تتدخل عوامل كثيرة في تحديد الطرق التي يتبعها الآباء في تنشئة الأبناء، أهمها الثقافة التربوية التي يتمتع بها الوالدان ومقدار ما تيسر لهما من مستوى التعليم، والتعاون بينهما وبين المؤسسات التربوية الأخرى المشاركة في تنشئة الأبناء كالمدرسة والنادي وجماعة الأصدقاء ووسائل الإعلام.
ولكن يبقى سلوك الوالدين هو المعيار الرئيس في مسار الأبناء، خاصة الأب، فهناك مشكلات سلوكية لدى الأب تؤدي إلى انحراف الأبناء عن جادة الصواب، أكثرها شيوعاً وتأثيراً سلبياً هي قسوة الأب. بداية الانحراف في الواقع تطفو على السطح مشكلات اجتماعية تكون قسوة الأب وعصبيته سبباً مباشراً فيها، وهنا نعرض جانباً منها للاعتبار، حيث قال نزيل إحدى دور الرعاية الاجتماعية واسمه عبد الله، إن قسوة والده تسببت في هروبه من المنزل عدة مرات.
وفي آخر مرة تعرف على شاب يكبره بعدة سنوات كان يستضيفه في منزله لمشاهدة الأفلام الإباحية، ويبحران سوياً عبر مواقع المحادثات عبر الإنترنت طوال الليل، خاصة وأن أسرة هذا الصديق تترك له الحرية كاملة في التصرف كيف يشاء على اعتبار أنه لم يعد صغيراً وتحول إلى رجل.ويضيف عبد الله إن والده كان شديد العصبية سريع الغضب قليل الكلام، ويذكر أنه كان يعتدي عليه بالضرب مرة أو عدة مرات يومياً أحياناً إذا صدر منه خطأ، وفي أحيان أخرى بدون أن يصدر منه أي خطأ، ويضيف أنه كان يشعر بالخزي لأن الاعتداء كان يتم في حضور شقيقاته الإناث.
وباستخدام العصا أو أي شيء تطاله يد الأب، ويقول إن التواصل بينه وبين الأب مفقود منذ زمن بعيد على الرغم من قيام الأب بواجباته المادية كاملة تجاهه وتجاه شقيقاته، إلا أنه لم يشعر يوماً بيده تربت عليه بحنان كما يفعل كل أب مع أبنائه، كما لم يسمع منه أي كلمة طيبة تشجعه على فتح أي حديث بينه وبين والده.
تفاقم المشكلة
ويكمل عبد الله قصته قائلاً: إنه تمادى مع صديقه في ارتكاب الحماقات بعدما تعرف على مجموعة من معارف وأصحاب صديقه الذين يكبرونه في السن ويفوقونه في الخبرة، فكان يقضي الليل معهم في بيت أحدهم أو في الشارع، إلى أن شعر بالخجل لأن هذه المجموعة بدأت في معايرته بعدم وجود دخل لديه لينفق على السهرات والجولات، ووجد نفسه في حاجة إلى تدبير المال لمجاراتهم في الإنفاق ببذخ، مما اضطره إلى ارتكاب سلسلة من جرائم السرقة أدت إلى الوقوع في يد العدالة.
ويشير عبد الله إلى أن كل مرة من مرات هروبه الأولى كان يعود إلى بيته لفشله في العثور على مكان يبيت فيه، وفي كل مرة من مرات الهروب كان يتمنى أن يغير والده من طريقة التعامل معه حتى لا يضطر إلى الهروب من المنزل، ولكن على العكس تماماً كان الأب يعالج مشكلة هروبه من المنزل بالضرب المبرح، وكانت الأم تتفادى التدخل حرصاً على عدم الوقوع تحت بطش الأب الذي يحذر الجميع من التدخل للدفاع عنه وإلا سوف يلقى نفس المصير.
وفي قصة موازية لفتاة وصلت إلى سن الثامنة عشرة كانت تعاني قسوة الأب عليها وعلى شقيقاتها، واعتداءاته المتكررة عليهن بالضرب، وتعرفت على شاب يكبرها بعدة أعوام، ورأت فيه فارس الأحلام الذي يمكن أن ينقذها من قسوة الأب، فاتفقت معه أن يتقدم لخطبتها من والدها، وفي الموعد المحدد لهذه المقابلة لم يستطع الأب التخلي عن عصبيته وقسوته المفرطة تجاه الجميع ورفض العريس المقترح، بل وقام بالاعتداء بالضرب عليه وعلى أفراد أسرته الذين اصطحبهم لخطبة ابنته.
مصادقة الأبناء
ومن وجهة نظر أبوية قال محمد أحمد المطوع وهو أب لعدد من الأبناء، إن الدين الإسلامي الحنيف يقدم لنا الدستور الذي يعين الأب على تربية الأبناء دون قسوة أو تفريط، فقد أمرنا الدين مثلاً بأن نأمر الأبناء بالصلاة لسبع سنوات ونضربهم عليها عند بلوغهم السنوات العشر، وأن نفرق بينهم في المضاجع.
كما أن الضرب الذي أمرنا به الدين ليس ضرب تعذيب ولا إهانة، ولكنه تذكير بفرض من الفروض لا يعي الصغير فائدتها، ولو ترك دون توعية سوف يصعب عليه تأديتها في الكبر، كذلك أمرنا الدين بحسن معاملة الأبناء وعدم القسوة عليهم حتى لا نفقد التواصل الإيجابي معهم.
ويشير المطوع إلى أن مصادقة الأبناء خير وسيلة للوقوف على مشكلاتهم ومساعدتهم على إيجاد الحلول لها، أما استخدام العنف والقسوة معهم فلن يؤدي إلى نتائج إيجابية، كما أن الشاب الذي يواجه آذاناً صماء في البيت، أو عنفاً أو عصبية في تعامل الأب قد يتأثر سلباً بذلك فينشأ مصاباً بعقدة العنف التي تدفعه لاستخدام نفس الأسلوب مع أبنائه في المستقبل، وقد تدفعه إلى الانحراف أو الإدمان، ويؤكد أن المشاعر الدافئة التي يوفرها البيت للأبناء لا تستطيع أية جهة أخرى توفيره لهم لأن الأب والأم هما المصدر الأساسي لهذه المشاعر الإنسانية الطبيعية.
ويؤكد المطوع أن العلاقة بينه وبين أبنائه تقوم على تبادل الخبرات بينه وبينهم، فهو ينقل لهم تجربته التي عاصرها في الماضي، وهم ينقلون له تجاربهم في مجال التقنيات الحديثة التي تفيده في مجال العمل أو الاتصالات.
وينصح المطوع الآباء بالفصل بين مشكلاتهم الزوجية التي قد تلقي بظلالها على علاقاتهم مع أبنائهم، وبين حياتهم اليومية، كذلك ينصح بعدم فتح المجال أمام مشكلاتهم في العمل لتفسد عليهم التعاطي السليم مع الأبناء، فلابد من تخصيص وقت لاجتماع الأسرة، ولابد من وجود مساحة للتفاهم بين الجميع في جو ودي صحي.
كما ينصح بضرورة تفادي حل الخلافات الزوجية أمامهم حتى لا يظهر أحدهما بمظهر الضعيف أمام الابن فيفقد نظرة الاحترام والتقدير، كما يفقد الثقة في أعمدة مجتمعه الصغير في البيت وهما الأب والأم.
ويؤكد محمد المطوع أن ضرب الأبناء الذي يجيزه الدين ويسيء بعض الآباء فهمه له مواضع محددة كما بينها الحديث الشريف، الذي يخبرنا بتوجيه أمر الصلاة للأبناء لدى سبع سنوات وضربهم عليها لدى العشر، واتخاذ هذا القياس يفيدنا في الحكم السليم، فالرسول أمر بضرب الأبناء على عدم أداء هذا الفرض في سن العاشرة، وهذا الفرض هو أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة، وبالتالي إن توافر من الأخطاء ما يستوجب ضرب الصبي في نفس المستوى مع ترك الصلاة فيمكن استخدام الضرب، وإلا فلا..
كذلك أمرنا الدين الحنيف باتباع الأساليب التربوية مع الأبناء حتى لا يصاب الطفل بأذى نفسي أو عضوي من فرط الاعتداء العنيف بالضرب عليه. غير أن الغالبية العظمى من الآباء يفقدون سيطرتهم على أعصابهم، ويفلت منهم الزمام أثناء عقاب الابن مما يهدد بحدوث إفراط في العقوبة بما لا يتناسب مع الذنب الذي اقترفه الطفل، أو بإصابته إصابة جسدية.
كما أن الأطفال بطبعهم يميلون إلى إطاعة التنبيهات بمجرد رؤية العصا ومن دون استخدامها، وربما يكتفون بها من رادع، أما إذا رفض الطفل الانصياع فيمكن استخدامها بصورة لا تؤذيه، دون انفلات الأعصاب.
ترقب ومخاوف
ويقول راشد اسماعيل - ولي أمر - إن القسوة التي يتبعها الآباء في بعض الأحيان يعتقدون أنها الوسيلة الأنجح لضمان استقامة الابن أو البنت، وهذه الوسيلة تؤدي إلى خلق جو من الترقب أو الحذر في البيت، دائماً الابن يخشى عنف الأب، والأب ينتهز فرصة وقوع تقصير أو خطأ ما لاستخدام القسوة.
وهكذا، وربما تكون هذه الطريقة مجدية مع الابن الذي أفرط الوالدان في تدليله فتحول إلى آمر ناه في البيت، وفي هذه الحالة فقط يمكن أن يتخذ الأب إجراءات قاسية تتدرج في القسوة من التحذير الشفهي إلى التوبيخ المنفرد فيما بينهما دون حضور أي أحد، ثم التوبيخ العام أمام أفراد الأسرة إلى الضرب الخفيف دون الإفراط في العنف حتى لا يتحول إلى أسلوب حياة دائم للطفل.
كما أن الضرب هنا وسيلة لإصلاح ما أفسده الأب وربما الأم نتيجة التدليل الزائد للابن في الصغر، أما إذا اتبع الوالدان الأساليب العلمية السليمة منذ البداية فلن يواجه أحدهما هذه المشكلة ولن يحتاج إلى استخدام العنف.
ويضيف راشد إن أحد أهم أسباب اللجوء للعنف من وجهة نظره هو ضعف شخصية الأب وخوفه المستمر من أن يكتشف الأبناء ذلك فيحرص على التخفي وراء العصا، وذلك يعتبر من الأساليب العقيمة في التربية لأنها سوف تجلب المزيد من المشكلات التربوية وربما يؤدي ذلك إلى خروج الأبناء عن دائرة السيطرة من جانب الأب.
القسوة نوعان:
ومن وجهة نظر تربوية قال محمد علي ماجد، الأخصائي الاجتماعي بمدرسة المجد بالشارقة إن قسوة الأب مع الأبناء تتخذ إحدى صورتين، إما القسوة الجسدية أي الاعتداء الجسدي أو الضرب، وإما القسوة المعنوية والمقصود بها الحرمان من ميزات محددة كالمصروف أو الملابس الجديدة أو نزهة نهاية الأسبوع، أو الإهانة اللفظية سواء أكانت في حضور الغير أو في غيابهم.
ويضيف ماجد إن أسس التربية السليمة تقتضي تحقيق المعادلة بين طريقتي الأب والأم في تربية الأبناء، فإذا كان الأب يتسم بقسوة بالغة تقابلها قسوة مماثلة من الأم، تكون النتيجة حدوث شرخ في العلاقة الأسرية بين الطرفين.
ويتسع هذا الشرخ بمرور الزمن وتتدخل عوامل كثيرة في زيادته، وبالتالي يؤدي هذا إلى وجود نتائج سلبية كثيرة لانحراف الأبناء لافتقادهم التواصل الجيد مع الآباء، وبحثهم الدائم عن البديل خارج المنزل.
أما إذا كان الأب يتسم بالغلظة أو القسوة، ويقابله تراخ كبير من جانب الأم فسيؤدي ذلك إلى ظهور مشكلات من نوع آخر، فسوف تتكون جبهتان في البيت، الأب من جهة والأم مع الأبناء من جهة أخرى، وتبدأ المشكلات بين الجبهتين، وينشأ الصبي بعد ذلك محملاً بالمشاعر العدائية ضد المجتمع، المعادلة إذن تقتضي أن يكون هناك توازن في سلوك الوالدين تجاه الأبناء بما يضمن تحقيق التربية القويمة.
ويشير ماجد إلى الدور الذي يلعبه التوافق بين الأب والأم في توفير مناخ الاستقرار في المنزل، مؤكداً أن المنزل يشكل اللبنة الأولى في التربية، وأي مشكلات جانبية بين الوالدين لا يجب أن تصل إلى الأبناء تحت أي ظرف حتى لا تؤثر على سلوكياتهم.
جسور التواصل مع الضحية
أكد المقدم جمال الجلاف أن قضايا العنف ضد الأبناء تدخل ضمن اختصاصات برنامج التواصل مع الضحية، الذي يسعى لبناء جسور التواصل مع كل أفراد المجتمع على اختلاف أطيافهم كما يحرص البرنامج من خلال فريق مدرب ومؤهل من العاملين على التواصل مع الأطفال من ضحايا قسوة الآباء إلى توفير الحلول الودية لإعادة مناخ الاستقرار والتفاهم بين الأب وابنه وإصلاح العلاقة على أسس اجتماعية وقانونية سليمة بما يضمن عدم تكرار هذه المشكلات.
وأشار الجلاف إلى أن معظم حالات العنف بين الأب والأبناء تأخذ بأسباب الحلول الودية إلا فيما ندر حيث تتحول قلة من هذه البلاغات إلى الجهات القضائية المختصة لاتخاذ ما يلزم بشأنها.
كما أن أغلب حالات العنف تكون في اتجاه واحد من الأب نحو ابنه ونادراً ما تكون من الابن نحو أبيه ويمكن لمراكز الشرطة التعامل مع كل حالة على حدة والقيام بالإجراءات اللازمة وأضاف: إن قانون العقوبات الاتحادي رقم 4 لسنة 1987 وتعديلاته لسنة 2006، يعاقب العنف الأسري ضمن الجرائم الواقعة على الأشخاص، حيث تصل العقوبة إلى 10سنوات، وتشدد في حالة الوقوع تحت تأثير المخدر، أو في حالة إحداث عاهة مستديمة.
دبي - أيمن حجازي


