النظر إلى نصف الكوب الممتلئ دعوة المتفائلين الباحثين عن الحقيقة في ثوبها البراق، لذا فإننا في رحلتنا خلال البحث عن مصادر تلك السهام المتطايرة خلال الفترة الماضية حول هروب فئات مساعدة، قررنا البحث في حقيقة العلاقة بين الطرفين «كفيل ومكفول»، فهناك فئات مساعدة تعمل لدى أسر إماراتية طالت إلى ربع قرن من الزمان وزادت، نعم سنوات طويلة من الكد والكفاح مبنية على الود والاحترام المتبادل في إطار العائلة الواحدة.
وهذه النماذج المضيئة التي التقيناها خير دليل على أن هروب بعض من أفراد الفئات المساعدة من مكفوليهم أمر مرتبط بعدة عوامل ربما اشترك فيها الطرفان، وربما كانت مسؤولية طرف واحد، إلا أنها في النهاية لا يجب أن تكون صاحبة الانطباع الأخير، فمازالت الصورة مشرقة والحقيقة ناصعة البياض لا تقبل الجدل. لقاء تكريمي داخل الإدارة العامة للإقامة وشؤون الأجانب بدبي كانت البداية لقاء تكريمي يبدو في ظاهره أنه أمر عادي، ولكن الحقيقة أنه خير دليل قاطع على ما نصبوا إليه، التكريم ضم بعض العوائل مع مكفوليهم من الفئات المساعدة، والذين قضوا في العمل لديهم سنوات طويلة في صورة من الود والتراحم الإنساني ننقل تفاصيلها عبر اللقاءات التالية:
أم سالم ربة بيت ذكرت أن لديها خادمة وسائق يعملون لديها منذ 19 عاما دون كلل، ومزارع يعمل منذ 16 عاما، والسبب يعود إلى حسن المعاملة التي تحرص عليها، وتغرسها في نفوس أبنائها لإيمانها بأهمية تعليمهم حسن معاملة تلك الفئات، كما تهتم بالاستماع للفئات المساعدة وتوفير كافة احتياجاتهم ومكافئتهم بصفة مستمر تشجيعا على عطائهم وتعبهم، فهم في النهاية يؤدون واجب معين ولا بد من صون كرامتهم وسد احتياجاتهم واحتياجات أسرهم على حد قولها.
وأشارت إلى أنها تحرص على عدم تجريح المكفولين لدى أسرتها سواء بالكلام أو المعاملة القاسية، على اعتبار أن لتلك الممارسات انعكاسات سلبية تؤثر على نفوسهم وتحد من عطائهم وحبهم للعمل، مؤكدة أنها تتلقى احترامهم وتقديرهم وحبهم لأبنائها وهذا هو الغرض المطلوب منهم، ويعد الراتب ضروري بالنسبة لهم، فتحرص على إعطائهم إياه شهريا في موعده المحدد، ولا مانع من زيادة الراتب بين فترة وأخرى لحاجتهم للمال الذي يؤمن حياة مستقرة لأبنائهم في بلدانهم.
ومن الحالات المثيرة التي حصلت مع سائق العائلة كما روتها أم سالم، سعي الأسرة لتحقيق رغبة السائق في الارتباط، حيث شرع على الارتباط بإحدى الخادمات، فبادرت الأسرة بمخاطبة كفيل الخادمة وبعد الاتفاق على الزواج تمت مراسم الزفاف في مطعم عائم بخور دبي احتفالا بالمناسبة، ولم تكتف العائلة بذلك بل احتفلت مع العروسين في المنزل ما اثر على العلاقة الاجتماعية التي تربط الفئات المساعدة بأفراد الأسرة وزاد من حميميتها.
رد الجميل
ولدى سؤال السائق عبد الأمين نظير بادشاه عن أسباب عمله لدى أسرة أبو سالم، أفاد بأن الترابط الأسري الذي حظي به بداية عمله لديهم حينما كان يبلغ من العمر 25 عاما، وجد الحب والاحترام والتقدير بعيدا عن سوء المعاملة والأعباء المتراكمة، فالكل في هذا البيت يؤدي وظيفته حسب نظام معين، وقال انه شهد أحداث كثيرة لا تنسى خلال سنوات عمله مع هذه العائلة التي اعتبرته واحدا من أفرادها، لافتا إلى انه يشعر بأهمية رد الجميل لها مهما بلغ الأمر ورغبته في خدمتها على أكمل وجه.
وأضاف انه شهد مراحل نمو أفراد الأسرة ونشأتهم، وعند بداية عمله لديهم كان احد الأبناء صغيرا وفي عمر السنة، والآن هو يدرس في الجامعة، ويرى أنه كبر وترعرع بين أحضان العائلة التي يعتبرها عائلته، وبدا على وجهه التأثر لحظة سؤاله عن موعد عودته إلى وطنه والاستقرار فيه، معبرا عن حبه الكبير لهذه العائلة التي لا يمكن الاستغناء عنها.
تأمين المتطلبات
وقالت هدرس مربية: إن لأسرة أبو سالم فضل كبير في احتوائي واحتضاني، حيث تحرص على سد كافة احتياجاتي قبل سؤالي عنها، جنبا إلى جنب مع حرصها على تأمين كافة متطلباتي الأساسية والثانوية، حيث لمست فيهم الطيبة وحسن الأخلاق، ما يحفزني على بذل المزيد من العطاء وليس التفكير في الهروب طمعا في زيادة الراتب.
حيث إن معاملتهم الحسنة من قبل جميع أفراد الأسرة تغني عن التفكير في تلك الأمور، إلى جانب توفير المأكل والمشرب الذي لا يقل عما يتناولونه، فالجميع يشتركون في تناول الطعام والشراب ولا يوجد تفريق بين الفئات المساعدة واحد أفراد الأسرة، كما إني أعيش حياة كريمة وأتلقى معاملة طيبة لا تنتقص فيها حقوقي.
واتفق معها عبدالقادر محمد مزارع، لافتا إلى انه حريص على رد الجميل لهذه الأسرة التي لم تنتقص حقه كعامل لديهم يوما، بل تلقى معاملة طيبة تمنعه من التفكير في العمل لدى الغير، حامدا نعمة الله على حاله الذي يراه مريحا في ظل العمل لدى أسرة أبو سالم.
احترام متبادل
وذكرت أم غالب أنها توفر كافة احتياجات خادماتها، وهن يعملن منذ سنوات طويلة دون تذمر أو كلل، ما ينعكس على أدائهن واهتمامهن في إتمام متطلباتها، حيث أن الغرض من استقدام الخدم الحصول على يد مساعدة تعاون الأسرة على تدبير شؤون البيت، فلا بد من احترام دورها كمساعدة وليس إجبارها على ممارسة الأعمال الشاقة التي لا تستطيع أدائها كونها إنسانة ضعيفة ومغتربة عن أهلها ووطنها، أملا في الحصول على راتب تحسن من خلاله وضع أسرتها، جنبا إلى جنب مع البحث عن العيش الكريم الذي ينبغي على الأسر توفيره لتلك الفئات المستضعفة.
ولا يجدر تعميم مسألة هروب الخدم على الجميع، بل ينبغي إظهار أهمية تواجدها للعمل في بيوتهم وإشعارها بالمحبة والأهمية في جميع الأحوال، ولا يوجد مانع من زيادة رواتب الفئات المساعدة نظير السنوات الطويلة التي قضوها في وسط العائلة ويؤدون الغرض المطلوب.
ويتحملون أعباء البيت بصورة يومية، فهم يرضون بالقليل وتنعكس الكلمة الطيبة على نفوسهم بالإيجاب، في حين تؤثر الكلمة القاسية عليهم فمنهم من يتحمل قسوة بعض الأسر ومنهم من يرى في الهروب مخرجا من الضيم وقسوة الحياة التي يعيشونها، ونحن كمجتمع مسلم ومترابط نتحلى بصفات جميلة.
ولا بد من الحفاظ على هذه السمعة الحسنة حتى لا تتشوه صورة المجتمع الإماراتي في عيون الآخرين. وأضافت أنها تطالب بتخصيص إجراءات استقدام الخدم للإدارة العامة للإقامة وشؤون الأجانب لتصبح الجهة المخولة في تنظيم عملية جلب الخدم بعيدا عن المكاتب التي تحقق الريح السريع على حساب الكفلاء المواطنين، وذلك في إطار تنظيم العملية وتيسيرها على الناس.
القدامى أفضل
وأشارت المواطنة أم محمد ربة بيت، إلى أن الفئات المساعدة الذين كانوا يأتون من بلدانهم قبل سنوات طويلة أفضل من الجدد من حيث الأمانة وأداء العمل وفهم احتياجات الأسرة والمسؤوليات، وتغيب عن بالهم فكرة الهروب التي تكون مقصدا لدى بعض الجدد في العمل كخدم عند الأسر، وذلك نظرا للانفتاح وتناقل الأخبار عن رفاهية العيش في دول الخليج وتحقيق الربح السريع وغيرها من الأمور.
ولكن توجد بعض المرتكزات التي تستطيع من خلالها الأسر الاستفادة منها عند استقدام الخدم الجدد، منها الابتعاد عن إهانة الفئات المساعدة والتجريح الذي يملأ نفوسهم بالحقد والكره والغيظ ويحرضهم على الهروب للحصول على حياة أفضل، والتعاون بين ربة البيت والخادمة في تولي شؤون البيت، لتركز الزوجة على العناية بالأطفال والطبخ وتتولى الخادمة التنظيف وتدبير شؤون المنزل، ولكن كثرة العمل بلا إقطاع وتحميل الخادمة فوق طاقتها يؤدي إلى تعبها وعدم استطاعتها للاهتمام بجميع الجوانب.
واستطردت أنها تنصح الأسر بحسن معاملة الفئات المساعدة والأخذ باللين واللطف في التعامل معهم، وذكرت أنها استقدمت خادمة عملت عندها لأكثر من 11 عاما ولكنها ارتأت العودة لديارها بغرض الاستقرار والزواج.
ولكنها لا تزال العلاقات متواصلة ولم ينقطع راتبها بعد عودتها لوطنها، ومن الحالات التي مرت عليها، توجهها لأحد مكاتب الخدم للحصول على خادمة، وحين حصولها عليها تبين أنها لا تريد العمل في البيوت باعتبارها «طقاقة»، وتخصصت في هذا المجال عندما كانت تعمل سابقا في احدى الدول، فأعادتها إلى المكتب فور علمها بذلك.
المحافظة على سمعة بيت المخدوم
قالت ديليا - خادمة، إنها تعمل لدى أسرة إماراتية منذ 12 سنة تلقت فيها معاملة حسنة أغدقت عليها كفيلتها بالمأكل والمشرب والملبس والمأوى، فغدت واحدة من أفراد البيت الذي لم يبخل عليها بشيء، بل أنها تحافظ على سمعة أهل البيت الذي احتضنها وأحسن إليها، فهي تقوم بواجباتها وتتلقى أكثر من حقوقها.
كما أن كافة سبل الراحة متوفرة لديها، مشيرة إلى أنها لا تعمل وحدها في المنزل بل هناك خادمة أخرى تتقاسم معها الأدوار والمهام والمسؤوليات، بعيدا عن تولي إحداهن أعباء تفوق الأخرى، فهما متعاونتان في انجاز العمل ولا توجد مشاحنات أو خلافات بينهما، قائلة إن كفيلتها طيبة جدا وتتمنى البقاء معها أطول فترة ممكنة.
وقالت زميلتها لورين: إنها تعمل لدى الأسرة التي ذكرتها ديليا منذ أكثر من 10 سنوات، استطاعت من خلالها الذهاب لأداء فريضة العمرة أكثر من 11 مرة بمرافقة كفيلتها، ولا يوجد استغلال من قبل كفيلتها، بل هناك إحسان وعطاء لا محدود، فهي تحصل على كافة مستحقاتها أولا بأول، وتحصل على الراحة التي حلمت بها وإشعارها دائما بأنها إنسانة مهمة لديها وتصون كرامتها دائما.
المعاملة الطيبة ورد الجميل
ليس غريبا أن تكون الإمارات بيئة حاضنة لجميع الجنسيات، فهي تستقطب الكل بما لديها من مقومات العيش الكريم الذي يجده الجميع بما في ذلك الفئات المساعدة، وهناك نماذج كثيرة من فئة الخدم وجدت المعاملة الطيبة لدى الأسر المواطنة، وهي ترد الجميل بتفانيها في خدمة مخدوميها.
وقالت الخادمة سنيه التي تعمل لدى إحدى الأسر الإماراتية منذ 10 سنوات إن فكرة العودة إلى موطنها تعد مستبعدة في الوقت الراهن، على اعتبار أنها لقيت البيت الذي يضمها ويحتويها ويسد احتياجاتها وأسرتها، مؤكدة إن الشفقة والرحمة وطيب الخلق والاحترام، هي الأسباب التي تفرض عليها رعاية أم محمد وأسرتها والاهتمام بها.
وقالت الخادمة سيتي التي تعمل عند أسرة أم محمد منذ 15 عاما بأن العيش الكريم الذي تحظى به في العمل عند أسرة أم محمد هو المعين على بعد الأهل، فالاحترام والحب والتقدير من ابرز الأمور التي تصبرها على الاغتراب، فالاغتراب صعب ويتطلب التضحية، ومع الاهتمام والاحترام وحسن المعاملة من قبل الأسرة والالتزام بالمسؤوليات والواجبات الملقاة على عاتق الخادمة، تتحقق المعادلة وتتكامل الأدوار.
دبي ـ نادية إبراهيم

