اجتازت مرحلة الطفولة بسنوات قليلة، وقد رسمت في أحلامها آمالاً عريضة عن مهنة أحبتها عن ظهر قلب وارتضتها طموحاً لمستقبلها.. فهي حينما كانت طفلة ظلت تلعب مع أشقائها وأقربائها وهي تحاكي فيهم دور الطبيبة أو الممرضة، تقلد وخز الإبر والكشف الطبي على الصغار دون أن تسنح لها فرصة مستقبلية بصياغة حلمها على أرض الواقع.

مر عام أو اثنان، وهي لا تزال طالبة في الثاني متوسط بالمرحلة الإعدادية بمدرسة الزهراء الوحيدة آنذاك في إمارة الشارقة، كان ذلك في العام 1964، وهو العام الذي شهد انطلاقة حلم أبى الوقوف في محطات التقاعد المستحقة، وفي ذلك العام جاء إلى المدرسة وفد من معارف دولة الكويت، وقد كان آنذاك التعليم والصحة تحت إشراف حكومة الكويت، فيما تحدد مطلب الوفد بتفريغ بضع طالبات مواطنات للالتحاق بسلك التمريض.

وقف أعضاء الوفد أمام الطالبات يشرحون لهن بعض الملامح الواقعية لمستقبل مهنة التمريض التي يريدونها لطالبات مواطنات، ودون أدنى تفكير رفعت الطالبة لطيفة يوسف الدوخي التي كان عمرها آنذاك 15 عاماً يدها مبدية استعدادها المطلق لأن تحقق حلم طفولتها في التمريض، وخلال أيام قليلة وقع خيار اللجنة على لطيفة وثلاث طالبات أخريات، وفيما بعد التحقت شقيقتها حصة بالمهنة ذاتها.

رفض قاطع

عادت لطيفة إلى بيتها مخبرة عائلتها بما حصل، وعلى الفور ووجهت برفض قاطع من والدتها وشقيقها، إلا أن أباها وقف إلى جانب قرارها العنيد وساندها للوصول إلى مبتغاها، رغم ممانعة الجميع فكرة السفر إلى الكويت من أجل التدريب، بحكم أن لطيفة لا تزال صغيرة ومن غير المعقول أن تسافر لوحدها إلى دولة أخرى.. كان ذلك في العام 1965.

في العام ذاته قررت لجنة المعارف الكويتية تزويد الطالبات الأربع ببعض ملامح الخبرة عن طريق ممرضة هندية، وسريعاً أحاطت لطيفة ومعها الفتيات الأخريات ببعض حيثيات مهنة التمريض، وهو ما أهلهن للعمل مبدئياً في مساعدة المرضى، ولكن ولظروف اجتماعية تخلت الفتيات الثلاث عن استكمال حلم التمريض إلى جانب لطيفة، التي واصلت مشوارها بثقة واقتدار إلى أن حققت وصف الممرضة، وقد التحقت بها شقيقتها الصغيرة حصة للعمل في المجال نفسه، ولكنها تقاعدت قبل عشرة أعوام من اليوم.

وواصلت لطيفة عملها في مجال التمريض في إمارة الشارقة لعام واحد، قبل أن تلتحق بسلك التمريض رسمياً منذ افتتاح المستشفى الكويتي في دبي وذلك نهاية العام 1965، وهي التي تعلمت مهنة التمريض بالخبرة التي تلقتها من الزميلات آنذاك.

السن القانونية

منذ العام 1965 وحتى 1972 عملت لطيفة الدوخي ممرضة مناوبة في المساء بالمستشفى الكويتي في دبي، وبعيد اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة قررت وزارة الصحة اعتماد عمل لطيفة منذ العام 1972 والسبب أنها لم تكن تبلغ السن القانونية حينما كانت تعمل في هذا المجال في السنوات الماضية، ولكن ذلك لم يثنِ لطيفة عن استكمال حلمها الواقعي، فواصلت عملها في الوزارة إخلاصاً منها لمهنة إنسانية أحبتها قبل أن تدرك مسمى «ملائكة الرحمة».

لسنوات طويلة ظلت لطيفة الدوخي وهي الممرضة الإماراتية الأولى التي اقتحمت هذا المجال، تعمل في خدمة المرضى والمحتاجين بحكم الخبرة التي اكتسبتها من محيطها، وقد عرفها الجميع آنذاك بفضل حرصها على المرضى ومن سواهم من كبار السن والنساء والأطفال.. تداوي آلام القريب والبعيد وتمنح آخرين جرعات أكبر من الثقة والطمأنينة، وهي التي تربعت على عرش التمريض بدافع حالة إخلاص ولدت مبكراً فرافقتها منذ بداية تفكيرها بالمستقبل.

مدرسة التمريض

في العام 1979 افتتحت في إمارة أبوظبي أول مدرسة لتعليم التمريض، وعلى الفور وقفت لطيفة الدوخي على أبوابها مسجلة اسمها كأول طالبة مواطنة، ولاحقاً تمكنت من إقناع عدد من الفتيات المواطنات للالتحاق بذات المهنة، وفي ذلك العام درست لطيفة مع بضع زميلات مواطنات مهنة التمريض في مدرسة أبوظبي، حيث استمرت هناك لثلاث سنوات وكانت تقيم في سكن داخلي وفرته لهن وزارة الصحة.

تخرجت لطيفة الدوخي حاملة شهادة التمريض من مدرسة معترف بها، وعادت على الفور لاستكمال مشوار عملها في المستشفى الكويتي، وتسلمت حينها وظيفة جديدة بمسمى نائب رئيس التمريض في دبي، لكنها وفي العام 1982 سافرت مبتعثة إلى مصر من أجل دراسة إدارة خدمات التمريض لعامين هناك، ورجعت إلى المستشفى في دبي قبل أن تعود ثانية لدراسة دبلوم نساء وتوليد في مصر، ثم درست مدة ستة شهور في مجال التثقيف الصحي في مستشفى البراحة في دبي.

عرش التمريض

بذلك الكم والنوع المعرفي تأهلت الممرضة الإماراتية الأولى لطيفة الدوخي للبقاء على عرش التمريض على مستوى دبي والإمارات عامة، فمنذ بداية عملها في هذا المجال تدرجت في التحصيل الأكاديمي والمعرفي، وهو ما أهلها اليوم للإمساك بمسمى وظيفي جديد كان من نصيبها منذ العام 1997، وهو رئيسة هيئة التمريض بالرعاية الصحية الأولية في منطقة دبي الطبية، حيث تعمل مشرفة مباشرة على مهنة التمريض في 9 مراكز صحية تابعة لمنطقة دبي بالإضافة إلى مركز طب الأسنان في جميرا.

وحالياً تؤدي لطيفة الدوخي مهام الإشراف على سير العمل في 10 مراكز صحية، وتعنى بشكل مباشر بأداء الممرضين والتقييم السنوي لهم بالإضافة إلى الترقيات والإجازات، وتلك المهمة تأتي بعد خدمة تمريضية تجاوزت في سنواتها الـ 37 عاماً إضافة إلى 7 أعوام لم تحسب في قاموس إنجازاتها المهنية على مستوى مستشفيات الشارقة ودبي.

صحة القلب

وبحكم حالة الحب والإخلاص التي رافقت مشوارها في المجال الطبي، تؤثر الممرضة الأولى لطيفة الدوخي البقاء في حالة عمل وإنجاز رغم تربعها على عرش العمل الإداري للتمريض في دبي، وقد عملت متطوعة في الهلال الأحمر في دبي منذ العام 2002 ضمن برنامج «صحة القلب»، الذي شمل حتى اليوم فحص ما يزيد على ثلاثة آلاف موظف يعملون في مختلف المؤسسات والدوائر الحكومية والخاصة، وهو ما ساعد على اكتشاف حالات مرض غير محسوسة لدى أصحابها ومعالجتها مبكراً.

وإلى يومنا هذا لا تزال الممرضة الأولى في الإمارات تمارس عملها التمريضي على أكمل وجه، وإن تعدت في عمرها الثمانية وخمسين عاماً، لا سيما وأنها تمكنت على مدار سنوات كثيرة من اكتساب خبرة قل من يمتلكها على مستوى دولة الإمارات، ناهيك عن الدراسة الأكاديمية التي حققتها في مدارس التمريض في الدولة وخارجها، ولذلك تحرص الدوخي على الدوام على أن تظل جزءاً من العمل المهني اليومي الذي يمارسه الممرضون والممرضات في العديد من المراكز الصحية المنتشرة في دبي، والتي تحظى في الوقت نفسه بإدارتها الإشرافية على مستوى التمريض.

ارتباط روحي

قبل ثلاثة أعوام بلغت لطيفة الدوخي الممرضة الأولى في الإمارات السن القانوني الذي يؤهلها للتقاعد براتب كامل، لكنها رفضت العودة إلى منزلها تاركة وراءها هذا الكم الكبير من الارتباط الروحي الذي جمعها بمهنة حلمت بها طفلة بريئة ومارستها صغيرة طموحة.

وتؤكد الدوخي أنها لا تزال تشعر بطاقة عملية إيجابية في داخلها، وهي ما تؤهلها لخدمة المرضى ومساعدة كبار السن، ومن أجل ذلك فهي لن تقبل لنفسها الذهاب إلى منزلها متجردة من مهنة العمر، وإن كان بإمكانها التقاعد براتب كامل بسبب سنوات خدمتها الطويلة، فكم تساوي دعوة خارجة من قلب مريض أو شيخ كبير في زمن اختلفت فيه معايير العطاء والإخلاص!، هكذا تؤمن لطيفة.

بقي أن نقول ان الممرضة لطيفة الدوخي التي تجاوزت سنوات عملها 42 عاماً ربما تلجأ إلى خيار التقاعد العام المقبل أو الذي يليه، لكنها بالتأكيد لن تجلس في بيتها مستظلة بذكريات سنوات عملها الطويلة، وإنما ستلجأ على الفور إلى التطوع في إحدى دور المسنين، فهي أحوج من يكون إلى دعوات لا يفصل بينها وبين عرش الرحمن حجاب.. هكذا هي القناعة التي أفرزتها مهنة التمريض بعد أن أمضت سنوات العمر فيها.

في بداية عملها في مهنة التمريض، كانت لطيفة الدوخي تحرص على زيارة المواطنين والمقيمين المرضى في بيوتهم، أملاً في مداواتهم ومساعدتهم على تخطي واقع المرض الذي يعيشونه، حيث ظلت منذ لحظات ما قبل الاتحاد وحتى يومنا هذا الأم والأخت والطبيبة والممرضة والمرشدة النفسية لكل من يحتاج إليها.

تمارس لطيفة الدوخي عملها كمشرفة ومسؤولة إدارية في عدد من المراكز الصحية، وحينما تجد الممرضات منشغلات مع مرضى آخرين تبادر على الفور بوخز مرضى آخرين بإبر يحتاجونها، وهو ما يقابل برفض من قبل المرضى، فهي من وجهة نظرهم مجرد امرأة ترتدي العباية الإماراتية وتجلس على مكتب!، وما ان يعرف المرضى حقيقة هذه المرأة حتى يبدوا لها ملامح كثيرة من الاعتذار والإعجاب.

ذات يوم كانت الدوخي تسير على شارع المطار في دبي، فوقع أمامها حادث دهس لرجل مسن، ترجلت من سيارتها على الفور مقدمة الإسعافات الأولية لذلك الرجل، الذي كان يعاني من كسر في يده وخدوش في جسده، وظلت إلى جانبه لبعض الوقت إلى حين حضور سيارة الإسعاف التي أكملت أداء المهمة ونقلت المصاب إلى المستشفى.

أثناء عملها في عيادة القصيص جاءت امرأة في حالة مخاض الولادة، وعلى الفور سارعت لطيفة إلى ملاقاتها في سيارة زوجها، وتبين أن المرأة تعاني آلام الولادة، ولم يكن أمامها سوى مساعدتها في إخراج المولود قبل أن تتصل بسيارة الإسعاف لنقل الطفل الذي ولد في السيارة مع والدته إلى المستشفى، وفي النهاية خرجت الأم وطفلها بالسلامة.

ذات يوم جاءها أب وأم يحملان ولدهما الذي لم يتجاوز السبعة أعوام ورأسه مغطى بعلبة «نيدو»، فيما الدماء والخدوش تسيل من وجهه بسبب المحاولات المتكررة من قبل الوالدين لفصل العلبة عن رأس الطفل، وفي حدود دقيقة واحدة تمكنت الدوخي من إخراج العلبة عن رأس الطفل ومداواة جروحه قبل أن يعود بصحبة والديه الذين لم يتوقفا عن الدعاء لها نتيجة تخليصهما من ورطة علبة «النيدو».

دبي ـ عنان كتانة