السرطان، مرض العصر، المرض الخبيث الذي بات كابوساً جاثماً على صدور الأطباء والعلماء، يفتك بالكبير والصغير، لا يفرق بين غني أو فقير، وبات مجرد ذكر اسمه في أي وسط اجتماعي يشكل حالة من الخوف والرعب، لدرجة أن البعض يتهرب من مجرد ذكر اسم المرض، فيقول لك «فلان مصاب بذاك المرض عافانا وعافاكم الله»-، أما الأطباء فأطلقوا علية عدة مسميات علمية، منها المرض الخبيث، أو الورم الخبيث، فيما بات الاصطلاح الطبي السائد هو «السرطان»، تشبيهاً بحيوان السلطعان الذي يمشي ويتمدد في كل الاتجاهات.

هذا المرض الذي بات يفرض نفسه على كل المجتمعات والفئات العمرية، ففي زمن مضى، كان الناس يتناقلون اسمه على خوف واستحياء وندرة، أما الآن فما من أسرة إلا وتسمع أن لديها مريضاً يعاني من أحد أشكال السرطان، مثله مثل الضغط والسكر وأمراض القلب والشرايين، أصبح واحداً من أمراض العصر، يلقي بظلاله على المجتمعات والدول، في حالة من التحدي الكبير لمكافحته وعلاجه وتطوير طرق الكشف المبكر عنه وإيجاد طرق الوقاية.

وكل ذلك مرتبط بتحديد الجينات المورثة والمسببة للسرطان وحسب الإحصاءات العالمية، يقتل هذا المرض في كل عام لآلاف الناس من مختلف الأعمار والأجناس، حيث يقتل 65 ألف شخصٍ في فرنسا كل عام.

مرض مزمن

وحسب التعريفات الطبية، بات السرطان من الأمراض المزمنة، ويتميز بتكاثر غير محدود في خلايا الأنسجة، ويؤدي في النهاية إلى تشكل أورام غير طبيعية (أورام خبيثة) تسمى الأورام السرطانية، حيث يمر المريض بثلاث مراحل، المرحلة الأولى مرحلة تكوين المرض وتظهر في بعض مواضع الجسم وهي في البداية غير مؤلمة تشبه الثآليل، تقوم بتخريب الأنسجة السليمة وتتوسع على حسابها، وهي نتيجة تكاثر غير طبيعي وفوضوي .

ولا تلبث أن تتغلغل في الأنسجة وتهضمها، مثلما تتغلغل جذور النبات في الأرض، حيث يختلف هذا التكاثر باختلاف الأنسجة التي يجتاحها، وتتميز جميع الأورام بزيادة في الحجم، وتتوزع كما تتوزع قطرة الزيت في الماء، ويتم تصنيف كل نوع من السرطانات حسب النسيج الذي نشأنه، ويحدد تشخيص الحالة المصابة نهائيا عن طريق فحص أخصائي الباثولوجيا لعينة أو خزعة مأخوذة من الورم.

اهتمام ومتابعة

وفي دولة الإمارات، كثفت الجهود وقدمت الدولة كل أوجه الرعاية والدعم للسيطرة على المرض والحد من انتشاره عبر حملات التوعية الطبية، والارتقاء بمختلف أشكال الرعاية الصحية، وتوفير كل أنواع العلاجات الممكنة للمرضى.

والحد من آلامهم وآلام أسرهم، التي يشكل المرض بالنسبة لهم عامل ضغط نفسي كبيراً، لما يكتنفه من غموض وتكاليف علاج، وباتت مشافي الدولة تستقبل الحالات والبدء بعلاجها فور اكتشافه وتشخيصها من قبل الأطباء المتخصصين، وبات مشفى توام في مدينة العين واحداً من أهم مراكز العلاج في الدولة، لما يتمتع به من إمكانات وخبرات طبية وتقنية.

فقد استقبل في العام 2009 قرابة 1324 مريضاً، حسب الإحصاءات الرسمية للمشفى، منها 518 ذكوراً، و743 إناثاً وبلغ عدد المرضى المواطنين الذين تم استقبالهم وتشخيص حالاتهم في توام 518 حالة، بالإضافة إلى 743 مريضاً من غير الموطنين.

العلاج والكشف المبكر

وأشار الدكتور حسان جعفر استشاري الأمراض السرطانية في مشفى توام، إلى أن مرض السرطان وعلى الرغم من حالة الخوف والهلع التي يسببها للمريض ولأسرته، إلا أن التقدم العلمي الكبير في مجالات الكشف والتشخيص حقق في السنوات الأخيرة نتائج مشجعة لشفاء العديد من أنواع السرطانات المختلفة.

حيث يتم العلاج حسب نوع المرض وعمر المريض ونوع الجينة المسببة له، حيث أمكن إنتاج أدوية قادرة على استهداف الخلايا السرطانية وتميزها على المستوى الجزئي، مما يقلل من استهداف الخلايا السليمة، سواء العلاج بالأدوية، أو العلاج الإشعاعي أو الكيماوي، وحتى العلاج الجراحي.

وأضاف أن البحث العلمي جار على قدم وساق لمعرفة الأسباب المباشرة لكل نوع من أنوع السرطان، وحتى الآن لا تزال الأسباب خفية، وعند معرفة السبب يسهل تحديد نوع العلاج، والمرض الوحيد الذي تم تحديد أسبابه المباشرة هو مرض سرطان عنق الرحم، والناتج عن فيروس ينتقل عند سن البلوغ أو بعد الزواج، حيث تم الكشف عن الفيروس ويتم حقن المريضة بالعلاج ويمنع انتشار المرض بحيث يمكن السيطرة عليه والوقاية منه، وبالفعل فقد تقلصت حالات الإصابة والموت بهذا النوع من السرطانات .

مخاطر الأسبستيوس

وكشف الدكتور حسان أن العاملين في الأماكن التي يوجد بها ألواح إسبيستيوس معرضون أكثر من غيرهم للإصابة بسرطان الرئة، وذلك بسبب المواد المكونة لتلك الألواح، والتي يتم انتقالها لداخل الرئتين عند الاستنشاق.

ومن أنواع السرطانات الأخرى، هناك عوامل مساعدة للإصابة بها مثل التدخين وسرطان الثدي لوجود جينات محرضة، ويتم كشفها بشكل مبكر ويتم علاجها لذلك يتم في كل عام إطلاق حملات التوعية لسرطان الثدي والكشف المبكر عنه، ما قلص عدد الإصابات، مشيراً إلى أن بعض الأنواع السرطانية مرتبطة بالوراثة، وإذا تم التعرف على جينتها أمكن علاجها بشكل مباشر، وإذا فشل العلاج الدوائي يتم استئصال الثدي بالكامل واستبداله بثدي صناعي تجميلي.

وأشار الدكتور حسان إلى اختلاف أنواع السرطانات، مثل سرطان القولون، والكبد والدماغ، والدم والعظام، والشبكية، وكلها أنواع تتعدد أسبابها وتختلف طرق علاجها كلما أمكن الكشف البكر عنها، وتشخيصها بشكل دقيق على أيدي أطباء خبراء ومختصين، هذا ما يتم حاليا في دولة الإمارات.

حيث يستقبل مشفى توام جميع الحالات المحولة إليه من مختلف مشافي الدولة، بعد أن تم اكتشافها وتشخيصها، حيث تأتي معظم تلك الحالات إلى المشفى لتلقي العلاج اللازم، لاسيما العلاج الكيماوي والإشعاعي، ثم يعود المريض للمشفى الذي تمت فيه حالة التشخيص لاستكمال المراقبة والمتابعة، مشيرا إلى أن جميع أنواع العلاجات متوفرة باستثناء بعض الأنواع مثل سرطان البنكرياس والتي باتت تنتشر بكثرة ومازالت مستعصية على العلاج.

أما السرطانات الباقية مثل القولون والبروستاتا والخصية، فباتت من الحالات التي تتجاوب مع العلاج بشكل كبير ويتماثل مريضها للشفاء، وكذلك الحال بالنسبة لسرطانات الدم، التي بات يوجد لها طرق علاج وبدائل، وبات قسم منها قابل للشفاء الكامل لاسيما سرطانات الغدد الليمفاوية، مشيرا إلى أن عوامل كثيرة تلعب دورها في نجاح العلاج ومنها الحالة النفسية ووظائف الجسم وقدرته على تحمل بعض التدخلات الدوائية خصوصاً الكيماوية منها مثل وظائف الكليتين والكبد.

سرطانات الأطفال

من جانبه أكد الدكتور مصطفى منير البارودي، استشاري أمراض الدم والأورام عند الأطفال أن السرطان ليس نهاية الحياة، والحالة المعنوية والنفسية للمريض تلعب دوراً كبيراً في تخفيف حدة الآلام والمساعدة في نجاح العلاج، وكشف أن مشفى توام استقبل في العام 2009 قرابة 80 حالة سرطانية لدى الأطفال.

حيث يعتبر مشفى توام من المشافي المتطورة ولديه قسم خاص للأمراض السرطانية الخاصة بالأطفال، مشيراً إلى أن الإحصاءات العالمية تشير إلى إصابة 16 طفلاً من كل مئة ألف طفل من عمر سنة إلى 15 سنة، ويحتاج العلاج إلى مدة لا تقل عن 3 سنوات حسب الحالة، ويمتلك مشفى توام وحدة للعلاج الإشعاعي خاصة بالأطفال، ويتم استقبال كافة الحالات المحولة من محتفل مدن الدولة ومشافيها، بعد أن يتم تشخيصها، مشيرا إلى زيادة حالات الإصابة بات مرتبطاً بتطور نمط الحياة وإفرازاتها العصرية، لاسيما الملوثات الطبيعية في الجو والتربية والغذاء.

وبعض الأمراض مرتبط بالتحولات الجينية، مثل أمراض الكلى وسرطان شبكية العين، وبعض أنواع النسج المتوسطة، مثل العظام والعضلات بالإضافة إلى مرض سرطان الدم، الذي يعتبر من أكثر الأمراض شيوعاً، حيث يشكل ثلث حالات الإصابة، حيث استقبل مشفى توام في العام 2009 ما يقارب 34 حالة من أصل 80 حالة، كما انه من أسهل الحالات تجاوبا للعلاج، ونسبة الشفاء منه تصل إلى 80 بالمئة، إضافة لسرطان العظام الناتج عن سرعة النمو لدى الأطفال.

وأشار الدكتور مصطفى إلى أن زيادة مخاطر الإصابة بالسرطانات لدى الأطفال تقل كلما كبروا في العمر، مشيراً إلى أن مرض ابيضاض لدم والدماغ والجهاز العصبي والشبكية من أكثر أنواع سرطانات الأطفال.

السرطان يجتاح الدول الفقيرة

كشفت دراسة حديثة، بأن السرطان بات يجتاح الدول الفقيرة بنسب كبيرة، ما يتطلب تدخل المنظمات الدولية لمواجهة تلك المخاطر، على غرار الحملات العالمية للتصدي لفيروس أنفلونزا الخنازير والإيدز.

حيث تشير التقارير إلى أن الدولة الغنية والمتقدمة قادرة على توفير الرعاية الصحية والعلاج لمواطنيها، حيث يشير أحد الأخصائيين في جامعة أكسفورد أنه بحلول العام 2020 سوف تظهر 70 في بالمئة من جميع حالات مرض السرطان في الدولة الفقيرة والنامية، عكس ما يتناوله البعض بأن السرطان لا يفرق بين الأعمار والأجناس والأغنياء والفقراء.

حيث تنفق فقط 5 بالمئة من الموارد العالمية لمكافحة السرطان في الدول النامية، فيما تشير الوكالة الدولية لأبحاث السرطان إلى أن المرض سيؤدي بحياة أكثر من 13, 2 مليون شخص سنوياً بحلول العام 2030 وهو ضعف الحالات في العام 2008، ومعظم تلك الحالات لدى الدول النامية وذات الدخل المحدود، فالمشكلة مرتبطة بطرق الوقاية وتوفير العلاج .

العين ـ داوود محمد