بات فن الرسوم المصورة جزءاً من حركة الفن المعاصر، بعدما كان في المرتبة الثانية بعد الفن التشكيلي في الماضي، ويأتي ذلك بعد تحرر هذا الفن من قيود سرد القصة أو النص، ليصبح وسيلة مستقلة للتعبير عن مكنونات وأفكار الفنان.
وشهدت دبي في السنوات الأخيرة العديد من المعارض لفنانين بارزين عالمياً ومن داخل المنطقة، ويأتي في هذا الإطار معرض (المشهد الاجتماعي) للتشكيلية البريطانية هاتي بيدر المقام في غاليري (موجو) بمنطقة القوز في دبي، والذي يستمر حتى 30 أكتوبر الجاري.
تصور بيدر المقيمة في الإمارات منذ عام 1995 في لوحاتها الـ 28، مشاهد اجتماعية مستوحاة من عدد من فعاليات دبي البارزة، التي تستقطب عدداً كبيراً من الجمهور كسباق خيول كأس دبي العالمي وسباق القوارب وغيرها، إلى جانب حفلات الزفاف وغيرها. ويُرى في لوحاتها خليط من الجنسيات على الشواطئ والحدائق، وبكل ما تحمله هذه البانوراما البشرية من مفارقات في الثقافة والفولكلور.
ويستمر المشهد البانورامي ليشمل المفارقات الفردية المرتبطة بمجموعة من القضايا النفسية التي تتحكم بالإنسان، كالمرأة والرجل المتصابي، إلى هيمنة هاجس الرشاقة عند النساء وتجسيد طبيعة وطباع بعض الشخصيات بأسلوب كاريكاتوري. كما اعتمدت في بعض الأحيان على مخيلتها في التغريب من خلال تجسيد ثقافة حضارة ما من خلال ثقافة أخرى.
اعتمدت بيدر في رسم لوحاتها على رسم الخطوط الرئيسية للشخصيات وملامحها بقلم الحبر الأسود بصورة رئيسية، لتضيف في تشكيل بعض اللوحات إما الألوان المائية أو الغواش والأكريليك وفي لوحات أخرى اعتمدت على فن الكولاج. ويحسب للفنانة مهارتها وإتقانها لذلك الفن ورشاقة خطوطها المختزلة التي تمنح المشاهد، فرصة إكمال المشهد من مخيلته بصورة عفوية وطريفة في الوقت نفسه.
وقراءة أعمال المعرض تعيد متتبع هذا النمط من الفن والمهتم به، إلى عدد من رواده في الماضي، نظراً لتأثر بيدر، كما ذكرت بكل من الفنانين البريطانيين ويليام فيرث (1819 - 1909)، وأوبري بيردسلي (1872 - 1898). ومن يعود إلى أعمال كلا الفنانين يبدو تأثرها بهما واضحاً، وإن لم يطغ على خصوصية أسلوبها وفرادته.
من الفنان التشكيلي فيرث، تبنت تصويره للمجتمع الفيكتوري وما حفل به من تناقضات، والذي تعكس مواضيعه توصيف صديقة الكاتب شارلز ديكنز (1812 - 1870) لمجتمعها آنذاك.
ومن بيردسلي الذي برع في الرسم المصور، أخذت أسلوبه في رسم الشخوص بالحبر الأسود الذي استلهمه من الفن الياباني للرسومات المصورة الحركية المطبوعة التي ازدهرت في عهد إيدو (1603 - 1867).
في الختام يمكن القول ان جولة الزائر بين عوالم لوحات الفنانة، تمنحه شعوراً يجمع بين طرافة فن الكاريكاتور الساخر ومفارقات العالم المعاصر بكل ما يحويه من تناقضات بعيداً عن أية رؤية نقدية.
دبي - رشا المالح
