على الرغم من الإصابة المتأخرة نوعاً ما، وعلى الرغم من وجود مشكلات صحية متنوعة تزامنت مع الإعاقة، ومع الفترة الطويلة التي رافقت رحلة العلاج، إلا أن ثريا الزعابي لم تستسلم للمرض أو الإعاقة، وقررت أن تمضي في الطريق الذي رسمته لنفسها بغض النظر عن المشكلات والمعوقات التي تقف في طريقها.

وثريا الزعابي من مواليد دبي، ترتيبها الثالث بين مجموعة من الأشقاء عددهم 8, نشأت منذ الصغر على الحياة الصحية، وتعي أهمية ممارسة الرياضة بصفة يومية حتى قبل الإعاقة، تحرص على أداء العبادات وتسلم أمرها لمن خلقها، ولكن لا تتنازل عن حقها الطبيعي في العيش كأي فتاة في مثل سنها.

وثريا لم تكن جديدة على مجال الرياضة بعد إصابتها بالإعاقة وهي في ريعان الشباب حيث كانت في العشرينات من العمر، وكانت إعاقتها ناتجة عن انقطاع التروية الدموية لجزء من المخ، وهي إحدى الحالات التي يصفها الأطباء بأنها واحدة من الصور العنيفة لجلطة المخ، أتلف ذلك الانقطاع في الشريان جزءاً من الدماغ وأدى إلى شلل بالجانب الأيسر من الجسم، مما استلزم إيداعها في أقسام العناية المركزة لفترات محددة.

ولكن اعتبرت ثريا أن ذلك هو البداية، وبحثت عن العلاج واستقر بها الأمر في نادي دبي للرياضات الخاصة، حيث انضمت إليه لأول مرة بغرض استكمال العلاج الطبيعي الذي قرره الأطباء، وهناك شاهدت الفتيات يحملن الكؤوس والميداليات ويحققن إنجازات رياضية لأنفسهن وللإمارات.

وكانت تلك هي البداية، وعندما سألت المدربات عن إنجازاتهن وأنواع إعاقاتهن عرفت أنهن من الصم والبكم، واستشارت مسؤولي الأنشطة في النادي عن إمكانية مشاركاتها في الأنشطة الرياضية فشجعوها على ذلك وأكدوا لها أنها سوف تنجح إذا كانت لديها إرادة لتحقيق ذلك وسعت باجتهاد لتحصل عليه.. وقد كان.

مراكز متقدمة

تضيف ثريا أنها قررت المنافسة في الجانب الرياضي خاصة وأنها شاركت في أيام الطفولة في بطولات محلية عديدة من خلال منطقة دبي التعليمية، وحصلت على مراكز متقدمة في مجال الجري وفي كرتي السلة والطائرة، وحصلت على لقب العداءة المثالية، كما حققت المركز الأول في المسافات الطويلة، وتجدد حلمها في نادي دبي للرياضات الخاصة لتصبح واحدة من بطلات الرياضة المعاقات في الإمارات.

والبطلة الإماراتية لم تستسلم للمرض، فقد قررت المقاومة وتحويل المشكلة إلى دافع قوي يدفعها باتجاه النجاح والنجومية، ولم تنس واجبها الاجتماعي ومسؤولياتها تجاه أفراد أسرتها حيث أنها زوجة وأم لأربعة أبناء، وفي نفس الوقت نجحت في تمثيل الإمارات كبطلة رياضية في المحافل الدولية.

وقالت ثريا إنها تلقت تعليمها الإعدادي والثانوي في دبي في مدرستي سكينة بنت الحسين وأم هانى، واهتمت خلال هذه المرحلة من حياتها برياضة الجري وانتقلت إلى الاهتمام بالرياضة التي تتناسب مع نوع الإعاقة التي أصيبت بها.

وتضيف ثريا الزعابي أن اختيار لعبة رمي الجلة والقرص والرمح كان من اختيار مدربة نادي دبي للرياضات الخاصة، وكانت تشعر بمستواها يتقدم في التدريبات عندما يصل الرمح في كل رمية إلى نقطة أبعد من سابقتها، وتؤكد أن التشجيع المعنوي من جانب المدربة والمسؤولين في النادي كان له أثر إيجابي على تقدم مستواها الفني خلال فترة قصيرة.

رمي الرمح

وتشير ثريا إلى أن أول مرة مارست فيها رمي المرح سجلت 9 أمتار، وكنت أعتبره رقماً رائعاً بالقياس إلى كوني مبتدئة، ولكن بعد التدريب المكثف والإعداد المبني على أسس علمية مدروسة من جانب المدربة، استطعت التفوق في اللعبة على المستويين المحلي والعالمي.

وتضيف الزعابي أن الإرادة القوية ساعدتها على الوصول إلى الرقم التأهيلي، حيث استطاعت تحطيم الرقم الأسيوي المسجل سابقاً في هذه اللعبة، كما كانت هي المؤهلة الوحيدة من الإمارات التي شاركت في أولمبياد بكين التي أقيمت في الصين عام 2008 في لعبة رمي الرمح، وتضيف أنها تذكرت أول رقم حققته في رمي الرمح وهو 9 أمتار بعدما حققت الرقم الجديد لها وهو 14 متراً.

وتعتبر أن المسافة ما بين الرقمين امتلأت بالعديد من القصص والمواقف والصبر والجهاد والتدريب الشاق، والتحدي للذات والرغبة في التفوق والذكريات الجميلة، كما تذكر الزعابي أيضاً أن المسافة ما بين الرقمين أيضاً تضم الرعاية الكاملة من الأجهزة الرياضية المسؤولة عن رياضات المعاقين في الإمارات، خاصة نادي دبي للرياضات الخاصة ونادي الثقة للمعاقين.

وأيضاً تذكر ثريا الزعابي أن تحقيق الرقم كان وليد مجهود مضاعف من أجهزة التدريب والرعاية الطبية في نادي الثقة للمعاقين، وتقول ان جزءاً من اهتمام الأندية بتدريبها على لعبة رمي الرمح كان إيفادها للتدريب في أوروبا وجمهورية التشيك.

حيث أتيحت لها الفرصة للتدريب على أيد مدربات محترفات حاصلات على شهادات عليا معتمدة في التدريب، والمعروف أن لعبة رمي الرمح تلقب بلقب «عروس الألعاب»، وهذه التفاصيل كان يهتم بها مدير نادي دبي للرياضات الخاصة ثاني جمعة بالرقاد بنفسه.

وحصلت ثريا الزعابي كما تقول على تكريم الشيخ محمد بن صقر القاسمي رئيس مجلس إدارة نادي الثقة للمعاقين بالشارقة، والشيخة جميلة بنت محمد القاسمي مدير عام مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية التي لها الكثير من الفضل، خاصة حرصها على تشجيعها وتكريمها بعد حصولها على البطولات.

وتضيف الزعابي أن قائمة أصحاب الفضل في تأهيلها إلى الحصول على البطولات الدولية هي قائمة كبيرة وتضم العديد من الأسماء، وفي مقدمة هذه الأسماء طارق بن خادم رئيس مجلس إدارة نادي الثقة، وعيسى أمين سر النادي وكلثم عبيد قائدتنا ومجلس الشارقة الرياضي لهم كل التقدير والشكر.

وتعلل ثريا الزعابي اختيار هذا النوع من الرياضة بالتحديد بأنها لاحظت غياب الفتيات الإماراتيات عن الساحة في هذه اللعبة، علاوة على أسباب تتعلق بطبيعة الإعاقة، وعلى الرغم من أن اختيارها قوبل بالاستغراب والاستهجان، إلا أنها أصرت عليه لثقتها في أنها تستطيع تحقيق ذاتها فيه، وأعادت سبب عزوف الفتيات عن الإقبال على هذه اللعبة إلى كونها من اللعبات العنيفة التي تتطلب الكثير من المجهود في التدريب.

وكذلك تتطلب الكثير من الإعداد للبطولات، علاوة على وجود منافسات شرسات في اللعبة على الصعيد الدولي، مما يتطلب الوصول إلى مستوى عال لمواجهة الأرقام المرتفعة التي تنافس عليها هذه البطلات العالميات.

تذكر الزعابي مشاركتها في بطولة ألمانيا وكانت بالطبع ترتدي الحجاب، وسئلت عدة مرات عن سبب تغطيتها لرأسها بهذا الشكل على الرغم من كونها بطلة رياضية عالمية، وكانت تجيب بأنها مسلمة وترتدي الزي الإسلامي الذي يأمرنا به ديننا الحنيف، وهي فخورة بذلك وترغب في تغيير نظرة الغرب السلبية عن الدين الإسلامي، حيث يعتقدون أن المرأة المسلمة لا تغادر بيتها ولا تمارس أية أنشطة ولا ترغب في تحقيق أية بطولات أو أرقام مميزة، لا في الرياضة ولا في غيرها.

انجازات مشرفة

حققت ثريا الزعابي خلال مشاركاتها في البطولات التي أقيمت في دول مجلس التعاون الخليجي عدداً من الإنجازات الرياضية، هذه الإنجازات تتمثل في فوزها بالمركز الأول والميدالية الذهبية في لعبة القرص في بطولة الشارقة التي أقيمت في إبريل من العام 2005, كما حصلت على المركز الأول والميدالية الذهبية في الرمح في نفس البطولة، وحققت المركز الثاني والميدالية الفضية في رمي الجلة أيضاً في هذه البطولة.

وفي بطولة دبي التي أقيمت في مارس عام 2006 حصلت على المركز الأول في رمي القرص والميدالية الذهبية في الرمح، وأيضاً المركز الأول في الجلة.

وفي العام التالي حصلت على الميدالية الذهبية في الرمح خلال البطولة التي أقيمت في الدوحة، كما حصلت على الميدالية الذهبية أيضاً في رمي الجلة في نفس البطولة.

كما حصلت على الميدالية الذهبية في رمي الرمح في البطولة الدولية لألعاب القوى التي أقيمت في هولندا، كما حققت الميدالية البرونزية في رمي الجلة وكسرت الرقم السابق المسجل باسمها، أيضاً شاركت ثريا الزعابي في بطولة العالم التي أقيمت في جمهورية التشيك وتمكنت من كسر الرقم الأسيوي السابق وحققت رقماً جديداً.

دبي ـ أيمن حجازي