(الفن في العراق اليوم - الجزء الأول)، عنوان المعرض التشكيلي الذي شارك فيه ثلاثة فنانين عراقيين مقيمين في المهجر ، وهم مضير أحمد المقيم في السويد ونديم كوفي المقيم في هولندا، وهناء ملاح المقيمة في المملكة المتحدة.

وجمع المعرض الذي افتتح مساء أول من في مقر غاليري (ميم) بمنطقة القوز، بين الفن التجريدي والوسائط البصرية إلى جانب التصوير الفوتوغرافي.

الشيق في هذا المعرض الذي يستمر حتى 11 نوفمبر المقبل، أن أعمال كل فنان من المشاركين تنسج حكايتها الخاصة. وحكاية هناء ملاح تبدأ من الماضي الذي حملها إلى ترجمة فنها بأسلوب فني اعتمدت فيه على ترجمة نتاج زمن عاشته في بغداد قبل اغترابها. وتمثل هذا النتاج في خمس لوحات اعتمدت في تنفيذها على القماش الخام المحروق والرسم عبر الحياكة.

ونسيج لوحاتها يستوقف المشاهد بجمالياته التي تتيح له مساحات واسعة لاستقراء معان تجمع بين الشخصي والعام، كما في لوحتها التي احتلت مساحة جدار بأكمله (مترين بأربعة أمتار) .

حيث تتراكب قصاصات قماش الخام المحروقة الأطراف فوق بعضها البعض لتشكل ما يشبه خريطة عالم كل ما فيه يحترق، وفي الوقت نفسه فإن نسيج قماش الخام القطني ودرجات اللون البني الناشئ عن احتراق كل قصاصة في اللوحة، يمنح المشاهد شعوراً بالألفة الداخلية والدفء والحنين إلى زمن مضى كان قماش الخام فيه جزءا من تفاصيل الحياة اليومية.

وبالانتقال إلى لوحاتها الأخرى يأخذ عنصر الخام تشكيلاً مختلفاً، من الكوادر الهندسية ذات الإيقاع المنضبط في تراص التصاقها وترتيب صفوفها لتخلق بعداً جمالياً جديداً باحتراقاتها المركزية، إلى تحول هذه المادة إلى خلفية حاكت عليها الفنانة بخيوطها العريضة ذات الإيقاع التشكيلي إطاراً لطائر (الهدهد) الذي تحدث عنه الشيخ فريد الدين العطار النيسابوري (1155-1230)م والذي يمثل رمزاً للحكمة.

والتقنيات التي استخدمتها الفنانة هناء (1958)م في أعمالها، لم تكن حباً بالتجديد والاختلاف، بل نتيجة مجموعة من العوامل التي بدأت ببحثها في الأنساق التجريدية كالهندسة الفراغية والأرقام والأحرف والفن، خلال مرحلة دراستها الأكاديمية في الفن حينما كانت تعيش في بغداد.

أما تعاملها مع عناصر مختلفة في تشكيل عملها الفني، فبدأ من خلال واقع الحصار الذي عاشته العراق سواء بعد الحرب الأولى مع إيران أو الثانية مع الكويت، حيث نفذت أدوات الفنانين من الأسواق، مما دفع بالفنانة والبقية إلى استنباط بدائل متنوعة .

كما حدث مع حركة الدادائيين (الوحشية) في سويسرا خلال الحرب العالمية الأولى، وبذا بات سطح لوحاتها حصاد لبقايا رصاص وشظايا ونثارة خشب ومعدن التقطت من شوارع بغداد، وسرعان ما تحول هذا التراكم إلى شهادة ودفتر مذكرات للحياة اليومية.

صورة واغتراب

في التصوير الفوتوغرافي قدم الفنان كوفي مشروعه الذي يترجم حالة اغتراب الإنسان والنفي القسري، من خلال الاعتماد على صور فوتوغرافية قديمة التقطها والده له ولأفراد من عائلته حينما لم يتجاوز عمر الفنان خمس سنوات.

ويشاهد الزائر صور أحمد الصغير مرة مع أخيه وأخرى مع شقيقته، ثم العائلة، وأخيراً مع الوالد. وترجم فكرته من خلال طباعة نسختين ضخمتين من كل صورة لتعرض كثنائيات.

حيث تُرى في النسخة الأولى صورته مع الآخرين، لتختفي أو ينتزع وجوده في النسخة الثانية من خلال المعالجة الرقمية للصورة الثانية التي يُترك فيها أي أثر لوجوده في المقابل، اختار الفنان أحمد الدمج بين الخط واللون والكولاج في لوحاته التي تجمع بين عفوية الطفولة والعبثية في خطوط شخوص متخيلة ومفككة، قريبة في أجوائها من الرسوم المتحركة.

دبي ـ رشا المالح