وصف المفكر المصري حسن حنفي الثقافة العربية بالعرجاء، ساق طويلة في الموروث، وساق قصيرة في الوافد، وذلك خلال المحاضرة التي ألقاها تحت عنوان (أزمة الثقافة العربية) والتي نظمها المركز الثقافي الإعلامي لسمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان ممثل صاحب السمو رئيس الدولة مساء أول من أمس في مقره في أبوظبي، بحضور المدير التنفيذي للمركز حبيب الصايغ، وعدد كبير من أعضاء السلك الدبلوماسي والمثقفين. أدارت الأمسية الإعلامية عائشة العوضي مشيرة إلى أن الكاتب صب جهوده على كتابة المؤلفات العلمية.
الثقافة الراهنة
أعتبر حسن حنفي أن الأزمة تعبر عن مجتمع في مرحلة انتقال وإعادة تشكيل، ليست الأزمة خاصة بالعرب، فهناك أزمات في المجتمع الغربي، والشرقي، لكن الوعي بالأزمة أولى مراحل تجاوزها، إذ تثير كلمة (أزمة) إلى الحالة الراهنة للثقافة العربية. ولما كان الحاضر تراكم للماضي يصعب تحليل الأزمة الراهنة دون الرجوع إلى جذورها، خاصة وأن الماضي مازال يؤثر في الحاضر.
وأشار الى أن المجتمع العربي يمر في قلب الأمة الإسلامية بمرحلتين الأولى من القرن الأول حتى القرن السابع الهجري، نشأت فيها العلوم القديمة، وتكونت واكتملت ثم توقفت وانهارت. وذروة هذه المرحلة كانت في القرن الرابع الهجري، وفي نهايتها ظهر ابن خلدون ليؤرخ لها واضعا سؤال: (كيف قامت الحضارة العربية ولماذا انهارت؟).
والمرحلة الثانية من القرن الثامن الهجري حتى النهضة العربية المعاصرة، سبعة قرون أخرى، مرحلة التدوين الثاني. حلت فيها الذاكرة محل العقل. فشرحت ولخصت ودونت الموسوعات الكبرى وانتهت بسؤال شكيب أرسلان: لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم؟ قد نكون إذن على مشارف مرحلة ثالثة لمستقبل الثقافة العربية.
أما مكونات الثقافة العربية فحددها حنفي بقوله: تتألف من الموروث القديم، والوافد الحديث، والواقع المعاش، فلا فرق بين التراث الحي والثقافة المعاصرة. ولم تحدث قطيعة معرفية بيننا وبينه كما حدث في الغرب إبان عصر النهضة. أما الثقافة الوافدة المعاصرة عن الغرب فهي عنصر ضعيف.
النقل من التراث القديم
أكد حنفي أن أزمة الثقافة العربية تتجلى أولا في نقل التراث القديم، فالتراث ابن عصره، ينشأ في ظروف خاصة بمستوى ثقافي خاص باجتهاد رجال ذلك العصر. أما الآن فتغيرت الأحوال من النصر إلى الهزيمة، ومن الفتح إلى الاستعمار، ومن الغالب إلى المغلوب، ومن الرائد إلى التابع.
وأوضح حنفي : لم تعد الحاجة كما كانت عند القدماء الدفاع عن الله ذاتا بل للدفاع عن الإنسان ذاتاً وصفات وأفعالاً. وإذا كان القدماء بحاجة إلى الدفاع عن النبوة ومسارها والمعاد ومستقبل الروح، فإننا اليوم بحاجة لإثبات اكتمال وعي الإنسان عقلا وإرادة. مشيرا الى أن ثقافات الغالبين الجدد، أي الاستعمار الحديث، أصبحت هي الغالبة على الشعوب المستعمرة. وهذا يحتم إعادة النظر في استخدام ثقافات القدماء التي لم يعد لها أي رصيد الآن واستبدال ثقافات الغرب الحديث بها.
تغريب الثقافة
تتجلى الأزمة الثانية في الثقافة العربية في النقل عن الغرب الحديث حيث قال المفكر حنفي: تأخرنا في الإبداع، وتتمثل مخاطر النقل عن الغرب في اعتباره مصدرا للعلم والمعرفة. ينتج ويبدع والحضارات الأخرى تنقل وتستهلك، فتصبح العلاقة بين الحضارات علاقة أحادية الطرف.
مما يؤدي لاعتبار الغرب نموذجا للثقافة العالمية، ولكن الحقيقة لا توجد ثقافة عالمية واحدة إلا من أجل الهيمنة والسيطرة، لذلك كانت حركة الترجمة استمرار من اللغات الأوروبية إلى اللغات غير الأوروبية، في اتجاه واحد. و يؤدي كل هذا كما أكد حنفي إلى زيادة حدة التغريب في الثقافة العربية وطمس الهوية الثقافية. فالثقافة مقدمة سياسية.
بينما تتجلى أزمة الثقافة العربية بسبع تحديات كما أوضح : يفرض الواقع على الفكر العربي مجموعة من التحديات وهي: تحرير الأرض، والحريات العامة، والعدالة الاجتماعية، والتجزئة، والتبعية في الغذاء والكساء والثقافة، والتغريب والتبعية، وسلبية الجماهير وحيادها.
وأكد حنفي أخيرا أنه : من خلال الثقافة الوطنية يتم الحوار الوطني بين جميع التيارات الفكرية والسياسية والرسمية منها والشعبية حتى ينشأ الوفاق الوطني، وتقوم الوحدة الوطنية من خلال التعددية الثقافية، وبترتيب البيت من الداخل، ورصد الاتجاهات العامة للثقافة الوطنية والتأكيد على تعدديتها ووحدتها، وحق الاختلاف في الرأي دون تكفير أو تخوين، وضرورة الاتفاق على برنامج عمل وطني موحد.
أبوظبي- عبير يونس

