ما من شيء أعز وأغلى على قلب كل امرأة، من أن تصبح أماً، فهذا الحلم يهيمن على وجدانها، ويسيطر على مشاعرها، منذ نعومة أظفارها، وحتى يقدر الله لها أن تحظى به.
وما من عبارة أرق وأعذب وقعاً على مسامعها من عبارة: أنت حامل، فالأمومة فضلاً عن كونها غريزةً فطريةً، مغروسة في وجدان كل فتاة، وتتجلى في اهتمامها التلقائي بلعبة العرائس ـ كما يؤكد علماء النفس- هي أيضاً بمثابة صك اعتراف بأنها أنثى مكتملة الأنوثة.
وخلال مرحلة الحمل، وما يرافقها من انتظار «لذيذ» يجب أن تخضع المرأة، لعدد من الفحوصات الدورية المتقدمة، للتأكد من سلامة حملها، وللوقوف على ما إذا كان جنينها يتمتع بالصحة والعافية، أو كان يعاني من خطب...
وتستطيع الحامل بالاعتماد على الأجهزة الحديثة، أن تستمع لدقات قلب جنينها، ومراقبة حركته داخل رحمها، والتعرف على معدلات النمو وحجم الدماغ وسلامة العمود الفقري والأجهزة التناسلية، كما تستطيع عبر فحوصات الدم المتقدمة، أن تتعرف عما إذا كان يعاني من أمراض وراثية أو غير ذلك.
ومع التطور الطبي سريع الخطى، غدا في الإمكان التدخل جراحياً لعلاج الجنين، عبر عمليات منظارية دقيقة، تكفل معالجة مشكلاته الصحية مبكراً، وقبل أن يخرج إلى الحياة، كما أصبح بالإمكان إجراء جراحة غير منظارية للأجنة، ولكن هنالك حالات لايزال الطب يقف أمامها مكبلاً غير قادر على اتخاذ قرار اللهم إلا السعي لإقناع الوالدين بتقبل قضاء الله وقدره، أو التوصية بإجهاض الجنين، في حالات العيوب الخلقية التي تصبح معها فرصه في الحياة معدومة، أو التي لا يمكن في ظلها أن يحظى بحياة طبيعية، وذلك وفقاً لقواعد محددة منصوص عليها في القانون الإماراتي.
فما هي الحالات التي يجب على الطبيب فيها أن يتخذ مثل هذا القرار الإجهاض الصعب؟ وما حجم مشكلة تشوه الأجنة والعيوب الخلقية في الإمارات... ومتى يسمح التشريع القانوني والشريعة الإسلامية بالإجهاض؟ وهل من إجراءات وقائية يمكن للمرأة أن تلجأ إليها لتجنب هذه المأساة الكبرى؟ وما دور برامج وفحوصات ما قبل الزواج التي تجريها وزارة الصحة لراغبي الزواج في الحد من المشكلة؟
في السطور المقبلة... نناقش هذه القضية من مختلف جوانبها.
يقول الدكتور أمين الجوهري، استشاري جراحة الأطفال في مستشفى النور: إن تكون الجنين هو عملية معقدة، تنجم عن التقاء كروموزومات الأب والأم، فيحدث الاتحاد بين الجينات بصورة متشابكة، مما يجعل لكل إنسان شفرة جينية خاصة به.
النور والظلام
وقبل الخوض في الموضوع، يجب أولاً أن نجيب على تساؤل يردده الكثيرون، ألا وهو: لماذا تحدث العيوب الخلقية، حيث إن وجود بعض الحالات غير السليمة، وبعض المواليد غير الأصحاء، هو رسالة من الخالق عز وجل، تدعو إلى التدبر والتفكر، ومن ثم تستطيع العقول البشرية أن تدرك شيئاً من حكمة الخالق، وأن تقف على عظيم صنعه وإحكام خلقه، وذلك وفقاً لقاعدة أن الضد يكشف الضد، كما يكشف النور الظلام، هذا فضلاً عن حكمة الخالق في ابتلاء بعض عباده وامتحان صبرهم.
ويتابع الجوهري: إن مواد البناء الأساسية للإنسان تتمثل في الأحماض الأمينية، التي تتكون من أربعة أحرف، وهناك ثلاثة مليارات حمض خء في الخلية الواحدة، 3% منها فقط يحمل الصفات الوراثية، و97% منها غير معروف الوظيفة، وليس كما يزعم البعض من دون وظيفة، لأن الخالق عز وجل، لا يخلق شيئاً باطلاً.
ويواصل متحدثاً عن التفسيرات الطبية للتشوهات الجينية قائلاً: بعض التشوهات تكون لأسباب وراثية، ومن أبرزها في مجتمع دول حوض البحر الأبيض والخليج: الثلاسيميا، أو ما يسمى فقر دم حوض البحر الأبيض المتوسط. وليس شرطاً أن يكون أحد الأبوين مصاباً بالمرض، حتى ينتقل إلى وليدهما، إذ يكفي في كثير من الحالات أن يكون أحدهما أو كلاهما حاملاً لسمات المرض الوراثية، حتى ينتقل إلى الجنين.
والثلاسيميا مرض وراثي يؤثر في صنع الدم، فتكون مادة الهيموجلوبين في كرات الدم الحمراء، غير قادرة على القيام بوظيفتها، مما يسبب فقر دم وراثياً ومزمناً يصيب الأطفال في مراحل عمرهم المبكرة، نتيجة لتلقيهم مورثين معتلين، أحدهما من الأب والآخر من الأم، على الرغم من خطورة الثلاسيميا، إلا أنه من الأمراض التي يمكن تجنبها عبر خضوع راغبي الزواج من الجنسين، وكذلك تجنب زواج الأقارب.
تشوهات العمود الفقري
ويضيف الدكتور الجوهري:إنه بالإضافة إلى التشوهات الخلقية الناجمة عن الوراثة، هناك تشوهات غير وراثية من أشهرها: ما يسمى طبياً بحالة انفلاق العمود الفقري، واستسقاء الرأس.
وتحدث أعراض الإصابة بهذا المرض، نتيجة عدم اكتمال تكوين العمود الفقري، أثناء وجود الجنين في الرحم، مما يجعل النخاع الشوكي مفتوحاً، ومن ثم لا تتمكن الأعصاب الشبكية من تغذية الجزء السفلي من الجسم، وكلما كان الموضع المختل من العمود الفقري أقرب إلى الرأس، كلما كانت الأعراض أشد وطأة.
ولا تنجم هذه الحالة عن زواج الأقارب، وإنما تنشأ عن عدم تناول الحوامل لحمض الفوليك آسيد، قبل الحمل، إذ لا جدوى من تناوله أثناء الحمل، ولا ينتشر المرض بصورة تدعو للقلق في الإمارات، والمتعارف عليه أنه يحقق أعلى معدلات الانتشار في أيرلندا.
ويؤدي المرض إلى استسقاء الرأس، وهي حالة تتمثل في وجود تجمعات مائية كبيرة تحديداً في منطقة خلف الرأس، وذلك بسبب انسداد فجوات المخ، نتيجة العيوب الخلقية المصاحبة لتشوهات العمود الفقري.
وفيما يتعلق بتبعات هذه الحالة، يقول: إن المرض قد يؤدي إلى أعراض الشلل النصفي أو الجزئي مع عدم القدرة على التحكم في البول والتبرز بدرجات تتناسب مع شدة الحالة، ويؤدي مرض استسقاء الرأس إلى زيادة مطردة في حجم الرأس والضغط على خلايا الدماغ ومن ثم تتأثر به القدرات العقلية سلباً، علماً بأنه ليست كل الحالات التي تعاني من استسقاء الرأس ستعاني بالضرورة من التخلف العقلي.
ومع التطورات التي شهدتها مختلف مجالات التشخيص وجراحة الأجنة مؤخراً، أصبح من السهل الكشف عن إصابة الجنين بالمرض فيما هو في الرحم، وهناك جراحات متقدمة يتم خلالها إخراج الجنين من الرحم وإصلاح الخلل العضوي ثم إعادة الجنين إلى الرحم.
مثل مرض فثق الحجاب الحاجز ومرض انفلاق النخاع ولا تجرى مثل هذه الجراحات على أرض الدولة في الوقت الراهن، ولكن المؤكد أن هناك خبرات طبية متميزة قادرة على إجرائها في حال توفر الإمكانيات المناسبة.
آثار التدخين
أما عن العلاقة المباشرة بين التشوهات الجينية والتدخين، فيؤكد الجوهري أن الدراسات الطبية الحديثة تجمع على وجود علاقة مباشرة بين تدخين الحامل، وبين زيادة احتمالات إصابة جنينها بتشوهات الشفة وسقف الفم المشقوقين، وبعض المشكلات التركيبية التي تصيب العينين، وكذلك مشكلات الجهاز الهضمي والحبل الشوكي، كما وجدت الدراسات أن هناك علاقة مباشرة بين تعرض الوليد للموت من دون أسباب واضحة خلال الأشهر الأولى من الولادة، وبين تدخين الأم أثناء وقبل الحمل.
ويختتم قائلاً: إنه بالإضافة إلى التشوهات الجينية السابقة والتي تعد الأشهر والأهم، توجد تشوهات تنجم عن تلوث البيئة وسموم الحروب الكيماوية وأخرى لأسباب غير معروفة، وسيظل هذا الموضوع مبهماً وفي حاجة إلى المزيد من الدراسات رغم القفزات الهائلة التي تحققت في مجال فك الشفرة الجينية وأجهزة السونار، لأن حكمة البارئ عز وجل، تقتضي أن يضرب لنا الأمثال، ولأنه مهما تقدمنا علمياً ستظل علومنا قاصرة محدودة أمام علمه تعالى.
تحليل دم الحامل يكشف متلازمة داون
تلعب وسائل التشخيص الحديثة دوراً كبيراً في الكشف عن الكثير من التشوهات ومن بينها متلازمة داون التي يتم كشفها عبر عمل تحليل دم للحامل، حيث يظهر وجود كروموسوم زائد يسمى علميا بالكروموسوم رقم 21 وهو يؤدي للمرض، وتعرف متلازمة داون بأنها مرض ينجم عن تشوه جيني يسبب تأخرا في النمو البدني والعقلي.
ووفقاً للجمعية الوطنية لمتلازمة داون، فإن هذا التشوه من أكثر التشوهات الكروموسومية شيوعاً، حيث توجد حالة من بين كل 800 إلى 1000 طفل.
ويوجد في الولايات المتحدة نحو 350 ألف شخص مصاب بهذا المرض، في حين أن الأرقام في بريطانيا تبين إن حوالي 600 طفل يولدون سنوياً بمتلازمة داون، بمعدل حالة في كل 1000 ولادة. أما في منطقة الخليج فقد أظهرت الدراسات أن حالات متلازمة داون تقدر ما بين 1 إلى 3 في كل 1000 مولود.
وتتمثل مظاهر المرض في قصر القامة والبدانة ويكون الوجه مستديراً ومتسعاً والجفون ذات زوائد جلدية، والأنف مضغوطاً أفطس، وكذلك البدانة وقصر القامة، أما أعراضه فتتمثل في التخلف العقلي،.وقد اصطلح على تسمية المصابين بهذا المرض بالمنغوليين، غير أن هذا المصطلح غير دقيق طبياً.
لجنة القيم الطبية تحدد شروط الإجهاض عند تشوه الجنين
تسترشد لجنة القيم الطبية التي شكلتها وزارة الصحة للبت في حالات الإجهاض في عملها بالحديث الصحيح والذي رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن مسعود وجاء فيه «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يرسل الله تعالى له الملك فينفخ فيه الروح، ثم يؤمر بأربع كلمات:
رزقه وأجله وعمله شقي أم سعيد»، وعلى هذا الأساس لا يجوز الإجهاض إطلاقاً في حال زاد عمر الجنين في رحم أمه عن 120 يوماً، ويجوز قبل ذلك في بعض الحالات التي تدرس كل منها على حدة.
وفي حال استقر الرأي الطبي على أن الجنين في حالة صحية خطرة، وأنه لا محالة سيموت في رحم أمه، فعندئذ يجب الإجهاض، وفي حال اتفق الأطباء أولو الثقة على أن بقاء الحمل سيشكل خطورة على سلامة الأم، يكون القرار بالتخلص منه حرصاً على الأصل لا الفرع، أما في حالات التشوهات الخلقية التي تعد قضاءً وقدراً، ولا يشكل وجودها خطورة على الأم فلا يجوز الإطلاق بتاتاً، وهو يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون الجنائي.
متى يجوز الإجهاض؟
يقول الدكتور محمود فكري المدير التنفيذي لشؤون السياسات الصحية في وزارة الصحة: إن قانون المسؤولية الطبية التي صدر قبل عامين، والقانون رقم 7 لسنة 1975 يحددان الحالات التي يجوز فيها الإجهاض، وهما قانونان مستمدان من الشريعة الإسلامية.
ويضيف: إنه وفقاً للقانون فإنه لا يجوز للطبيب أن يجري عملية إجهاض أو يصف أي شيء من شأنه إجهاض امرأة، إلا في حال كان استمرار الحمل يشكل خطراً على حياة الأم، على أنه يجوز اتخاذ قرار الإجهاض بشرطين فقط وهما:
أولاً أن يتم الإجهاض بواسطة طبيب متخصص في أمراض النساء وبموافقة طبيب آخر متخصص في سبب الإجهاض، ثم أن يحرر محضر بتقرير السبب المبرر للإجهاض بمعرفة الأطباء المعنيين، على أن يوقع عليه زوج المريضة أو وليها بما يفيد الموافقة على إجراء عملية الإجهاض ويحتفظ كل طرف من الأطراف المعنية بنسخة منه.
كما يجوز اتخاذ قرار الإجهاض إذا ثبت تشوه الجنين ووفقا للشروط التالية: أن يكون الإجهاض بناءً على طلب الوالدين، ألا يكون قد مر على الحمل مائة وعشرون يوما، أن يثبت التشوه بتقرير لجنة طبية تضم استشاريين في تخصصات أمراض النساء والولادة والأطفال والأشعة، أن يكون تقرير اللجنة مبنياً على الفحوص الطبية واستخدام التقنيات المتعارف عليها علمياً، أن يكون الجنين مشوهاً تشوهاً خطيراً غير قابل للعلاج بحيث يؤدي إن ولد حياً إلى أن تكون حياته سيئة ويعاني آلاما مبرحة مما يؤدي إلى مرارة أهله.
ويضيف الدكتور فكري: وفي كل الحالات لا يجوز القيام بأي عمل أو تدخل بقصد تنظيم التناسل إلا بناء على طلب أو بموافقة الزوجين، كما لا يجوز القيام بأي عمل أو تدخل بقصد قطع التناسل للمرأة، إلا بناء على رأي لجنة طبية متخصصة لا تقل عن ثلاثة أطباء تفيد بأن الحمل أو الولادة يشكلان خطراً محققا على حياة الأم وبعد موافقة كتابية من الزوجة وإخطار الزوج.
أبوظبي- محمد مصطفى موسى
