في الإمارات؛ أشياء كثيرة مرتبطة بتفاصيل تبعث على أصالة الزمان والمكان، وفي مدنها الحديثة معالم عصرية عديدة لا تحصى ولا تهمل وهي تتحدث بلغة العالم وتبرز فوق كل جديد ومبهر..
وفي لغة البر والصحراء التي لا تزال إلى اليوم تشكل جزءاً من ثقافة شعب الإمارات، فإن الوقت قد حان نسبياً للظفر بمقاعد رملية فوق تلال وهضاب تنحني أمامها أشجار السدر والغاف.مواطنون ومقيمون على أرض الدولة يجمعون أن شتاء الإمارات الذي ينتظره الجميع خلال الأسابيع القليلة المقبلة، يعد الأفضل من حيث جودة الطقس وليونته واعتداله على مستوى العالم أكمل، ففيه مختلف مقومات المتعة والترفيه والانسجام، حيث تجد آلاف العائلات المواطنة والمقيمة تنثر أحلامها الشتوية في فضاء الصحراء والبر والطبيعة الخلابة، التي لا يرفض إماراتي صغيراً كان أم كبيراً عيشها لأطول وقت ممكن.
في البر يبحث الشباب والعائلات الإماراتية والمقيمة أيضاً، عن متعة لا تتقن إجادتها المدن الحديثة والمتطورة، وقبيل شتاء كل عام يتأهب الجميع للسير في الممرات الرملية التي تقود إلى عوالم إضافية تخفيها الصحراء، فيها المفيد والممتع والمسلي والمثير حتماً.. ولعل أبرز ما في البر من وإيجابيات، تكمن في قدرته على استعادة تجمعات العائلات والأصدقاء، وتأصيل الروابط النفسية والاجتماعية بين أبناء العائلة والأسرة أو حتى لدى أصدقاء «الفريج» والطفولة، وتلك الملامح تحفظها الصحراء لمن أخلص في حبها وأولاها اهتمامه الأصيل.
الشتاء الأفضل
في هذا الصدد يقول حسن جابر علي، وهو أحد الشباب الإماراتيين الذي يكنون للصحراء حباً وفياً، إن أجمل ما يميز شتاء الإمارات وجود أفق متسع من البر وما يرافقه من متعة ترتسم على وجوه كل يأتيه، وشتاء الإمارات هو الأجمل والأفضل على مستوى العالم، مشيراً إلى أنه ينتظر هذا الموسم من كل عام بكثير من الأحلام والطموحات التي يود أن يرسمها فوق تلال الرمل الصحراوي اللطيف، لا سيما مع العائلة والأبناء أو ضمن تجمعات الأصدقاء والربع.
منذ الصباح وحتى المساء، يمضي حسن أروع الأوقات برفقة البر ومرادفاته الممتعة، ولا يتوانى في البقاء خيمة الأصدقاء لأوقات متأخرة من الليل، مثلما أنه يهتم بتجمعات الأسرة والعائلة والأطفال، التي لا تخلو يوماً من المثير والمعبر، لافتاً إلى أنه يجد في البر خياراً أوسع لقضاء إجازاته الأسبوعية وأيام المناسبات والأعياد، ففي مدينة العين تزهو المبزرة الخضراء.
وباتجاه رأس الخيمة حيث شارع الإمارات تكثر الأشجار وترتسم الخضرة فوق التلال الرملية الساطعة، وكذلك الأمر بالنسبة للفجيرة وخورفكان والكثير من المناطق الجميلة سواها، وهي حتماً تظل محطات مهمة في قاموس الخروج إلى البر الذي يحفظه عن ظهر قلب حسن جابر والكثير من الإماراتيين سواه.
تقارب أسري
أهم ما يحفظه البر لمن يأتيه قاصداً المتعة والتسلية، هي تلك الأجواء الأسرية والاجتماعية الحميمة، حيث تجد العائلات في نشاط وحيوية دائمة طوال فصل الشتاء، ويبقى التقارب بين أفرادها العنوان الأبرز للرحلات البرية المتواصلة على امتداد شهور لطيفة من العام.
كما يؤكد جابر، مضيفاً أن كثيرين يتخلون عن ضائقة العمل والوظيفة وحتى الموبايل من أجل رسم ملامح جميلة في علاقتهم مع البر والطبيعة الخلابة التي لا يضاهيها جمال وهي تحتضن حبات من المطر تنساب فوق تلالها وهضابها المتراصة بانتظام.
محمد ناصر وهو مواطن من إمارة الشارقة، يبدو أكثر المتحمسين لجلاء ما تبقى من أيام قليلة تفصل بين البر وعشاقه، وهو يجد في الصحراء الممتدة كثيراً من الملامح الجميلة التي تبعث على الهدوء والسكينة والراحة النفسية، وأكثر من ذلك فالبر كما يجده ناصر يهذب الإنسان ويمنحه أفقاً واسعاً للتفكر بأسرار الطبيعة وبعظمة الخالق وبمتعة يجدها من كل اتجاه.
«راحة الراس»
في الماضي ظلت حياة الآباء والأجداد مرتبطة بتفاصيل صحراوية وطبيعية كثيرة، وذلك بحكم ظروف المعيشة، كما يوضح ناصر، أما اليوم فتجد أن الكثيرين منشغلين بوظائفهم وأعمالهم في المدينة، وعلى الرغم من ذلك، فهم وحينما ينتهون من التزاماتهم الوظيفية، يسرعون حتماً لقضاء أوقات ممتعة في البر، مؤكداً أنه شخصياً يفضل الخروج إلى البر في أيام كثيرة متعاقبة، وهو مرتبط بالصحراء بخيمة تجمعه مع العائلة أو الأصدقاء.
ويؤكد محمد ناصر أنه وخلال شهور الاعتدال الشتوي في الإمارات يحرص على المبيت في البر لأكثر من 30 يوماً متفرقة، وهو يجد متعة نفسية واجتماعية وحتى صحية وهو يمضي الساعات الطويلة في أحضان الطبيعة، مشدداً في الوقت ذاته على ضرورة المحافظة على نظافة البر والإبقاء على ملامح إبداعه زاهية كما وجدت، ومؤكداً أن من لم يحالفه الحظ في الخروج إلى البر فهو حتماً يخسر ملامح إيجابية كثيرة، مثل الهدوء والطمأنينة والصحة، وأكثر من ذلك «راحة الراس».
البحر شمال
وفي اتجاه آخر يقول راشد المشوي إنه أحد أبناء الساحل، وهو يقطن في منطقة الخان على مقربة من شواطئ الشارقة، ويجد في البحر متعة دائمة طالما أنه رافق طفولته مبكراً، إلا أن فترة الشتاء القريبة ربما تحرمه من الدخول إلى البحر نسبياً والسبب كما يقول «البحر شمال» في القاموس المحلي لأهل الإمارات، وذلك يعني وجود رياح قوية تهدد سلامة من في البحر، وحتماً سيكون البر خيارهم الأسلم.
في البر الذي لا يضيق يوماً على كل من يأتيه، يجد المشوي أجواء أخوة وصداقة مثالية لا يمل البقاء فيها أبداً، طالما أن جميع إخوانه وغالب أصدقائه يعشقون الساعات التي يتقاسمونها في فضاء الصحراء الواسع، لذلك فهم جميعاً ينتظرون ما تبقى من أيام قليلة تفصلهم عن الأجواء البرية اللطيفة، أملاً في استعادة متعة البر للسير في رحلات سفاري تحفر ملامحها سيارات الدفع الرباعي أو التخييم برفقة الأصدقاء والسهر لساعات متأخرة من الليل، أو مشاركة الأهل والأصدقاء في حفلات شواء جماعية لا تخلو من المفارقات والمواقف الطريفة.
ويتوقع المشوي أن أكثر من 90% من الإماراتيين لا يفوتون على أنفسهم متعة الوقت مع بهاء الصحراء وأسرار البر، فيما القلة القليلة منهم يتشبثون في حدود البحر، ويرفهون عن أنفسهم في إطار الحدائق العامة أو السكنية المنتشرة في جميع إمارات الدولة، أما المراكز التجارية.
فهي حتماً تفقد أكثر الأعداد من زبائنها خلال الشتاء، وتقل حركة الشباب المواطنين باتجاهها إلى أكثر من النصف، ولا تبقى في مفكرتهم الترفيهية سوى السينما، في حين يحرص الجميع على الانكشاف على جمال السماء بغيومها وأمطارها وليونة نسماتها المنتظرة.
حجوزات مبكرة لعزب الصحراء
فيما تجد الكثير من الأسر والعائلات في إمارات الدولة المختلفة متعتها الشتوية في أحضان الطبيعة والصحراء الممتدة، تمكن مروان عبدالله المعلا واثنين من أصدقائه، من رسم ما تشتيه الذاكرة الإماراتية وترجمته على شكل مشروع سياحي تراثي، فأوجدوا ما أسموه مخيم الشمس المشرقة» الذي يأتي على شكل عزب وخيم تلبي الخصوصية الإماراتية في أحضان الطبيعة.
عمر أحمد العمرني، المشرف على المشروع، يؤكد أن الموسم الشتوي الذي لم يتبق على حضوره سوى أيام قليلة، يعد الأفضل من حيث نسبة الإقبال على أقسام المخيم المختلفة من عزب «في آي بي» أو خيم خاصة أو أخرى عادية، مشيراً إلى أن الغالبية العظمى من مستأجري العزب هم من الإماراتيين أهل العشق والوفاء للبر والصحراء، لا سيما وأن العزب المتوفرة تلبي رغبات المواطنين من حيث الخصوصية والتراث والبيئة الإماراتية الخالصة.
ويؤكد أن عدداً من العائلات الإماراتية بدأت منذ أكثر من أسبوعين بحجز مواقع لها فوق تلال الصحراء من أجل تمكين أفراد العائلة من الاستمتاع بأجواء البر التي توفرها العزب الجاهزة ولا سيما خلال أيام الأعياد ونهاية الأسبوع.
دبي ـ عنان كتانة


