تقوم السيارة الروبوتية «روفيو» بخدعة ماكرة، حيث إنها تسقط قلماً قريباً منها يقف على الأرض ويتجه رأسه باتجاه ممر يقود إلى مخبأ، لكن «روفيو» لا تختبئ هناك، بل تذهب للاختباء في مكان آخر، وعندما تأتي «روفيو» أخرى لتبحث عنها، ترى القلم الساقط على الأرض، وتظن أن ضحيتها قد سارت في ذلك الاتجاه، لكنها بعد أن تسير في اتجاه القلم، لا تجد ضحيتها.

هذه اللعبة لمجموعة من الروبوتات لا يقصد منها التسلية، وإنما يتعدى الأمر ذلك بكثير، فهي تشير إلى قدرة لتلك الروبوتات على ممارسة شيء لا يستطيعه سوى الإنسان، ألا وهو الذكاء الاجتماعي، أو ما يسمى نظرية العقل، وهذا أمر لا يجيده البشر، إلا بعد بلوغهم الرابعة أو الخامسة من العمر، لهذا كان بإمكان تلك الروبوتات أن تمارس هذا الذكاء الاجتماعي في مجالات أخرى، فربما تنجح في تحليل مشاعر الناس والروبوتات الأخرى وتفهم احتياجاتهم المختلفة.

يقول «الان واغنر» من معهد جورجيا للتكنولوجيا في أتلانتا بالولايات المتحدة الأميركية، الذي قام بتطوير تلك الروبوتات لتتصرف بذكاء بالتعاون مع زميله «رون أركين»: «كان ممتعاً رؤيتها تعمل بهذا الشكل، لقد وسعنا نطاق فهم الخداع ليشمل تلك الأنظمة الاصطناعية».

ويذكر أن العلماء أجروا تطويرات كبيرة على الروبوتات فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، لكن رؤيتها وهي تمارس نوعاً من الخداع أو التضليل، يعتبر، بلا شك، تطوراً كبيراً، فهو لا يقوم على تبني وتقليد العقل ليماثل نهج عقل آخر غير متصل بالروبوت فحسب، كما هو جار في الروبوتات المتطورة.

وإنما القدرة أيضاً على توقع تصرفات الآخرين والتلاعب في رد الفعل، ويقول ليان ينغ، عالم الإدراك في معهد «ماساشوستس» للتكنولوجيا إن: «ما يقوم به الروبوت في تجربة الخداع تلك مميز، فالروبوت المخادع يعلم ما يعلمه الروبوت الآخر، ويسعى لتضليله بناء على تلك المعرفة التي يستند إليها».

واستندت تلك التجربة الرائدة إلى برمجة الروبوت الباحث على التحرك باتجاه أحد المخابئ الثلاثة المعدة مسبقاً، مسقطاً القلم في طريقه في كل مرة، ويكرر هذا الفعل 10 مرات، حيث تقوم الكاميرات المزود بها بالتقاط الصور، وبالتعاون مع برنامج كمبيوتر خاص بالاحتمالات فإن الروبوت يتعلم أن يربط القلم الساقط بالمخبأ، أما الروبوت الآخر المطالب بالاختباء فقد تم تدريبه على المهارة ذاتها، لكن أضيف إليه مهارة أخرى، وهي إعطاء إشارة مضللة.

في 15 مرة من أصل 20 مرة تمت فيها اللعبة لم يفلح الروبوت الباحث في إيجاد الروبوت المختبئ، ولكن العديد من الباحثين يقولون إن هذا الأمر غير مفاجئ، نظراً لأن الروبوت المختبئ تمت برمجته على أنماط تفوق تلك التي تمت برمجة الروبوت الباحث على أساسها، وتقول «سارا ميتري».

وهي عالمة أحياء وأخصائية أيضاً بعلم تطوير الإنسان الآلي في جامعة هارفرد الأميركية إن ما جرى، على ما يبدو، كان اختباراً للذكاء الاجتماعي لمصمم تلك التجربة، لا للروبوتات نفسها، وأوضحت أن الروبوت في تجربة واغنر وآركين كان شبيهاً بدمية يتم تحريكها بخيطان، وأنها لم تكن تفكر كما يفكر الأطفال في الرابعة أو الخامسة من العمر.

في عام 2009 شاركت ميتري مع فريق من معهد التكنولوجيا الاتحادي السويسري في لوزان بتطوير روبوتات تقوم بتثبيط روبوتات أخرى ونهيها عن الاقتراب من أطعمة معينة، دون برمجتها على فعل ذلك، ويقر واغنر إن روبوتاته مبرمجة سلفاً لفعل ما فعلته، لكنه يصر على القول إن كل روبوت من تلك الروبوتات يتعلم بشكل مستقل عن الروبوتات الأخرى، ويوضح ذلك بالقول: «إن الروبوت يتعلم كيف تؤثر حركته على الأقلام، وكيف يحفزه ذلك على مخادعة الروبوتات الأخرى».

ويوافقه في هذا «راؤول آراباليس»، خبير الوعي الآلي في جامعة كارلوس الثالث في العاصمة الإسبانية مدريد، معتبراً أن تلك التجربة تجسيد لقدرة الروبوتات على ممارسة الذكاء الاجتماعي، لكنه يرى أن نقطة الضعف في تلك الروبوتات هي أنها لا تزال غير قادرة على ممارسة ذكاء مماثل، في تجارب أخرى دون برمجة مسبقة.