لا يملك الزائر حين يقف بين الحين والآخر أمام لوحات فنية تحمل كل ما تتصف به جماليات الفن التشكيلي ويتطلبه هذا الفن من معايير ومهارات، إلا التساؤل المشوب بالدهشة عندما يدرك أن من رسم تلك الأعمال فنانون إماراتيون من جيل الشباب المعاصر!!
فنانون يظهرون في أحد المعارض ليغيبوا بعدها، يبرز هذا التساؤل مجدداً من خلال زيارة معرض (رموز) الذي افتتح مساء أول من أمس في غاليري (مرسم مطر) بمنطقة الضيافة، بحضور الأديب محمد المر نائب رئيس هيئة دبي للثقافة والفنون وعدد من كبار الشخصيات ومحبي الفن.تميز المعرض الذي يستمر حتى 21 أكتوبر الجاري ويضم 37 لوحة، بومضات إبداعية تثير الإعجاب والتقدير في تجارب كل من الفنانين الثلاثة: فريد محمد الريس، وخالد جمعة أهلي، وراوية أحمد الملك. وتمثلت ملامح الإبداع لديهم في الجمع بين مهارات تقنيات الرسم الأكاديمي والتعامل مع الألوان، وروح الفنان المنعكسة في حيوية العمل.
زاوية الريس
تجلت تلك الومضات لدى الريس في مجموعته البالغ عددها 15 لوحة بين الفن الكلاسيكي والتجريدي والانطباعي، من خلال أعماله في إطار الفن الكلاسيكي لمشاهد عمرانية أثرية، حيث برز إبداعه في تعامله مع الألوان المائية ومهارته في إبراز خامات العناصر، وانعكاسات الظل والنور.
وتلخص لوحته (زاوية) هذا التجلي، حيث يطل المشاهد من خلال كادر نافذتها على شرفة بيت من بيوت تشابه في عمرانها بيوت البستكية، ليشعر بحرارة نور الشمس وملمس العوارض الخشبية والمعدنية والحجارة، لتتجاوز بالمجمل مفهوم الرسم الفوتوغرافي، إلى حيوية المادة من دفئها وبرودتها إلى خشونتها وشوائبها، التي تتفاعل معها نفس المشاهد بشكل تلقائي.
كما تعكس أعماله في إطار الانطباعية، قوة التعبير الفني في اختزال مضمون الفكرة وتكثيف شحنات الانفعال، من خلال قوة وصلابة اليدين اللتين إما تمسكان بقضبان زنزانة أو تحاولان الوصول على الرغم من القيود واللجم إلى مناشدة يد طفل، وفي مجموعته الخاصة بالفن التجريدي، يبدو تأثره العميق بروح ألوان عمه الفنان عبدالقادر الريس الذي يعتبره قدوة له ونموذجا أمثل في عالم الفن.
دقة تفاصيل أهلي
أمام أعمال أهلي الخمسة عشر، في إطار كل من الفن التجريدي الذي يحتفي بديناميكية الألوان وجمالياتها، والانطباعي الذي صور فيها تراث بلده بحراً وبراً، من بناء السفن وشبكات الصيد إلى العمران، يستوقف المشاهد عملان، أولهما لوحته (العوير) التي رسمها بالألوان المائية.
وتكمن جماليات تلك اللوحة التي تصور مشهداً من الطبيعة المحلية، في التشبع اللوني الغني بدقة تفاصيل خضرة الشجر ورمال الصحراء والسماء الموشحة بالغيوم، مما يضفي على اللوحة حيوية وتكاملاً وتناغماً ومتعة بصرية لا حد لها. وثانيهما لوحة (الحظيرة) التي رسمها بألوان الأكريليك، ويتجلى فيها إبداعه في التكوين والجمع بين عناصر من البيئة بصورة فنية تحمل الكثير من الجماليات سواء على صعيد توزيع العناصر أو تناغم ألوانها مع بياض قماش اللوحة.
وفي المحطة الأخيرة مع أعمال راوية السبعة في إطار الفن الكلاسيكي والحديث الذي يبرز مستواها المتقدم في التمكن من أدواتها الفنية، تستأثر كل من لوحتيها؛ (وادي المنيعي هنا كانت) و(جنون البناء) باهتمام المشاهد.
حيث تنبعث من لوحة الوادي حالة من السكون تهيمن على طبيعة المكان ونفس المشاهد في آن واحد، والتي استطاعت تجسيدها والوصول إليها من خلال حساسية تعاملها مع الألوان الزيتية المتناهية في الشفافية.
وفي لوحة الأبنية ينتقل المشاهد إلى إيقاع مختلف حيث تعود به اللوحة إلى الزمن المعاصر الصاخب والمزدحم، من خلال الأبنية المتراكبة والمتزاحمة التي رسمتها الفنانة بأسلوب الفن التكعيبي، ليصدر الضجيح من زخم الألوان الزيتية الحيوية التي تنبعث من الأبنية والأنوار التي تخترق زرقة السماء الداكنة في عتمة الليل. وما يحسب للفنانة قدرتها على تحجيم تلك الفوضى أو الصخب في كوادر ومساحات وتحويله إلى عمل يحمل الكثير من الجماليات البصرية.
في الختام قال الفنان ومنظم المعرض مطر بن لاحج بشأن بروز بعض الفنانين وغيابهم مجدداً، (في الإمارات مجموعة من الشباب الموهوبين الذين يمتلكون بالفطرة الحس الفني.
دبي ـ رشا المالح

