أنت في مكان ضيق، لا تستطيع فيه النوم، ولا يخلو من الضوضاء، غير مسموح لك أن تفتح النافذة أو تخرج من الباب، أما دخول الخلاء فمشكلة المشكلات، فالرائحة كريهة، والمكان ضيق، ولا خصوصية هناك في أي نشاط تمارسه فأنت تعيش مع مجموعة من أناس لم تخترهم.
ولا تعلم شيئاً عن أمزجتهم واحتياجياتهم، وفوق كل هذا عليك عدم التذمر والشكوى أو الاصطدام مع الآخرين، فالمكان ضيق للغاية، ولا يتسع للخلاف، كما أن رؤسائك يشترطون عليك السرية والتحفظ التام والامتناع عن إفشاء أي معلومات، وبعد كل هذا الضنك ستتلقى أجراً قليلاً.
هذه هي حال ستة رجال أقاموا في «محاكي سطح المريخ» لتجربة تشبيهية لرحلة ذهاباً وإياباً إلى المريخ، يطلق عليها العلماء الروس «مارس 500»، والرقم 500 يمثل عدد الأيام التي تحتاجها الرحلة المستقبلية إلى المريخ مع قضاء أربعة أشهر فوق سطحه.
تكتم شديد
وجرت تجربة المحاكاة في «معهد مشكلات الطب الحيوي» في موسكو، وهي مؤسسة أبحاث الطب الفضائي الرئيسة في روسيا، وقد دفعت السلطات الروسية مبلغ 12400 جنيه إسترليني لكل واحد من المتطوعين، المتحمسين بشدة ليكونوا رواد فضاء حقيقيين في المستقبل.
وهذا ما كان يدفعهم لالتزام الصبر في التعامل داخل الكبسولة الفضائية التشبيهية، طوال الفترة التي قضوها في الداخل، وعندما خرجوا من الكبسولة بدؤوا بالابتسام لوسائل الإعلام والتلويح بأيديهم، وهو أمر اعتادوه طوال الأشهر الثلاثة الماضية، حيث كانت الكاميرات تراقبهم ليلاً ونهاراً، وذلك أثناء الفترة التدريبية التي تمهد لتجربة المحاكاة الرئيسة التي انطلقت في يونيو الماضي وستستمر لمدة 500 يوم.
في المؤتمر الصحافي الذي تلا تجربة المحاكاة الصغرى، لم يدل أي من المتطوعين لوسائل الإعلام بأية تصريحات حول أية توترات أو خلافات نشبت بين أعضاء الفريق، أو أي أمر يدل على عدم التأقلم النفسي والفيزيولوجي.
ويعتبر التكتم دأب «معهد مشكلات الطب الحيوي» منذ فترة طويلة في كل تجارب المحاكاة التي يجريها. السبب الآخر الذي منع «سيرجي رايازينسكي»، قائد فريق المتطوعين داخل الكبسولة الفضائية من الإفشاء بأي خلل حدث داخل الكبسولة هو أنه كان قد وقع على اتفاقية شرف بهذا الشأن، فوكالات الفضاء يهمها جداً أن تعلم ما الذي يجري داخل تلك الـ «صناديق» المقفلة.
لكنها في الوقت نفسه تحذر من أن يعلم الناس بذلك، لأنه إذا علم الناس مدى المخاطرة والصعوبات التي يواجهها رواد الفضاء، فسيبدؤون بالضغط على وكالات الفضاء للتوقف عن أبحاثها الفضائية، كما أنها تحاول أن تقدم أفضل صورة، حتى لا تحرم نفسها من التمويل والتبرعات.
وفي حالات نادرة تتسرب الأخبار، كما حدث في تجربة محاكاة قام بها المعهد في عام 1999، حيث تناقلت الصحف تقارير وأخبار عن حدوث حالات تحرش جنسي داخل كبسولة المحاكاة، لهذا تم تدريب الطاقم الحالي على كيفية التعامل مع وسائل الإعلام، وسبل ضبط النفس، خاصة أن المهارات الحياتية اليومية قد لا تكون نافعة داخل تجارب المحاكاة، فتلك عالم آخر له قيمه ونظمه المختلفة.
ونستذكر معاً في هذا الصدد القصة الشهيرة التي جرت في مارس عام 1965 عندما قام رائد الفضاء «والي شيرا» بشراء ساندويتش من اللحم، وأقنع زميله «جون ينغ» باصطحابه معه خلسة في الرحلة الفضائية في كبسولة الفضاء «جيمني 3» لمفاجأة زميلهما الثالث «غس غريسوم» به، وكما هو معروف، فالساندويتشات ممنوعة بتاتاً في الفضاء.
تلك الحادثة البسيطة أدت بأعضاء الكونغرس الأميركي للضغط على الحكومة الأميركية لتقليص الدعم المخصص لوكالة الفضاء الأميركية «ناسا»، البالغة خمسة مليارات دولار، بنسبة النصف، ولم يكن الأمر متعلقاً بساندويتش فقط، إنما اعتبر الكونغرس ذلك خرقاً خطيراً، فمن ينجح في تهريب ساندويتش يمكنه تهريب أي شيء.
ويشترط بالطعام في الرحلات الفضائية أن يكون خفيف الوزن، فكل رطل زائد من الوزن يكلف «ناسا» آلاف الدولارات من الوقود لحمله حتى الوصول إلى المدار، لهذا فإن حجم كبسولة الفضاء «جيمني3» لم يكن يتعد حجم بطن سيارة رياضية صغيرة، وبسبب التشديدات في الحجم والوزن كان على الشركات المتخصصة في تكنولوجيا الأطعمة أن تصنع معلبات تحتوي على أكبر قدر ممكن من الطاقة ضمن أقل حيز ممكن.
مخاطر حقيقية
إنه عالم آخر تختلف فيه الموازين تماماً عن عالمنا العادي، فالتقيؤ داخل الخوذة الفضائية أثناء أداء مهمة سير في الفضاء قد يؤدي إلى مقتل رائد الفضاء، لهذا فالرحلات الفضائية الطويلة، مثل تلك التي تخطط روسيا لإرسالها إلى المريخ في المستقبل، تحتاج لمثل ذلك الحذر والاهتمام.
إعداد ـ يوسف جباعته
