الأمراض بسبب عدم استخدام طبيب الأسنان للقفازات الواقية، حيث تصبح يديه مصدراً ناقلاً للعدوى والأمراض، وهذا خطأ طبي يؤدي إلى حدوث مضاعفات بعد العلاج، ولا يحرص الكثير من الأطباء على مبدأ الدقة في العمل، حيث يتعاملون مع معامل ومختبرات طبية رخيصة، ويشترون منها مواد ذات جودة قليلة، لا تعيش في أفواه المرضى إلا أشهراً معدودة.
وقالت: إن تحضير المريض النفسي للمضاعفات التي قد تحدث يعد نصف الطريق إلى العلاج، كما أنه يخرج الطبيب من دائرة الإحراج والضعف التي قد يضع نفسه فيها في حال لم يكن صريحا مع المريض منذ البداية.
وتحدثت شطا عن سياسة تحويل المرضى بين المتخصصين، وقالت: يبنى التعاون المتبادل بين الأطباء في معظم عيادات دبي للأسف على مقدار الربح المادي، وهذا ليس من أخلاقيات المهنة، لأن المريض في هذه الحالة سيكون سلعة يتبادلها الأطباء الذين لا يتمتعون بالنزاهة ويتاجرون بها.
ريما عبدالفتاح
