أعياه اليأس واستوطن قلبه القنوط، بعدما سأم البحث عن وظيفة من دون جدوى، وغدت تساؤلات المقربين منه حول مستقبله، وعن مدى توفيقه في الحصول على عمل، تضيق الخناق عليه، وتضرم النار في أعماقه.
هو حاصل على مؤهل متوسط، منذ أكثر من ثلاث سنوات، ولطالما كان يمني النفس بأنه سيجد العمل المناسب، وسيتمكن ذات يوم من تكوين أسرة، وسيتزوج من ابنة عمه التي يحبها من كل قلبه، ولكن من يجرؤ على الجهر بهذا الحب، في ظل ظروفه البائسة؟نظرات والده وعباراته المتهكمة، تعمق مأساته، وتدفعه دفعاً إلى حافة الجنون: «لو كنت قد بذلت المزيد من الجهد، وسعيت للحصول على شهادة عليا، لما آل بك الحال إلى هذا الواقع، ولكنك لم تسع كما ينبغي، وعليك الآن أن تتقبل أن حصولك على وظيفة، أشبه ما يكون بالحصول على إبرة وسط كومة قش»، «أصحاب العمل لن يوظفوا فاشلاً مثلك، فهناك طوابير طويلة من خريجي الجامعات المؤهلين، ممن ينتظرون نصف فرصة».
في قرارة نفسه يشعر بأنه ضحية، وأن الظروف تتربص به، وقد تعزز هذا الشعور، عندما رأى حبيبته التي يكابد لوعة حبها، تزف أمام ناظريه إلى شاب لا يزيد عنه في شيء، اللهم إلا أنه من أسرة ثرية، وقد ولد وفي فمه ملعقة ذهبية!عندئذ... بدأت تنتابه موجات عنيفة من الحزن والكآبة، وغدا انطوائياً متقوقعاً حول همومه الذاتية، حتى فقد رغبته في الحياة، أو بالأحرى فقد إيمانه بالحياة، وقدرته على الاستمرار فيها.قرر أن يفر بأية وسيلة، وأن يغيب عن الواقع، وسرعان ما سقط فريسةً بين براثن رفاق السوء، الذي ساقوه إلى المخدرات، وهكذا بدأت رحلة السقوط المدوي.
هذا الشاب ليس حالة استثنائية، وإنما هو نموذج لا يختلف كثيراً عن معظم الشباب الذين يتردون في حفرة الإدمان السحيقة، ولكن مع اختلافات بسيطة قد تكمن فقط في التفاصيل، وليس في المقدمات والنتائج... ومثل هؤلاء الشباب، قد يجدون الفرصة للعودة إلى «سكة السلامة» عبر التقدم إلى المركز الوطني للتأهيل في أبوظبي، الذي يقدم مجموعة من البرامج التأهيلية، الصحية والنفسية والاجتماعية، لمساعدة المرضى بالإدمان، إلى العودة إلى الحياة. ثلاثة خطوط يقول الدكتور حمد عبد الله الغافري مدير عام المركز: إن عمل المركز يسير على ثلاثة خطوط متوازية، وهي: الوقاية والعلاج والتأهيل، وتبلغ السعة الاستيعابية للمركز حالياً 28 سريراً للمرضى الداخليين، بالإضافة إلى العيادة الخارجية التي تستقبل حوالي 50 حالة شهرياً.ويستقبل المركز نزلاءه عبر أربع قنوات أساسية، تتمثل الأولى في أن المريض يتقدم بذاته للحصول على العلاج، أو أن تقوم أسرته باصطحابه إلى المركز.
وهناك المرضى الذين يتم تحويلهم من المؤسسات العلاجية، والمحولون من أجهزة الأمن ممن حكم عليهم بأحكام قضائية في قضايا تعاطٍ، على أن تكون السابقة الأولى.
ويضيف: إن العلاج في المركز يستغرق فترة زمنية متوسطها ثلاثة أشهر وخلالها يخضع المريض لبرنامج علاج عضوي ونفسي مكثفين، وهناك برامج اجتماعية تأهيلية، تم تصميمها بالاسترشاد بتجارب الدول المتقدمة في هذا المجال، ووفق القيم والمعايير الأخلاقية لمجتمعنا، مما ساهم في أن يحقق المركز معدلات نجاح عالية، تعادل نسب النجاح العالمية، في مجال علاج المدمنين، وعدم حدوث انتكاسة لهم بعد الشفاء.
مشيراً إلى أنه من المتعارف عليه أن نسبة حدوث الانتكاسة المتعارف عليها عالمياً، تبلغ ما بين 40 إلى 35% وقد تمكن المركز الوطني للتأهيل من خفض النسبة إلى ما بين 35 إلى 30%.
إزالة السموم
وحول الخطط العلاجية المتبعة في المركز، يقول: إن مريض الإدمان، يخضع أولاً لبرنامج يسمى برنامج إزالة السموم، ويستغرق ما بين 10 إلى 14 يوماً، ثم تبدأ المرحلة الثانية، وهي مرحلة إعادة التأهيل، ويبلغ متوسطها الزمني شهرين، وخلالها يحظى المريض بعدة طرق علاجية، من أبرزها:
العلاج الفردي والجماعي والعلاج تحت إشراف الأخصائي النفسي، الذي يبدأ برنامجه العلاجي بالسعي لكسب ثقة المريض، عبر الاستماع إلى تجربته الذاتية، للتعرف على تاريخ المرض وعوامله وبيئته الاجتماعية والثقافية، مما يساهم في تكوين صورة شبه مكتملة عن ظروف الحالة المرضية.
وحينما يتأكد المعالجون من نجاح كافة خطوات العلاج السابقة، يبدأ العلاج الأسري والاجتماعي، حتى لا يصطدم المريض بأزمات تصيبه بهزات نفسية، وتمنحه الدوافع للعودة إلى ما كان عليه قبل الإقلاع.
ويقول الدكتور الغافري: إن المركز الوطني للتأهيل قد حرص منذ افتتاحه قبل ثمانية أعوام، على ترسيخ مبدأي سرية المعلومات الشخصية للمريض، واحترام إنسانيته وحقه في العودة إلى الحياة، مؤكداً أن أهم ما يميز المركز أنه ينظر إلى المدمن باعتباره مريضاً وليس مجرماً، كما أنه ليس مجنيا عليه في الوقت ذاته.
ويتابع حديثه عن خطة العلاج قائلاً: بعد حوالي شهرين تبدأ عملية التقييم النفسي والاجتماعي والصحي لنزلاء المركز، ومن ثم يتم السماح لهم بالحصول على إجازات متقطعة محسوبة علمياً، وذلك تمهيداً لخروجهم بعد اكتمال تعافيهم والتأكد من أنهم تخلصوا من براثن الإدمان، موضحاً أن المركز قد يلجأ في بعض الحالات، وحسب رؤية الخبراء والأطباء المختصين من كوادره المؤهلة، إلى إلحاق بعض المدمنين السابقين، بعد شفائهم وقبيل السماح لهم بالعودة إلى ممارسة حياتهم العادية، إلى إلحاقهم بما يسمى ب«منزل منتصف الطريق».
مقاومة الانتكاس
ويقول: إن هذا المنزل كما يبدو من اسمه، مخصص لإقامة المتعافين من الإدمان، ممن تماثلوا للشفاء ولكن الخبراء يرون أنهم لم يصبحوا بالقوة والصلابة المناسبة لمقاومة الانتكاس في حال تعرضوا لأية مشكلة تواجههم، ويقع المركز في منطقة هادئة في إمارة أبوظبي ويستوعب تسع حالات في وقت واحد، ومن واقع التجربة يمكن الجزم أنه حقق معدلات نجاح فاقت كل التوقعات.
وفيما يتعلق بالاتفاقية التي وقعها المركز مؤخراً مع الأمم المتحدة، يقول: إن المركز يطمح لأن تحقق الاتفاقية عدداً كبيراً من الفوائد، ومن أبرزها وأهمها: أنها تقضي بأن تتم دراسة الوضع الحالي لواقع وأنماط الإدمان الأكثر شيوعاً على أرض الدولة بهدف وضع الأساليب المناسبة للتصدي له.
وكذلك إعادة صياغة الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الإدمان، وتقديم الرأي الفني للجهات المعنية بمكافحة المشكلة، وتأهيل الكوادر الوطنية المؤهلة والمدربة للعمل ضمن كوادر المركز، من أجل تلافي مشكلات نقص الكوادر الوطنية والعربية الخبيرة في هذا المجال.
كما تهدف الاتفاقية إلى وضع برامج وقائية علمية، تستند على البحث العلمي المنهجي والمدروس، ومساعدة المركز في مساعدة المحكوم عليهم في قضايا التعاطي.
ويقول: إن إحصائيات المركز منذ بداية العام حتى منتصف أكتوبر الجاري، تكشف أنه تم استقبال 130 مريضاً 34% منهم في مقتبل العمر ولم يتجاوزوا المرحلة الإعدادية من دراستهم، و37% مازالوا في المرحلة الثانوية، مما يعني أن أكثر من ثلثي المدمنين ينتمون للفئات العمرية المتدنية، وهؤلاء يشكلون عماد القوة البشرية المستقبلية التي يعول عليها الوطن، وهو الأمر الذي يدق أجراس الخطر ويدعو إلى الوقوف صفاً واحداً لمواجهة المشكلة.
الإدمان والبطالة
ويتابع: إن الإحصائيات توضح أيضاً أن 62% ممن يدمنون هم من العاطلين عن العمل، وهؤلاء يشكلون فرائس سهلة المنال لتجار الموت الذين يستغلون ظروفهم الاقتصادية الصعبة وشعورهم باليأس والإحباط للزج بهم في جحيم المخدرات، ومن المؤشرات المهمة أيضاً أن 47% من الحالات هي لمدمني الحبوب المخدرة، مما يستدعي تشديد العقوبات على حيازتها وتعاطيها وترويجها كما هو الحال بالنسبة للمخدرات الأخرى.
ورداً على سؤال حول نسبة المدمنات من إجمالي الحالات التي يستقبلها المركز، يشير الدكتور الغافري إلى أن المركز في الوقت الراهن لا يستقبل المدمنات، وهو الأمر الذي يشكل نقطة ضعف في أدائه.
وهناك حالياً خطة يتم بحثها بالتعاون مع الإدارة العامة لشرطة أبوظبي، تهدف إلى إنشاء مركز مخصص لاستقبال المدمنات، على أن تكون طاقته الاستيعابية عشر حالات، وتقضي الخطة أن يدار المركز الجديد بواسطة مجموعة من الخبيرات المؤهلات للتعامل مع المدمنات.
ويقول: إن المنطقية تقتضي أن نقر بأن تجار الموت لا يستثنون أحداً، ذكراً أو أنثى من سمومهم، ومن المؤكد أنه طالما هناك حالات لمدمنين ذكور، فإن هناك حالات لإناث، غير أنه ومن واقع الخبرة أستطيع الجزم بأن حالات إدمان الإناث للمخدرات أو الكحوليات في الدولة، في أدنى وأضيق الحدود، وهو الأمر الذي يرجع إلى تشبث المجتمع بتقاليده العربية والإسلامية، وحرص الأسر على رقابة بناتهن بشكل أحكم وأشد من رقابتهم لأبنائهم الذكور.
من جهته يتناول محمد الحوسني مدير إدارة الأنشطة الاجتماعية بالمركز أبرز الخدمات الاجتماعية التي يقدمها المركز للحالات التي تخضع للعلاج فيه قائلاً: إن المركز ينطلق في عمله من أساس أن علاج المدمن لن يتحقق على النحو المطلوب، ما لم يتم تأهيله بشكل علمي للعودة إلى ممارسة حياته بصورة طبيعية.
والأخذ بيده وتسليحه بالمهارات والمعارف التي تساعده على إيجاد فرصته في العمل الكريم حتى يكون عنصراً فعالاً يساهم في بناء وطنه لا أن يكون طاقة معطلة ومعول هدم في المجتمع ويتحقق ذلك من خلال 12 برنامجها علاجياً وتأهيلياً.
رؤية شاملة
ويضيف محمد الحوسني: إن البرامج السابقة تكشف أن المركز يسير وفق رؤية شاملة تراعي في المقام الأول والأخير أن المدمن كيان إنساني، ومن الممكن اللحاق به وتحويل مساره، وقد أثبتت التجربة العملية أن المركز حقق نجاحاً مشهوداً في مجال إعادة التأهيل، وأنه قد غدا واحداً من أهم المراكز الإقليمية المتخصصة، موضحا أن البرامج الاجتماعية لا تتوقف على متابعة المريض أثناء وجوده في المركز فقط، وإنما تهتم بدعمه بعد خروجه.
وقد قام المركز في هذا الصدد بتوقيع اتفاقية مع صندوق خليفة لدعم مشاريع الشباب، لمنح المتعافين فرصة الحصول على قروض ميسرة لبدء مشروعات صغيرة، كما وقع اتفاقية مع أكاديمية الإمارات لتشغيل المتعافين في مهن تتناسب مع خبراتهم أو المهارات التي تعلموها أثناء وجودهم في المركز، هذا فضلاً عن الاتفاقية الموقعة مع برنامج تكاتف الاجتماعي التي تهدف على إشراك المتعافين في البرامج التطوعية حتى يشعروا بأنهم ذوو قيمة وأهمية في وطنهم.
مؤشرات خطيرة
من جهته يكشف الدكتور أحمد يوسف استشاري الطب النفسي، المدير الطبي بالمركز عن مجموعة خطيرة من المؤشرات، حول واقع تعاطي المخدرات، حيث يقول: إن بعض الدراسات العربية الموثوق بها، ذهبت إلى أن مرحلة الاستكشاف، التي تمثل الخطوة الأولى على طريق الهاوية والإدمان، قد أصبحت تبدأ مع بلوغ الطفل سن العاشرة.
وأن هناك تناقصاً مستمراً في معدلات أعمار المدمنين، وهو الأمر الذي يشكل مؤشراً كارثياً وخطيراً حول مستقبل أمتنا ولذلك فعلى أولياء الأمور مراقبة ومتابعة أبنائهم جيداً .
ويضيف: إنه بالنسبة للإمارات تحديداً، لا توجد دراسات علمية يمكن الاطمئنان إلى نتائجها في الوقت الراهن، ولكن يجب دائماً أن نأخذ بعين الاعتبار أننا نعيش في نفس المحيط الثقافي والحضاري والاجتماعي والسياسي، مما يعني أنه لا يمكن التغاضي عن نتائج الدراسات السابقة، ولا يمكن تجاهلها لدى التعاطي مع مشكلة الإدمان.
ويقول: إن رغبة الإنسان في أن يكون سعيداً تمثل حاجة بشرية لا يستطيع التخلي عنها، وجميع المواد المسببة للإدمان تقوم باختطاف مراكز السعادة في المخ، فلا تعمل هذه المراكز إلا في وجودها، مما يجعل الخروج من هوة الإدمان السحيقة أمراً بالغ الصعوبة، كما تؤدي نفس المواد إلى اضمحلال تدريجي في مراكز الذاكرة.
مشيراً أن الخطوة الأولى في رحلة الخروج من الإدمان يجب أن تبدأ بشعور المريض بحاجته إلى العودة إلى الطريق القويم، أو بالعلاج النفسي الذي يشرح له ما يحيق به من مخاطر، ومن ثم غرس الرغبة في الشفاء في أعماقه، مؤكداً أن الدراسات العلمية تؤكد أن معالجة مشكلة الإدمان في مجتمع ما، لا يمكن أن تحقق النجاح في حال اعتمدت على المنظور الأمني فقط، أو اهتمت بتشديد العقوبات وتغليظها، فالمعالجة الناجحة يجب أن تكون أمنية وعلاجية ووقائية في الوقت ذاته.
علي جلال.. 19 عاماً بين الإدمان والقضبان
أمضيت أحد عشر عاماً، تمثل نحو ثلث عمري، في ظلمات السجون، وسقطت في الدرك الأسفل من الإدمان، فيما كنت في الثالثة عشرة، بدأت بتعاطي السجائر، ثم الحشيش، ثم الأفيون، ثم الحبوب ذات التأثير على العقل، حتى انتهيت إلى إدمان الهيروين، وما كنت أحسب أنني سأخرج من الهوة السحيقة التي ترديت إليها، حتى جعل الله لي مخرجاً، وما كنت أحس أن البدايات المأساوية ستنتهي إلى نهاية سعيدة.
بهذه العبارة بدأ علي جلال الشاب ذو الثمانية والثلاثين عاماً، حديثه عن العودة إلى الحياة، وعن الملابسات والظروف التي أسفرت في نهاية الأمر في أن يصبح مدمناً، وفي أن يتاجر بالمخدرات أيضاً.
يقول علي جلال: وضعت خطوتي الأولى على درب الآلام، ومضيت في سكة الندامة، حينما كنت في الثالثة عشرة... كنت كغيري من رفاقي مهتمين بتجربة كل جديد، وبالطبع كانت البداية مع السجائر «أم الشرور» كما يسميها علي.
وذات مرة رآني أحد المعارف، فيما كنت أدخن سيجارة، فنهرني وهددني بإخبار أسرتي، لكنه لم يفعل... وبعد فترة رآني مرة أخرى، فما كان منه إلا أن ربت على ظهري قائلاً: دعك من السجائر، سأعطيك ما هو أفضل... ثم منحني سيجارة حشيش، وأخذ كلما يراني يعطيني المزيد.
كان يخطط لمؤامرة شيطانية، من دون أن يرحم طفولتي الغرة، أو يرأف بحداثة تجربتي في الحياة.
ويتابع: يوماً تلو الآخر، أصبحت مدمناً أسيراً لعطاياه التي بدأت تنقطع، وبعد فترة عرض علي أن أعمل معه، موزعاً للمخدرات، حتى أتمكن من الحصول على ما أريده من الحشيش، مؤكداً لي أن لا خوف علي، كوني صغيراً ولست محل شك من الأجهزة الأمنية... وكانت هذه هي الخطوة الثانية على درب موحش، لا نهاية له.
وخلال عملي في توزيع السموم، كان المدمنون ممن يترددون علي، يعجبون لحداثة سني، وكانوا يغدقون علي بمختلف أنواع السموم، حتى أدمنت كل أنواعها وأصبحت أتعاطاها جميعاً في آن واحد.
وهكذا بدأت رحلتي إلى غياهب الإصلاحيات والسجون!
أخرج قليلاً... وأعد الجميع بأني لا محالة مقلع عما أنا فيه، ثم سرعان ما يلقى القبض علي مجدداً.
ويواصل علي جلال سرد تجربته قائلاً: أنتمي إلى أسرة طيبة الذكر، تتكون من ثمانية إخوة وأخوات، أنا الأصغر بينهم، ولم يحدث والحمد لله أن سقط أي منهم في براثن الإدمان، ومن ثم كان إدماني صاعقة نزلت فوق رؤوس الجميع، وزلزلت السعادة التي طالما خيمت علينا.
كانت نظرات أمي الكسيرة لي تمزقني تمزيقاً، وكانت نظرات الشك والريبة في عيون الإخوة تضرم قلبي، أما أبي فقد أصيب بالسكري وارتفاع الضغط وبجلطة دموية، وطالما كان يقول لي: أنت تقتلني يا ابني، ارحم أباك المحطم قلبه واخرج مما أنت فيه.
في هذه الغضون، كنت أجيب عليه قائلاً: لماذا تتعذب بي؟ دعك مني، ولا تهتم لشأني، فأنا المعذب بما جنيت على نفسي، ولست أنت... ولم أكن أفقه آنذاك عبارته المتكررة:
لن تشعر بما يعتريني إلا حينما تكون أباً، إن الآباء مستعدون لأي عذاب كي يروا فلذات أكبادهم بأحسن حالاً... والحق أنني أشعر الآن بما كان يعتري هذا الأب العظيم المثابر بعدما رزقني الله بالأطفال.
خلف القضبان
ويضيف: في السجن، كنت أرفض أن يزورني أهلي، وكنت أصر على عدم الخروج لمقابلتهم إذا ما أتوا، ولم يكن هذا الأمر جحوداً أو ناجماً عن قسوة قلبي، وإنما لعدم رغبتي في أن يشعروا بالألم من أجلي... كنت أشعر بأني آلمتهم كثيراً وجرحتهم عميقاً، ومن ثم حسبت أن الأفضل لهم ألا يهتموا بي، وكنت في لحظات الضيق والأسى أسأل الله الرحمة بالموت، حتى يرتاح الجميع.
وبسؤاله عن مدى ندمه يجيب: ندمي الأكبر هو لأني لم أتعاف من المخدرات مبكراً، ولأني أهدرت وقتاً طويلاً أتخبط وأسقط وأتألم، ولذلك فإن نصيحتي الآن لكل من سقط بين مخالب الإدمان وبراثنه، أن يبدأ بأسرع ما يكون، فاليوم الذي يضيع سدى من عمر الإنسان لا يستعاد.
ويتناول قراره بما يصفه بالثورة على استعباد المخدرات له قائلاً: عندما انتقل المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، إلى رحمة الله، كنت أقضي عقوبة السجن لمدة أكثر من عامين، عندئذ شعرت بألم شديد لرحيل القائد الوالد، وتذكرت كلماته عن شباب الوطن ومستقبلهم وما كان يلقيه من مهام على عواتقهم، فشعرت بأني «مخيب للظنون».
ولما خرجت بعدها بفترة وجيزة، توجهت من تلقاء نفسي وعلى الفور للمركز الوطني للتأهيل... كنت أعلم علم اليقين أن المهمة صعبة، فأنا لست مدمن نوع واحد من المخدرات.
وكنت قد شارفت على الثانية والثلاثين، أي أمضيت نحو تسعة عشرة عاماً بين الإدمان والقضبان، غير أني تسلحت بالإرادة والثقة في أن الله عز وجل، سيكون إلى جواري وسيسدد خطواتي.
استغرقت فترة العلاج داخل المركز نحو خمسة أشهر، ولما خرجت إلى الحياة، أقسمت بألا أسقط في مستنقع الإدمان مجدداً، وعقدت العزم على ألا أكرر أخطائي الجسيمة.
ويقول: لا أريد الحديث بإسهاب عن البرامج العلاجية التأهيلية المتبعة في المركز الوطني للتأهيل، ولكن ما أريد التأكيد عليه، هو أن أهم ما يميز المركز، هو أن المدمن الراغب في الشفاء، سيجد لا محالة آذاناً تصغي له، تتفهم واقعه الأليم المرير، وتعامله باعتباره كياناً إنسانياً، زلت قدماه ويسعى جاهداً لأن ينهض مجدداً، وهو الأمر الذي يمثل حجر الزاوية في العلاج.
فالعلاقة بين المدمن ومعظم المسؤولين ـ كما يصفها علي حسين- هي علاقة أشبه بعلاقة زوجين، بينهما كل شيء وليس بينهما الحب!
إدارة الجنسية
ويضيف: بعد التعافي كان لابد من دعم آخر، حتى تكتمل الرحلة، وتصل إلى النهاية السعيدة، وكان هذا الدعم ممثلاً في ضرورة الحصول على عمل كريم، يكفل لي الابتعاد عن جحيم وفراغ البطالة، وهو ما وجدته في إدارة الجنسية والإقامة في دبي.
حيث حرص اللواء محمد المري مدير الإدارة، على أن يفتح ذراعيه وقلبه لي، ومن ثم منحني فرصة العمل الكريم الشريف، والأكثر من ذلك أنه وافق على ابتعاثي إلى المملكة المتحدة لمدة ستة أشهر بغرض الدراسة، مما يؤكد أنه مسؤول واع وإنسان من طراز خاص.
وما لا يعلمه الكثيرون، أن هنالك في الإدارة ثمانية موظفين، من المدمنين السابقين، وهم يعملون هناك منذ سنوات، وبعضهم يتعامل مع الجمهور بكل كفاءة وإخلاص ورغبة في تعويض ما فاتهم.
ويتابع: إن الثقة التي حصلت عليها أثناء عملي في إدارة الجنسية، كان لها فعل السحر في أن اشتدت إرادتي، وأصبحت أكثر صلابة وقوة وقدرة على عدم العودة للمخدرات، مهما اشتدت الظروف وأصبحت رياح الحياة عاتية.
وبعد فترة عملي في الإدارة، عرض علي مسؤولو المركز الوطني للتأهيل، أن أنضم إليهم حتى أعمل مرشداً في المركز، فوجدت أن هذا العمل سيلبي طموحاتي في أن أساعد الآخرين ممن ابتلاهم الله بما ابتليت به، ومن ثم وافقت على الفور، وأسأل الله أن يحتسب لي هذا العمل في ميزان الأعمال الطيبة.
ويختتم قائلاً: الآن... بعد ست سنوات من الشفاء، وبعدما توقفت تماماً عن تعاطي كل أنواع المخدرات، وكذلك أقلعت عن السجائر، وتزوجت ورزقني الله بطفلتين هما قرة العين، وأصبحت مواظباً على الصلاة والعبادات، وأصبحت أستمتع برؤية نظرة الرضا والطمأنينة في عيني أمي وأبي، وأسعد كل صباح بدعائهما لي أثناء توجهي إلى العمل، وأشعر في كل لحظة أني ولدت من جديد... الآن أوجه كلمتي لكل من أدمن قائلاً: إن الفرصة لا تزال قائمة، وهنالك دائماً بداية جديدة للحياة.
أسباب علمية وراء الإدمان
السقوط في براثن الإدمان يحدث نتيجة عوامل ذاتية أو اجتماعية بيئية، فالمتعاطي يخطو أولى خطواته على درب الهلاك، في سن الخامسة عشرة تقريباُ، وهو عندئذ يكون مدفوعاً برغبته في الاستكشاف، ويكون من السهل استمالته والزج به في أية سلوكيات خاطئة، نظراً لأن وعيه لم يتشكل بعد.
وقد يحدث أن يمضي المريض بمحض إرادته إلى الإدمان، لأنه يعاني من مرض نفسي ما، حيث من المعروف أن معظم مدمني المخدرات، يعانون من أعراض الشيزوفرينيا أو الاكتئاب، مما يجعل المخدرات ملجأه الوحيد، الذي يمنحه شعوراً وهمياً ومؤقتاً بالراحة.
كما يعاني عدد كبير من المدمنين من اضطرابات الشخصية ومن أبرزهم الشخصيات المضادة للمجتمع، والتي تميل إلى العنف في حياتها.
ويتابع: إن المخدرات تؤدي إلى حدوث تغيرات فسيولوجية في الجهاز العصبي للإنسان، وقد رصدت الدراسات الحديثة أنها تسبب تغيرات تشريحية في الدماغ، مما يؤدي إلى طلبها باستمرار، وعدم القدرة على التنحي عنها، ومن ثم يهمل الإنسان كافة واجباته وهوايات ويستغرق في التلذذ بقتل نفسه ببطء.
شرطة أبوظبي والمركز الوطني يدرسان إنشاء مصحة جديدة
يدرس المركز والوطني للتأهيل والقيادة العامة لشرطة أبوظبي إنشاء مركز جديد لتأهيل المدمنين تبلغ طاقته الاستيعابية 100 مريض، بواقع 30 سريراً لمرضى داخليين، و70 للمترددين على العيادات، وسيخصص خدماته للمحكوم عليهم في قضايا التعاطي بشرط ألا يكونوا من أولي السوابق في التعاطي أو في أية أعمال إجرامية أخرى.
وقال الدكتور حمد الغافري مدير المركز: إن المشروع الجديد يحظى باهتمام كبير من قبل سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الداخلية، وذلك انطلاقا من حرص سموه على ترسيخ أسس التعاون فيما بين المركز ووزارة الداخلية وانطلاقا من إيمان سموه بأن مشكلة المخدرات ليست فقط مشكلة أمنية، وإنما هي مشكلة اجتماعية تتطلب أن يقف المجتمع بأسره صفاً واحدا في مواجهتها.
وأضاف: إن وزارة الداخلية تتابع عن كثب الجهد الذي يقوم به المركز في مجال تأهيل المدمنين والأخذ بيدهم للعودة إلى الطريق القويم، مشيراً إلى أن سمو الشيخ سيف بن زايد يرى أن نجاح الأجهزة الأمنية في مجال محاربة المخدرات، لن يتحقق فقط بإلقاء القبض على المتعاطين، وإنما بوقاية المجتمع من شرور المخدرات، ومساعدة من زلت أقدامهم على الخروج من الهاوية.
12 برنامجاً
بعد علاج المريض من الأعراض الانسحابية التي قد يتعرض لها نتيجة توقفه عن التعاطي، بأحدث ما توصل إليه العلم من طرق وعقاقير طبية، وبإشراف فريق طبي متخصص يبقى تحت المراقبة الطبية لحين زوال هذه الأعراض، ويخضع لفحوصات مخبرية وكشف طبي شامل عند دخوله.
ويقول محمد الحوسني مدير إدارة الأنشطة الاجتماعية بالمركز: بعد هذه المرحلة يبدأ برنامج التأهيل النفسي والاجتماعي، الذي يضم 12 برنامجاً فرعياً وهي: البرنامج الرياضي اليومي والمقدم من قبل مدرب متخصص، وبرنامج العلاج الفردي والجماعي والمقدم من قبل الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين.
وبرنامج تلافي الانتكاسة الذي يهتم بتعليم المريض وتدريبه على تفادي الرجوع إلى المخدرات ويقدم من قبل ممرضين متخصصين، وكذلك برنامج الإرشاد الديني والقرآن الكريم ويقدم من قبل علماء وشيوخ دين مختصين، وبرنامج تعلم المهارات الحياتية.
أبوظبي- محمد مصطفى موسى



