شابة إماراتية في السادسة والعشرين من عمرها، عانت من تشوهات خلقية منذ ولادتها، بسبب أخطاء طبية أتعبت والدتها وأرهقتها كثيرا أثناء فترة الحمل بها ما أثر على صحتها سلبا، وقد تمكنت بفضل الله من رؤية أفراد أسرتها، والتعرف على الطبيعة والألوان والجمادات المتنوعة بإبصار ضعيف لم يدم طويلا، حيث فقدت كلتا عينيها بسبب فيروس أصابهما.

واضطرت لاستبدالهما بعيون زجاجية بعد ترحال وتنقل بين ألمانيا وإسبانيا والإمارات بحثا عن علاج يعيد إلى شفتيها الابتسامة.. أمينة العبيدلي رفضت العيش في الظلام رغم حرمانها من نعمة البصر وصممت على التميز رغم أنف العمى، حيث استغلت فترة وجودها الطويلة في إسبانيا للعلاج، في تعلم اللغة الإسبانية عن طريق السمع فقط، كما انتسبت إلى مدرسة لتعليم الكبار في الدولة لإكمال دراستها ودخول الجامعة في المستقبل كأشقائها وشقيقاتها.

بداية المعاناة

أمينة العبيدلي لا تعتبر نفسها من فئة ذوي الاحتياجات الخاصة، وترفض وصفها بالمعاقة، وتؤكد أنها فتاة طبيعية كباقي الشابات السليمات، وقالت: رافقتني عيوب خلقية منذ يوم ولادتي، ولكن مشكلتي مع الإبصار بدأت في سنة 1988 حين كان عمري أربع سنوات، حيث بدأت معاناتي مع القرنية في عيني اليسار، واستمرت لفترة طويلة إلى أن أجريت أول عملية لزراعة القرنية في ألمانيا في سنة 1993، وكنت حينها في السنة التاسعة من عمري.

وبعدها بدأت المشكلات في عيني اليمين وتكرر إجرائي لعمليات زراعة القرنية، ولكن دون جدى حيث فقدتها في عام 1998، ثم ترددت كثيرا على إسبانيا لإجراء العمليات نفسها في سنة 2004 وحتى عام 2009.

ولكن لعيني اليسرى، وكنت في كل مرة أقضي في ذلك البلد الجميل شهورا عديدة، ثم أعود إلى الإمارات حيث تسوء حالتي الصحية وأسافر إلى إسبانيا لإجراء نفس العمليات، ثم حصل خرق في القرنية بسبب الفيروس اللعين الذي جعلني أرى الأشياء والأشكال كما لو كانت مكسورة أمامي، إلى أن فقدت بصري واضطررت لوضع عيون زجاجية.

حياة عصرية

تمكنت العبيدلي من رؤية أفراد أسرتها لوقت قصير، وقالت: كنت أظن أنني سأرى حتى ولو بعين واحدة، بعد كل عملية كنت أجريها في إسبانيا، ولكن للأسف لم تكن توقعاتي في مكانها الصحيح، حيث كنت أستمتع بنعمة البصر لفترة قصيرة جدا ثم تعود المشكلات مجددا، ولكنني أحمد الله لأنني تمكنت من رؤية الناس من حولي والتعرف على الأشياء والألوان.

والأهم أنني تمكنت من رؤية أبي وأمي وإخوتي بعد أن رسمت لهم في مخيلتي أشكالا مختلفة تماما عما رأيتهم عليه في الواقع، لذلك لا أعد نفسي كفيفة، لأنني مختلفة تماما عن هذه الفئة، فأنا رأيت الدنيا من حولي ثم فقدت بصري، كما أنني أعيش حياتي العصرية بشكل طبيعي جدا، فلدي هاتف متحرك حديث يعمل باللمس وقد تعودت على استخدامه، وجهاز كمبيوتر كالذي يستخدمه المبصرون، وأعتمد على السمع في الدراسة وليس على لغة برايل.

نهاية الأحزان

عام 2008 كان خط النهاية عند أمينة، لأنها لم تتمكن من رؤية والديها وبقية أفراد أسرتها بعده، حيث ودعتهم في المطار وبدأت ترى العالم أبيض فقط، وقالت: كان قلبي يخبرني أن ذلك سوف يحصل، لذلك قررت أن أضع حدا لأحزاني، وأن أبهرهم عندما أعود إلى أرض الوطن.

والحمد لله أصبحت أتحدث باللغة الإسبانية بطلاقة كبيرة كما لو كانت لغتي الأم، ويعود الفضل في ذلك إلى طبيبي الخاص في إسبانيا الذي كان يلزم الممرضات المشرفات على علاجي بالتحدث باللغة الإسبانية وليس الإنجليزية معي، حين لمس تشوقي لتعلم اللغة، وبما أن رحلة العلاج كانت تمتد في كل مرة لثمانية أشهر تقريبا، فقد كنت حريصة على استغلال كل دقيقة في تثقيف نفسي، ولم يثنيني العمى عن تحقيق هدفي، حيث انتسبت إلى معهد هناك ساعدني على تعلم اللغة عن طريق السمع.

وعن مدرستها قالت العبيدلي: رحلة المعاناة مع البصر والعمليات الجراحية أجبرتني على التوقف عن الدراسة، وحين وضعت العيون الزجاجية أدركت أن علي البدء من جديد وتحدي العمى، حيث انتسبت إلى مدرسة جمعية الاتحاد النسائية لتعليم الكبار في الشارقة، وها أنا حاليا في الصف الثاني الثانوي في القسم الأدبي، أدرس باجتهاد كبير لأنني لا أرضى أن أكون إلا في المركز الأول، كما أنني سعيدة بتعاون شقيقاتي معي.

حيث يقمن بتسجيل الدروس لي لأحفظها فيما بعد، فأنا لا أحب الاعتماد على لغة برايل طالما أنني قادرة على تسخير موهبة الحفظ السريع التي من الله بها علي، في متابعة دروسي، فقد زودتني وزارة التربية والتعليم بجهاز يتيح تسجيل الأصوات، وإعادة سماعها لاحقا.

معاناة دراسية

القسم الأدبي في المرحلة الثانوية لم يكن حلم أمينة العبيدلي التي طالما تمنت أن تكون طالبة في القسم العلمي، ولكن لسوء حظها لا تتوفر في مدرستها صفوف للقسم العلمي في الفترة الصباحية وحتى المسائية.

وقالت: أواجه عقبات ومشكلات كثيرة من ناحية الدراسة والتعليم، أبرزها عدم توفر صفوف للقسم العلمي لفاقدي البصر في مدارس تعليم الكبار في الدولة، ورفض معاهد تعليم اللغات لنا، حيث ذهبت مع والدي إلى العديد من معاهد تعليم اللغة الإنجليزية، ولكنهم كانوا يرفضون دمجي بالدورات، لأنني مكفوفة وهم لا يجيدون التعامل مع فئة ذوي الاحتياجات الخاصة، وكم أتمنى أن يكون هناك حل سريع لهاتين المشكلتين، فالمكفوفون أشخاص طبيعيون ولهم حقوق كثيرة على الدوائر والمؤسسات مراعاتها، واحترامها، وتقديرها.

شقيقاتي والزواج

علاقة العبيدلي مع شقيقاتها الأربع مميزة جدا، وقائمة على الاحترام الكبير والمتبادل بينهن، وقالت أمينة: أغار منهن كثيرا، لأنهن يتحدثن اللغة الإنجليزية بطلاقة كبيرة، كما أنني أشعر بالمنافسة حين يتفوقن علي في أمر ما، أما شقيقي إبراهيم فهو يركز على وصف الأشياء بتفاصيلها حتى أستطيع تخيلها بشكل جيد، وبالنسبة إلى أخي حمد فهو متعاون ويحب أن يطور من شخصيتي دائما.

وعن حركتها في المنزل، قالت: انتسبت إلى دورة لتعلم المشي أثناء تواجدي في إسبانيا، ساعدتني كثيرا على فهم طريقة إمساك والدتي بي في حال كان أمامي باب أو درج على سبيل المثال.

وعن المواقف الطريفة التي مرت بها، قالت: التسوق هوايتي المفضلة، ولكنني عندما أخرج مع شقيقاتي إلى مراكز التسوق أعود إلى المنزل بإصابات طفيفة نتيجة اصطدامي برصيف أو عمود ما، والمضحك أنهن يقمن بتنبيهي بعد فوات الأوان.

أما هواياتها فهي كتابة الخواطر التي تدور حول فراقها لعيونها وبصرها، واشتياقها لصديقاتها اللواتي تضاعف حبهن لها بعد فقدها لبصرها، وعن حلم الزواج أكدت أمينة أنها راضية بقدرها، وقالت: وضعي الصحي لا يسمح لي بالتفكير في هذا الحلم الجميل، كما أن المرآة لا تعني لي شيئا مطلقا.

عيون زجاجية و200 عملية جراحية

قال يوسف العبيدلي والد أمينة إن الأخطاء الطبية التي عانت منها زوجته أثناء حملها بابنتهما أمينة، هي التي تسببت بعيوب أمينة الخلقية وضعف بصرها، ومن ثم فقده نهائيا، حيث وصف لها الأطباء أدوية معينة وفيتامينات ساهمت بشكل مباشر فيما حدث، ولم يفكروا حينها بمقاضاة الأطباء المسؤولين عن هذه الجريمة البشعة، لأن هيئة الصحة في أبوظبي سارعت إلى مساعدتهم.

كما تحملت تكاليف علاج أمينة طيلة السنوات الماضية، حيث قامت بإرسالها إلى ألمانيا أربع مرات وإلى إسبانيا ثماني مرات للعلاج، وعلى الرغم من وضع أمينة للعيون الزجاجية وإجرائها لأكثر من 200 عملية جراحية، إلا أنه واثق ومطمئن من شفائها وعودة البصر إليها يوما ما.

وعلاقة أمينة بوالدها مميزة للغاية، فهو الشخص الأقرب إليها، والأكثر إحساسا بها، وحول الحديث عن مميزاتها أوضح والدها أنها الأذكى بين أشقائها الذكور والإناث، كما أنها الأكثر حرصا على التفوق الدراسي، والأقرب إليه. وعن المشكلات الأخرى التي تعاني منها أمينة، أوضح والدها أن لديها مشكلات في السمع بسبب خرق طبلة الأذن، وأنها تتلقى العلاج في ثلاثة مستشفيات وهي: المفرق، وتوام، وراشد.

دبي - ريما عبدالفتاح