أطلق الفنان التشكيلي السوري اسماعيل الرفاعي أعماله الجديدة، في معرضه الذي افتتحه أول من أمس في متحف الشارقة للفنون، الشيخ سلطان بن سعود القاسمي مؤسس مؤسسة بارجيل للفنون، ونظمته إدارة متاحف الشارقة بحضور عدد كبير من كبار الشخصيات ومحبي الفن. ويسجل هذه المعرض انطلاق باكورة مشروع إدارة المتاحف (علامات فارقة)، الذي يحتفي بقامات فنية رسخت مكانتها في الساحة المحلية والعربية.

والعلامات الفارقة في أعمال معرض الرفاعي، الذي يستمر حتى 25 نوفمبر المقبل والذي ضم 40 لوحة، تتجلى في خصوصية أسلوبه الفني في التعامل مع المضمون والألوان. وللاقتراب من عوالم لوحاته، لا بد من العودة إلى مدرسة أو تيار الفن التعبيري، الذي برز في القرن التاسع في أوروبا الشرقية، وركز على المشاعر وتفاعلاتها والتعبير الذاتي عنها، ليحرر اللون والشكل من النمط التقليدي، ويصبحان أداة للتعبير عن خصوصية الحالة.

يتجلى في لوحات الرفاعي الضخمة، التي تتمحور حول المرأة، حالات إنسانية متعددة القراءات، تهيمن عليها إجمالاً، حالة من العزلة الداخلية سواء كان حضور المرأة بمفردها أو مع آخرين، لتعيش من خلال احادية جسدها عوالم افتراضية بين الحلم والتأمل والغياب، فهي الحاضرة الغائبة، المستسلمة ظاهرياً والمتمردة داخلياً، سواء على نفسها أو المحيط، المتوحدة مع نفسها والمتناغمة مع نظيراتها. والبارز في صورها المتعددة وعيها بأنوثتها الحاضرة والخامدة في الوقت نفسه، فهي المتكورة والمستلقية، والنائمة الحالمة، والعبثية في داخلها والباردة في ظاهرها.

يترجم الرفاعي تلك الحالات على الصعيد الفني، بأسلوب عفوي، سواء في رسم المرأة وتفككها، وإعادة تشكيلها تبعا للحالة التي تعيشها، أو في علاقتها مع محيط الأشياء التي تشكل جزءاً من عالمها وحسب رؤيتها، كالكرسي الذي يشبهها في تركيبته المغايرة للواقع، والأريكة المتلاشية والملامح الغائبة للشخوص المحيطة بها.

كما يُسِّخر الفنان ألوانه التي تبقى في إطار العوالم البدائية الخام، لحماية شخوص المرأة في لوحاته، لتعزل نفسها عبر الألوان عن محيطها تارة، ولتحلق في عوالمها تارة أخرى. وتبدو الألوان عنده كأنما تنبعث من عالم المرأة الداخلي في كل لوحة، دون أي تجميل أو سلطة خارجية، لتتقلب الألوان وفق حالتها الداخلية، بين السكينة والاستسلام التي تتجلى بزرقة ألوان الأكريليك الشفافة الباردة والمهاجرة.

وبين عزلها القسري لنفسها عن العالم من خلال حرارة لون جسدها، مقابل برودة الزرقة الباهتة النائية عنها، إلى توق غريزتها المتجلية في تبدلات حرارة وعمق الألوان، التي تحيطها بحاجز من الزرقة الكثيفة التي تفصلها عن الآخر.

وتبعاً لتلك الحالات تتباين التكوينات، التي تبدو للوهلة الأولى متشابهة، غير أن التمعن في الأعمال، وتأمل كل حالة يتجلى للمشاهد خصوصية بنية تكوين كل لوحة ليأتي، إما في خطوط ذات إيقاع حركي متواتر، كما في لوحة المرأة الحالمة الغارقة في ثلاثة أبعاد بين السكون وتأجج الحياة داخلها، وبين حدة الخطوط وتناغمها مع الحالة، كما في لوحته التي تجمع بين توحد امرأتين، حيث تتجلى جماليات التكوين الحيوي في تراكب الخطوط ،وتقاسيم المساحات اللونية، لتبدو اللوحة كمعزوفة موسيقية في تردد وتجاوب الإيقاعات.

ويمكن القول ختاماً، ان تقدير جماليات أسلوب الرفاعي الفني، يتطلب وقفة تأمل أمام كل عمل، وهامشاً من الثقافة الفنية، وذلك أسوة بأعمال الكثير من الفنانين الذين اختاروا أن يتفردوا بأسلوبهم خارج السرب، انطلاقاً من شغفهم بالفن.

نبذة

ـ ولد الرفاعي في سوريا عام 1967.

ـ خريج كلية الفنون الجميلة في دمشق.

ـ كاتب وشاعر له العديد من الإصدارات وحصد العديد من الجوائز الأدبية.

ـ أقام ثلاثة معارض فردية، (تجريد) عام 2005 في دمشق، و(هي وكائناتها) عام 2009 في الشارقة، و(تلاوات محاربيها) عام 2009 في دبي.

ـ شارك في العديد من المعارض والتظاهرات التشكيلية.

ـ حصل على جائزة نقيب الفنون الجميلة في سوريا عام 2002.

تجربة بالكلمة والصورة

صدر مع المعرض كتاب يرصد تجربة الفنان إسماعيل الرفاعي بالكلمة والصورة، باللغتين العربية والانجليزية، وهو من القطع الكبير، ويضم 195 صفحة بطباعة فاخرة. والكتاب من تصميم الفنان ضياء الدين الدوش وتحرير الناقد الفني محمد الجزائري وترجمة شاكر حسن، والناشر إدارة متاحف الشارقة ـ متحف الشارقة للفنون.

الشارقة ـ رشا المالح