تتقاطع الخطوط الأفقية للفنان الفلسطيني هاني زوراب مع الخطوط العمودية للفنان اللبناني شربل صموئيل عون، لتتحول إلى لغة تحكي عن حال الإنسان في الزمن المعاصر سواء في بعده الكوني أو الجغرافي، وذلك من خلال المعرض التشكيلي (مزقوا الجدران) المقام في غاليري (آرت سبيس) بمركز دبي المالي العالمي والذي يستمر حتى 24 أكتوبر الجاري.

والخطوط الأفقية في أعمال الفنان زوراب البالغ عددها ست لوحات بأحجام ضخمة وصغيرة، تتحول إلى جدران وحواجز في وجه الطفل الفلسطيني الذي يبقى شاهداً بريئا على المجازر الدموية التي شكلت خطوط أفق حياته.

وتأتي قوة تعبير الفنان في تصوير المأساة، من خلال رمزيته التي تمحورت حول السكون المطبق، والعزلة، وحالة الحصار التي يعيشها الطفل الذي نراه بمحاذاة جدران اسمنتية عملاقة تتحول وتتبدل

. فتارة نراه قبالة جدار يصد تقدمه أو تطلعاته وهو الذي لا يملك سوى عجلته ومكنسة إزاء عالم رمادي بالمطلق، وتارة أخرى واقفاً قبالة الخط الاسمنتي الفاصل بين الأرض والأفق، والتي تشكل فيما بينها وحدة من الخطوط الحمراء التي إما تشربتها الأرض، أو تسيل على مدى أفق الحياة المحيطة به، والتي لا يملك الطفل أمامها إلا الالتفات إلى المشاهد ونظرة تساؤل بريئة على وجهه.

وفي لوحة أخرى نرى الطفل جالساً على أريكة تتداخل في الجدران العملاقة التي تحمل ألوان العلم الفلسطيني، والطفل فيها قبالة المشاهد يطالعه وهو في حالة انتظار لمن سيأتي ويمزق حالة السكون، وربما الحصار!

استطاع الفنان الشاب زوراب الذي حصد العديد من الجوائز، ودرس الفن في غزه ويعيش منذ عام 2006 في باريس، أن يوازن في أعماله بين قسوة الفكرة وجماليات اللوحة الفنية، سواء في جرأة التكوين من خلال الجمع بين خطورة المساحات الضخمة ذات اللون الواحد، أو ديناميكية العمل التي ركز فيها على ملامح الطفل وتفاعل الألوان مع محيط الفكرة. وأخيراً يتجلى إبداع زوراب في هذا الجمع، من خلال استغراق المشاهد في أعماله التي تدفع إلى التأمل المشوب بالأمل.

حرب النجوم

أمام لوحات الفنان عون البالغ عددها أربعة أعمال ضخمة، ينتقل المشاهد إلى صخب وفوضى عالم الإنسان في الزمن الراهن، حيث تدخل البشرية في متاهة من الازدحام والضجيج. وفي تلك الفوضى ينتقل المشاهد بين أبعاد زمنية وفكرية متعددة، من العالم الهادئ في الزمن الماضي الذي تجلى في ألوان الطبيعة الشفيفة في خلفية اللوحة كما في عمله (الحياة في حركة).

والتي بني عليها تشابكات من الخطوط عبر سيل الألوان العمودية المتراكبة على بعضها البعض، لتشكل تلك الخطوط وجوه وحركة البشر التي تنشد الخلاص في النور المشع في كل لوحة، والذي يحمل معه التفاؤل في زمن إما تنكر لإنسانية البشر لصالح الصناعة، أو بات فيه البشر في حالة لهاث وتدافع حتى الاختناق حيث يخبو النور حينا ويطغى حينا آخر.

وإن كانت مشاهد لوحاته تقترب من عوالم أفلام حرب النجوم وتصحر الكون لصالح الآلة، إلا أنها تتمسك بروح الطبيعة وجمالياتها في مساحات هادئة. ومما لا شك فيه أن الفنان والنحات الشاب زوراب الذي درس العمارة، يقف خارج السرب في زمن الفن المعاصر، من خلال خصوصية وتميز أسلوبه الفني الذي اعتمد فيه على سيلان الألوان وبروزها في تشكيل عوالمه الفنية المقروءة، والتي تجمع بين العفوية كعنصر أساسي من جهة، وبين جانب الفوضى المنظمة المدروسة من جهة أخرى.

دبي ـ رشا المالح