يعد البروفيسور، فيتالي نعومكن، من ألمع الوجوه في مدرسة الاستعراب الروسية المعاصرة، وباتفاق الجميع، من الذين يعرفونه، فإنه أفضل من يتحدث العربية من الأجانب في روسيا، وربما في العالم أجمع، ولديه العشرات من المؤلفات باللغة العربية، كتبها بنفسه دون الاستعانة حتى بمدققين لغويين من العرب.

وقد انتخب نعومكن في شهر مايو 2009، لمنصب رئيس معهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم الروسية، والمعروف باسم «معهد الاستشراق».وإن كان نعومكن لا يحب هذه التسمية ويشعر بحساسية خاصة تجاه مصطلح الاستشراق الذي يرى أنه مصطلح «سيئ السمعة»، لارتباطه بمخططات استعمارية سادت العالم في القرنين 19 و20، حيث كانت تستخدم العلوم لخدمة الحملات الاستعمارية في دول الشرق.ويعد معهد الدراسات الشرقية في روسيا من أعرق معاهد الاستشراق في العالم حيث تأسس عام 1821، وتوالى على رئاسته مشاهير الاستعراب والعلماء الروس، ومنهم رئيس الوزراء الأسبق «يفغيني بريماكوف».:تقدير كبير:واستحق نعومكن التقدير في روسيا، وفي العالم العربي بصورة خاصة، لتجاوبه مع الأحداث الآنية في منطقة الشرق الأوسط، بالإضافة إلى بحوثه ومؤلفاته العديدة حول قضايا العرب والإسلام، ولهذا غالباً ما نراه على شاشات التلفزيونات العربية، معلقاً على الأحداث الساخنة، أو متحدثاً في المؤتمرات والندوات الدولية التي تتناول قضايا العالمين العربي والإسلامي.«البيان» التقت البروفيسور فيتالي نعومكن، أثناء زيارته الأخيرة لدبي، حيث ناقشت معه مجموعة من القضايا والملفات الخاصة بالعلاقات العربية الروسية، والأوضاع الداخلية في روسيا، والنظرة إلى الإسلام والعرب في وقتنا الحالي.

بداية. ما سبب ودافع انجذابك للغة العربية والسعي لتعلمها وإتقانها إلى هذه الدرجة؟لقد أحببت اللغة العربية والأدب العربي منذ الصغر، وأنا في المدرسة، وجذبني لها طبيب مصري يدعى حمدي سلام جاء إلى روسيا للدراسة في عام 1924، وكان صديقاً لأبي، ورغم أنه كان شيوعياً إلا أنه سجن في روسيا في عهد ستالين، وظل صديقا للعائلة حتى رحل من روسيا في مطلع الستينات.حيث توفي في مصر عام 1966، وكان لحكاياته عن مصر وعن العرب والحضارة العربية والإسلامية، تأثير كبير علي في الصغر، جعلني أصمم على دراسة اللغة العربية، ولهذا التحقت في الستينات بمعهد اللغات الشرقية التابع لجامعة موسكو، حيث تخصصت في اللغة العربية وتاريخ البلدان العربية.:روسيا والإسلام:*بماذا تتميز مدرسة الاستشراق الروسية عن غيرها من المدارس الغربية؟*اهتمام روسيا بالشرق لم ينبع من توجهات سياسية أو استراتيجية بهدف السعي لغزو بلدان الشرق ونهب ثرواتها وتسخير شعوبها، مثلما حدث في اهتمام الغرب بالدراسات الشرقية، بل نبع الاهتمام بالشرق في روسيا من داخلها، ولهذا تاريخ طويل يعود للقرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين عندما كانت روسيا إمارات صغيرة متناثرة، أكبرها إمارة كييف عاصمة أوكرانيا الحالية.وكان الروس في معظمهم وثنيين بلا ديانة، ومع تشكل الدول كان البحث جاريا عن دين رسمي للبلاد، وكان الخيار بين المسيحية والإسلام، حيث كان هناك مبشرون للديانتين، المسلمون من الجنوب من بلاد العرب والفرس، والمسيحيون من بيزنطة، وكانت الجيوش العربية قد وصلت في العام 22 الهجري إلى داغستان على حدود روسيا.

وفي عام 922 الميلادي كان البلغار والتتار يعتنقون الإسلام وينتشرون بكثافة في جنوب روسيا الذي انصبغ منذ ذلك الحين وحتى الآن بالصبغة الإسلامية، وكاد الإسلام أن يتوسع وينتشر في كافة أنحاء روسيا لولا أن المسلمين ظلوا في الجنوب ولم يتوغلوا شمالاً في الجزء الأوروبي من روسيا، وكان هذا لأسباب غير معروفة حتى الآن.

وجاءت حملات التبشير المسيحية من بيزنطة لتنتشر في الشمال الغربي من روسيا، ومن هنا جاءت روسيا تاريخياً كمزيج من الديانتين، وانعكس هذا بشكل واضح في الآداب والثقافات والعادات والتقاليد الروسية، حيث تأثر المسيحيون الروس كثيراً بالإسلام والحضارة الإسلامية التي انعكست في أشكال العمارة وفنون الرسم وفي الأزياء وغيرها.

كما تداخلت اللغة الغربية مع اللغة الروسية، وكان هناك تنافس بين الديانتين استمر حتى الربع الأخير من القرن 18، حيث أعلنت الامبراطورة كاترينا الثانية قانون «التسامح الديني»، الذي نظم العلاقات بين الديانتين الرئيسيتين في روسيا: المسيحية والإسلام، ولهذا فإن الاهتمام بالشرق والعرب وتاريخهم، نابع في الواقع من بنية وتاريخ المجتمع الروسي نفسه، وكان دائماً بعيداً عن الأطماع الاستعمارية والأهداف السياسية.

كيف ترون روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي؟

أنا لا أتفق مع الكثيرين الذين يحّملون الرئيس الراحل بوريس يلتسين مسؤولية كل ما حدث في روسيا في فترة التسعينات، من تراجع وضعف وأزمات، لأن روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي كانت مستهدفة بشكل كبير من القوى الأجنبية التي كانت تسعى لتفكيكها إلى مقاطعات صغيرة، وقد لعب يلتسين.

رغم أخطائه وسلوكياته الشخصية، دوراً كبيراً في الحفاظ على وحدة روسيا، رغم فشله في النواحي الاقتصادية وفي السياسة الخارجية، وكان الخطأ الأكبر في برامج الخصخصة المكثفة التي رفعت يد الدولة عن الثروات الوطنية الهائلة وضربت قطاع الإنتاج، ووضعت معظم المؤسسات الاقتصادية في يد طغمة من الفاسدين وزعماء عصابات المافيا الذين كانوا معظمهم يعملون لصالح جهات أجنبية.

وقد أهملت الدولة آنذاك علاقاتها الخارجية بالدول الأخرى، مكتفية بالتوجه فقط نحو الغرب وواشنطن، وتراجعت العلاقات الروسية ؟ العربية بشكل ملحوظ، وجاء بعد يلتسين رئيساً وطنياً هو فلاديمير بوتين الذي أعاد لروسيا ثقتها في نفسها ومكانتها على الساحة الدولية، وأعاد الأمن وبناء الجيش والاقتصاد، كما اهتم كثيراً بإعادة بناء العلاقات الخارجية لروسيا، وخاصة مع العالم العربي.

روسيا والعرب

كيف تنظرون للعلاقات الروسية العربية الآن؟

لا أستطيع أن أقول إنها في أحسن أحوالها الآن، لكنها أفضل بكثير جداً مما كانت عليه في سنوات التسعينات من القرن الأخير، وهناك اهتمام كبير لدى روسيا بتطوير علاقاتها مع كافة البلدان العربية، وقد بدا هذا واضحاً في الزيارات التاريخية التي قام بها الرئيسان؛ بوتين ومن بعده ميدفيديف، للدول العربية، ومنها زيارات غير مسبوقة لقادة الكرملين في المنطقة.

مثل زيارات الرئيس السابق بوتين إلى دول الخليج، ومنها زيارته لدولة الإمارات عام 2007، ولكن رغم هذا علينا أن نعترف أن العلاقات الروسية ـ العربية الآن ليست في المستوى الذي يجب أن تكون عليه، مقارنة بالعلاقات التاريخية بينهما، وخاصة في المجالات الاقتصادية.

من المسؤول عن هذا.. الروس أم العرب؟

أعتقد بأن المسؤولية مشتركة يتحملها الطرفان، ولا أنكر أن هناك حواجز وتدخلات أجنبية، ولكن لدى كل من العرب وروسيا مبررات ودوافع للتقارب والتعاون في ما بينهما، هي أقوى بكثير من أية تدخلات أجنبية، ويجب أن تولي روسيا اهتماما أكبر للعرب ولدراسات الأدب العربي واللغة العربية.

وأيضا على العرب أن يولوا اهتماما أكبر لروسيا في المجالات نفسها، وهذا سيساعد على التقارب والتعاون في المجالات السياسية والاقتصادية، على كل من الطرفين أن يتوجه للآخر، خاصة أن في روسيا نحو عشرين مليون مسلم يتوجهون بحماس بالغ نحو العرب وآدابهم وحضارتهم.

هل يلعب الاستشراق دوراً في تحسين العلاقات بين العرب وروسيا؟

هذا مؤكد. فالدراسات الشرقية تلعب دوراً كبيراً في تحسين العلاقات، وعندنا في معهد الدراسات الشرقية تنقسم الدراسة إلى مجالين، الأول المجال الكلاسيكي الذي يتناول التاريخ والآثار والحضارة العربية والإسلامية القديمة.

والثاني هو المجال المعاصر الذي يتناول كافة مجالات التعاون والعلاقات بالدول العربية في المجالات الحديثة، من الاقتصاد والسياسة والطاقة والعلوم الحديثة والحركات الاجتماعية وغيرها، وهذا شكل جديد في الدراسات الشرقية لا أعتقد بأنه موجود في مدارس الاستشراق الغربية التي تكرس اهتمامها بدول الشرق في مجالات محددة، هي تخدم مصالح دول الغرب وحدها دون التفكير في مصالح دول الشرق.

الاستشراق والإرهاب

ما موقف المستشرقين من الحملة على العرب والمسلمين ووصفهم بالإرهابيين؟

لا شك أن الدراسات الشرقية العلمية والصحيحة تساعد كثيراً على الفهم الحقيقي غير المغلوط للشعوب ومعتقداتها، ونحن في روسيا، رغم انتشار الأحداث الإرهابية من متطرفين مسلمين من منطقة شمال القوقاز، إلا أن أحداً في روسيا لم يهاجم الإسلام ولا المسلمين، ولم يجرؤ أحد على وصفهم بالإرهابيين، بل على العكس، تولي الدولة في روسيا اهتماماً كبيراً بالمسلمين وبالدين الإسلامي.

بينما في الغرب يلصقون الإرهاب بالإسلام والمسلمين، وذلك بسبب ضعف المعلومات وغياب الدراسات العلمية الصحيحة، ويتناسون هناك أن الإرهاب والتطرف موجود في الديانات الأخرى أكثر بكثير من الإسلام، وأن اليهود هم أول من بدؤوا الإرهاب الديني في القرن الثالث الميلادي في الدولة الرومانية.

مؤلفاته

500 كتاب وبحث في التاريخ والسياسة

يبلغ عدد مؤلفات وأبحاث نعومكن نحو 500 كتاب وبحث باللغة الروسية واللغات الأجنبية، تركزت حول تاريخ الأقطار العربية وبلدان آسيا الوسطى والقوقاز والبحوث الإسلامية وعلم اللغة والعلوم السياسية، وتطور الحركات الإسلامية المعاصرة.

ومن كتبه: «عامل آسيا الوسطى في علاقات روسيا مع الغرب»، «الراديكالية الإسلامية في مرآة المفاهيم والمواقف الجديدة»، «آسيا الوسطى في السياسة العالمية»، «النزاعات الإثنية في الاتحاد السوفييتي السابق»، «الإسلام المتشدد في آسيا الوسطى: بين القلم والبندقية»، «سقطرى ـ جزيرة الأساطير».

تخصص

معهد الدراسات الشرقية ـ موسكو

يعد معهد الدراسات الشرقية في موسكو، أكبر معاهد الاستشراق في العالم وأقدمها، ويتبع لأكاديمية العلوم الروسية، وقد تأسس في عام 1818 في مدينة سانبطرسبورغ، عاصمة الإمبراطورية الروسية، وكان تابعا لأكاديمية العلوم الإمبراطورية، وكان يحمل اسم «المتحف الآسيوي» نظراً لاحتوائه آنذاك على مخطوطات عربية وفارسية نادرة.

ومنذ بداية المعهد ودراساته وأبحاثه تغطي بلاد العرب والقارة الآسيوية كلها، وفي أثناء الحقبة السوفييتية ازدهر المعهد بعد انتقاله إلى مقره الحالي في موسكو، وأصبح إلى جانب أعماله البحثية، معهداً تعليمياً يضم تخصصات متعددة، ويمنح شهادات التعليم العالي والدكتوراه، ويدرس فيه طلاب روس وأجانب.

تغطي دراسات المعهد الشرق بأكمله، من شمال إفريقيا وحتى جزر المحيط الهادئ، ويحتوى على مراكز أبحاث وأقسام متعددة، ومنها: مركز الحوار العربي الروسي، مركز الدراسات العربية والإسلامية، مركز دراسات الشرق الأوسط والأدنى، مركز الأبحاث الهندية، مركز الدراسات اليابانية.

كما يحتوي على العديد من الأقسام، مثل: قسم الصين، قسم لغات شعوب آسيا وإفريقيا. ويصدر المعهد عدة مجلات ونشرات دورية، ومنها: مجلة الشرق، وهذا إلى جانب العديد من الدوريات.

ميدفيديف وبوتين

قدم فيتالي نعومكن إجابات مباشرة وتفصيلية، في حواره مع «البيان»، عن التساؤل الذي يتردد الآن كثيراً وبقوة من قبل مختلف الجهات والهيئات، ومفاده: من يحكم روسيا: الرئيس ميدفيديف أم رئيس الوزراء بوتين، وهل هناك خلافات بينهما؟

وقال في هذا الشأن: ليس بوتين هو الذي يحكم روسيا ويدير الأمور فيها، وسبب هذه الشائعات هو الشعبية الكبيرة لبوتين والكاريزما التي يتمتع بها.

وأيضاً ما حققه من إنجازات كبيرة أثناء توليه الرئاسة، ولكن الواقع أن لرئيس روسيا صلاحيات دستورية يمارسها بشكل كامل وبمحض إرادته دون تأثير من أحد، وخاصة في شؤون السياسة الخارجية وفي الدفاع، وكذلك لرئيس الوزراء صلاحيات يمارسها وفق الدستور والقانون. لا توجد أية خلافات بين ميدفيديف وبوتين.

يمثل ميدفيديف الأكاديمي الليبرالي المثقف المعاصر، بينما يمثل بوتين الشخصية الروسية الوطنية الكلاسيكية، وكلاهما ضروريان لروسيا الآن.وكلاهما وطنيان مخلصان لروسيا.

فيتالي نعومكن في سطور

ولد فيتالي نعومكن في مدينة يكاترينبورغ الروسية في 21 مايو عام 1945، وفي عام 1968 تخرج في معهد اللغات الشرقية التابع لجامعة موسكو (معهد بلدان آسيا وإفريقيا حالياً)، حيث تخصص في تاريخ البلدان العربية واللغة العربية. وخلال الفترة 1966 ؟ 1967، تلقى دورات دراسية في جامعة القاهرة والجامعة الأميركية في القاهرة.

ومن ثم ناقش في عام 1972، رسالة دكتوراه له حول مذهب العالم الصوفي أبي حامد الغزالي. وفي عام 1980 نشر شروحه لترجمة كتاب الغزالي «إحياء علوم الدين» الذي أصدرته دار النشر الروسية «ناؤوكا». وبدأ في العام نفسه تدريس التاريخ العربي في معهد آسيا وإفريقيا في موسكو.

وعمل طوال الفترة من 1972 ؟ 1977 في المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. وفي عام 1981 ناقش رسالة دكتوراه علوم في تاريخ النضال المسلح من اجل استقلال اليمن الجنوبي بقيادة الجبهة الشعبية.

وخلال عمله في اليمن قام بدراسات آثارية في جزيرة سقطرى، تعد فريدة من نوعها، حيث لم يسبقه باحث آخر في كشف أسرار الجزيرة وأهلها، على مدى التاريخ.

وانتقل نعومكن في عام 1984 للعمل في معهد الاستشراق بموسكو، كرئيس لقسم البلدان العربية، ثم نائباً لمدير المعهد. وفي الفترة الواقعة بين عامي 1989 ؟ 1994 ترأس مركز الدراسات العربية. كما تولى رئاسة تحرير مجلة «الشرق» ومجلات علمية أخرى.

وعمل أستاذاً زائراً في جامعات عالمية وعربية، منها جامعة كاليفورنيا في بيركلي والجامعة الأميركية في القاهرة. وفي عامي 2001 ؟2002 دعي للمشاركة بصفة معلق سياسي في فضائية أبو ظبي. وفي روسيا أنتج سلسلة أفلام خاصة بقناة «روسيا اليوم»، بعنوان «روسيا والعرب».

وفي عام 2006 التحق ناؤومكين بالمجموعة الرفيعة المستوى لهيئة الأمم المتحدة: «ائتلاف الحضارات»، وفي عام 2008 عينه السكرتير العام للأمم المتحدة، سفيراً للنوايا الحسنة.

ـ مصطلح «الاستشراق» ساءت سمعته لارتباطه بمخططات استعمارية في القرنين 19و20

ـ الجيوش العربية وصلت في العام 22 للهجرة إلى داغستان على حدود روسيا

ـ الإسلام جاء من الجنوب والمسيحية من بيزنطة فأصبحت روسيا مزيجاً من الديانتين

ـ كاد الإسلام أن يتوسع وينتشر في كافة أنحاء روسيا لولا أن المسلمين ظلوا في الجنوب

ـ الاهتمام بالشرق والعرب والإسلام نابع من بنية وتاريخ المجتمع الروسي وثقافاته

ـ العلاقات الروسية ـ العربية ليست في أحسن أحوالها لكنها أفضل من فترة التسعينات

حوار: مغازي البدراوي