تتواصل «البيان» أسبوعياً مع قرائها عبر رحلة مع نخبة من المستشرقين، المتميزين بمكانتهم العلمية الرفيعة، وروحيتهم الموضوعية المنصفة، في إضاءة فضل العرب والمسلمين، بكنوزهم المعرفية في الطب والكيمياء والرياضيات والفيزياء والآداب، على نهضة الحضارة الأوروبية والغربية، الممتدة من قلب الأندلس غرباً، إلى تخوم الصين شرقاً، حيث أسهموا في إطلاق عصر النهضة، وتطور علوم البشرية في العصر الحديث.
هذه الشهادات الموثقة لهؤلاء المستشرقين المنحدرين من قارات العالم الخمس، بمؤلفاتهم وترجماتهم وسيرهم، تؤرّخ لعلومنا وآدابنا، وتنير الجسر الرابط بين ماضينا وحاضرنا.المستشرق الفرنسي إيفارسْت ليفي بروفنسال غاص في المخطوطات العربية سنوات طويلة. كان قريباً من السلطة في زمانه.. فاشترك في الحرب، وعمل في المغرب ضابطا في الشئون الإسلامية وقسم وقته بين الرباط والجزائر لاحقا، وتحديدا في عام1928، ليعمل أستاذا في البلدين.. ثم عمل بجامعة السوربون بعد ذلك ونال أوسمة ونياشين رفيعة. وأصبح عضواً في المجمعين العلميين في دمشق والقاهرة. وعمل على تصنيف المخطوطات العربية في خزانة الرباط.
وقد استهوته الدراسات الشرقية ـ بحكم المولد والنشأة ـ حيث ولد في الجزائر. وتخصص في الدراسة السوسيولوجية لهذه المناطق التي عاش فيها شاباً.
وكتب رسالته الدكتوراه موضوعها «مؤرخو الشرفاء»، وهي عبارة عن دراسة للأدب التاريخي والسير في المغرب الأقصى من القرن السادس عشر إلى القرن العشرين. وتقع هذه الدراسة في 470 صفحة، ونشرها في باريس سنة 1922 حيث تحدث ليفي بروفنسال في كتابه هذا عن نهضة المغرب من الوجهة الأدبية، فمن الغريب أن لا نجد مثل هذه النهضة في العلوم الطبية. وممن نبغ من الأطباء في ذلك العصر.
وقد أصدر مجلة «أرابيكا» للدراسات العربية ونشر فيها نصوصاً مقتبسة من كتاب «المقتبس» لابن حيان مع ترجمة فرنسية لها، وذلك في الجزء الأول الصادر عام 1954.
وتنقل بروفنسال في مناصب أكاديمية وبحثية عديدة في باريس، فيذكر تاريخه أن وزير التربية الفرنسي ألحقه للعمل في ديوان الوزارة في عام1945، وعينه بعد ذلك أستاذا للغة العربية والحضارة الإسلامية بجامعة باريس، وشغل منصب وكيل معهد الدراسات السامية في الجامعة.
عمل مديرا للمطبعة الفرنسية لدائرة المعارف الإسلامية في عام1939. كان ليفي بروفنسال مستشرقا معتدلا، وترك لنا آثارا عديدة ومتنوعة، منها: تاريخ الأندلس الإسلامية وإعادة قراءة طوق الحمامة لابن حزم، والإسلام والبحر المتوسط، وإسلام الغرب:
دراسات في تاريخ العصر الوسيط، وتأسيس فاس، ووصف جديد لمنارة الإسكندرية، وغرناطة المسلمة، وتقويم للسير الأندلسية في القرن الثالث عشر. وتاريخ الموحدين، والحضارة العربية في إسبانيا.
بروفنسال وابن خلدون
كان المستشرق بروفنسال من أشد المعجبين بابن خلدون، وقد قال فيه «إن صفات العبقرية عند صاحب المقدمة تتجلى في كونه أحرز السبق في مجالات المعارف الإنسانية؛ مما جعله يثير نزعة المعاصرين له من المؤرخين، حيث حدد لنفسه مكانته الخاصة المرموقة في مصاف العظماء، ذلك أن منهجيته في فن التاريخ تعكس نظرة مطلقة أهّلته لإدراك حقيقته الخفية ومعناه البعيد.
وفي الوقت الذي ارتقى فيه الفكر الخلدوني إلى مستوى عال في فلسفة التاريخ، عكف بعض المؤرخين أمثال الطبري والمسعودي وابن الأثير وغيرهم على دراسة التاريخ على أساس أنه سجل للحوادث والوثائق، وهكذا يتجلى الفرق في الاجتهاد الخلدوني الذي انصبّ على اعتبار التاريخ كموضوع له صلة جوهرية بأعمال البشر ونشاطاتهم وأوضاعهم وأحوالهم في حياتهم واجتماعاتهم».
إحياء تراث الغرب الإسلامي
وجهّته وزارة التعليم الفرنسية إلى مكتبة الإسكوريال سنة 1923، وكلفته بوضع قائمة بالمخطوطات، والتي تعود في معظمها إلى خزانة السلطان زيدان التي كان قد استولى عليها الأسبان في عرض البحر، فمكنه عمله هذا من الاتصال بعدد كبير من المستشرقين الأسبان، ومعرفة ما نشروه من دراسات، إضافة إلى العثور على مخطوطات قيِّمة.
ومن أهم الكتب التي قام بتحقيقها «البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب» لابن عذاري الماركشي يعتبر من أهم مصادر تاريخ الغرب الإسلامي، لما يتضمنه من معلومات ذات قيمة تاريخية، ولم تصل إلينا مثل كتاب الرقيق القيرواني والوراق وغيرهما.
ولهذا السبب جاء الكتاب حافلاً بمعلومات تاريخية وجغرافية قيمة ينفرد بها عن غيره من المؤرخين، والشيء نفسه يمكن قوله بخصوص كتاب لسان الدين بن الخطيب الموسوم ب«أعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام» .
والذي هو عبارة عن تاريخ عام للأندلس من الفتح الإسلامي حتى عصر المؤلف، أي حتى القرن الثامن الهجري. وقد أضاف إليه ابن الخطيب جزءاً مختصراً لتاريخ الممالك المسيحية مثل قشتالة وأرغون والبرتغال. وبذلك فهو يعتبر أول تاريخ شامل لبلاد الأندلس. وهذا ما يؤكد عليه كل من عبد القادر بوباية ونجيب العقيقي اللذان اعتمدنا على تقييماتهما.
وصف الأندلس
كما أن كتاب «وصف الأندلس» لأحمد الرازي يكتسي أهمية خاصة. ذلك بأن هذا المؤلف يعتبر أول وصف جغرافي لشبه جزيرة إيبيريا، ولذلك يعتمد عليه كل الجغرافيين الذين جاءوا بعده مثل الحميري وأبي عبيد البكري وغيرهم.
ويعتبر كتاب «الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة» الذي شارك بروفنسال ضمن لجنة الترجمة والنشر في تحقيق أجزاء منه، موسوعة أدبية وتاريخية تضمنت تراث القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، وهي الفترة العلمية المزدهرة التي جمعت بين عصري الخلافة الأموية وعصر ملوك الطوائف.
وقام أيضاً من خلال الفهارس التي وضعها لمكتبات هامة مثل الخزانة العامة بالرباط، ومكتبة الإسكوريال بمدريد حيث جرد فيها أسماء المصادر الموجودة.
وعن علاقة الإسلام بالمسيحية في الأندلس، يقول» ما من مكان كانت العلاقات الدائمة ضرورية فيه بين الإسلام والمسيحية، أكثر منها في أسبانيا العربية، فإن معظم سكانها قد احتفظوا، على الأقل في القرن الأول من حكم الإسلام، بالديانة القديمة، حتى عقب اعتناق أعداد غفيرة من الرعايا النصارى أهل الذمة للإسلام للاستفادة من نظام مالي أفضل، بقيت نسبة ضخمة من الرعايا المسيحيين تشكل في المدن الأندلسية وحدات مزدهرة، لها كنائسها وأديرتها ورئيسها المسؤول وجابيها الخاص وقاضيها الذي يطبق في محكمته، تحت إشراف الإدارة الأموية، القانون القوطي القديم أما الاضطهادات التي عانتها فقد كان يسببها دومًا مسيحيون متهوّسون يرفضون أن يتراجعوا عن القدح في معتقد سادة البلاد.
وكان أمراء الأندلس وخلفاؤها يقرون بصورة دائمة تقريبًا اختيار أصحاب الرتب الكهنوتية: مطران طليطلة وأسقف قرطبة.
حتى إنهم كانوا يستعملون هؤلاء الأحبار في سفارات أو مهمات سياسية سرية في الوقت المناسب.
فلم تكن رؤية الإكليريكيين الأسبان يتضلعون في معرفة اللغة العربية وآدابها من الأمور النادرة مطلقًا. وهذا ما يجعلنا نفترض وجود اختلاط ودّي، واثق ومتصل بين مختلف عناصر السكان». .
شاكر نوري

