«كلمات غريم» هو الكتاب الثالث من السيرة الذاتية للروائي الالماني المعروف غونتر غراس ، الجزء الاول كان «خلال تقشير البصل» 2006 وتحدث فيها عن مرحلة الطفولة والشباب والجزء الثاني «الصندوق» عن الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية وبالاضافة الى أسرته .
وهو يكمل سيرته الذاتية بالجزء الثالث «كلمات غريم» وعنوان فرعي «اعلان حب للغة الالمانية» اي ان علاقته باللغة الالمانية تشكل ركيزة اساسية في هذا الكتاب «اللغة التي ضمتني أكثر من ستين عاما ومنحتني كل شيء» يقول غراس بدأ غونتر غراس الجزء الثاني من سيرته بحكاية كان هناك أب حين تقدم به العمر، نادى على اولاده وبناته .. الاربعة، الخمسة، الستة، الثمانية، بعد تردد طويل جاءوا وهم يجلسون الآن حول المائدة ويتحدثون.
وها هو يبدأ الجزء الثالث بالاسلوب نفسه : «كان هناك شقيقان، ياكوب وفيلهلم» وهنا يضلل غونتر غراس القاريء كي لايقرأ عمله الروائي الاخير بمعزل عن الجزأين السابقين من سيرته الذاتية .
يتناول غراس في الجزء الثالث من سيرته قصة الاخوين غريم يعقوب وفيلهلم القرن التاسع عشر الذين قاما بجمع القصص الخرافية الالمانية وقصص شعبية من اهمها بياض الثلج والاقزام السبعة وذات الرداء الاحمر وعملا بدأب وإصرار على جمع اول قاموس شامل للغة الالمانية بدءأ من سنة 1838 .
وما واجهاه من متاعب ومشاكل من المقربين والعائلة والاصدقاء وخصوصا حين واجها ملك هانوفر إرنست أوغست الذي قرر عام 1837 الغاء الدستور ، الامر الذي يراه غراس جامعا له مع الاخوين غريم للالتزام بهموم الجماهير وقضاياه وتبني ذلك كموقف في الحياة وفي اعماله الابداعية .
بحرفة ودراية يمسك غراس بتلابيب القاريء ويمزج بين سيرته الذاتية وسيرة الاخوين غريم خصوصا اصرارهما في جمع قاموس الماني شامل رغم انهما لم يستطعا سوى إكمال الحروف الستة الاولى، أنهى الآخرون القاموس معجم غريم للغة الالمانية بعد 120 سنة في ثلاثة وثلاثين مجلدا - في عام 1960 ومواجهتهما لملك هانوفر وخسارتهما لمنصبهما مع خمسة اساتذة آخرين في جامعة غوتينغن يستحق التحية والتبجيل والتوقف عنده .
أقف قرب يعقوب غريم الذي يجلس القرفصاء وأحاول أن أجعله يقرأ بعناية رسائل الموسيقار مندلسون بارتولدي، غير أن الموسيقى والموسيقيين لا يثيرون اهتمامه، حتى لو كانوا من المشهورين في كل أنحاء العالم.
وعندما ألفت انتباهه إلى الرسالة الشهيرة التي وجهها كلاوس مان في عام 1933 إلى الشاعر غوتفريد بن، ورد الشاعر البشع على الكاتب الشاب، فإن غريم يظل مستغرقاً فيما يفعله ولا يعيرني أدنى انتباه.
وحتى عندما حكيت له عن مراسلاتي مع الكاتب التشيكي بافل كوهوت الذي كان مفعماً بالأمل في ربيع براغ، أو عن مراسلاتي مع الكاتب الياباني كانيبور أوي التي تحدثنا فيها عن تاريخ الحروب التي تسببت بلدانا فيها عاقدين المقارنة بين اليابان وألمانيا كل ذلك لم يثر اهتمامه. وعندما هممت بترك غرفته بدا وكأنه يود أن يعيرني آذانه عندما تسنح الفرصة لذلك.
مثل القاموس الالماني الذي عمل عليه الاخوان غريم ، يبدأ صاحب الطبل الصفيح ، الجزء الثالث من سيرته بحرف الالف وينهيه بحرف الياء ، وليس هذا فحسب فالغلاف الذي صممه بنفسه مثل كل اغلفة كتبه عبارة عن الحروف الخمسة الاولى في الابجدية الالمانية متداخلة بطريقة ساحرة ومختلفة تناسب محتوى السيرة الذاتية .
ويؤكد صاحب الطبل الصفيح ان علاقته مع الاخوين غريم بدأت من سنوات طفلته حيث كانت والدته تصحبه الى مسرح مدينة دانتسيغ لمشاهدة المسرحيات المقتبسة عن قصص وحكايات الاخوين غريم ويؤكد غراس انه مدين للاخوين غريم ويشترك معهما في حب اللغة الالمانية هذه اللغة بيتي الحقيقي بالاضافة الى انهما تركا اثرا كبيرا في حياتي وفي نتاجي الادبي أيضا .
في كلمات غريم ييتوقف غونتراس عند تاريخه السياسي الحافل وعلاقته بالحزب الديمقراطي الاشتراكي ووقوفه الى جانب الكتاب المضطهدين وقتها في المانية الشرقية ومعارضته العنيفة والقوية للحرب على العراق وكذلك الوحدة الالمانية التي ان المانيا الرأسمالية ابتلعت شقيقتها الصغيرة.
عبر تسعة فصول ممتعة ومثيرة يأخذنا معه غونتر غراس عبر حياته ورحلته الطويلة مع اللغة الالمانية ، الفصل الاخير يخصص للحديث عن الموت وهنا وصفت الاوساط الثقافية والنقدية الالمانية كتاب غريم بانه كتاب غراس الاخير في السادس عشر من شهر اكتوبر القادم سيبلغ الثالثة والثمانين - واهم كتبه على الاطلاق.
وعبر فصوله يودع غراس الجميع : اسرته اولا ، وحبي ادبه ، واللغة الالمانية وعالمه الخاص أيضا : يقف الموت هناك .. وما يحزنني انني لن أرى زوجتي وبناتي وأبنائي وأحفادي، ولن اعرف نتائج مباريات دوري كرة القدم ، حين تاتي ليكن ذلك سريعا ولطيفا وبلا ألم.
برلين - مروان علي
