فتحت المحاضرة التي ألقاها الدكتور صالح هويدي في سوق العرصة بالشارقة مساء امس الاول الحوار على مصراعيه حول اشكالات المسرح العربي، خصوصاً عند مقاربته بالمسرح الأكثر تطوراً وترسخاً في الثقافة الغربية، واعيدت عشرات الاسئلة حول مستقبل المسرح العربي وسط انتشار ثقافة الاستهلاك وطغيان السطحي منها على النخبوي والجاد.

وكان هويدي قد طالب في محاضرته بضرورة ان تدعم مؤسسات الدعم الثقافي التجارب المسرحية الجادة وان تأخذ بيد الفنان، وان تسهم هذه المؤسسات في اقامة الورش التدريبية واثارة الثقافة المسرحية الحديثة وفق جميع الاطر من اجل مسرح عربي مواكب للاحداث وللمستجدات، ليقف امام الثقافة السائدة ثائرا ومغيرا وقابضا على جمرة الفن الاصيل.

واشار هويدي وهو يسلط الضوء على اشكالات المسرح العربي الى ان الامر يتعلق بعدة نواح، وعلى رأسها اشكالية النص المسرحي، مؤكدا ان الامر بالغ الخطورة، وهذا يشكل ازمة فعلية، مستنكرا ان يحدث هذا الانحسار في ظل ازدهار القصة والرواية والشعر في الثقافة العربية.

وتساءل هويدي: هل يحدث هذا لان الكتابة المسرحية كتابة تخصصية قائمة على علم ودراية وخبرة؟ اذ انه ليس هناك كاتب نص مسرحي بالفطرة، ولهذا فانه في مواجهة هذا الغياب صار لزاما ان يكون هناك دور للمبدعين المسرحيين والجمعيات في بلورة رؤية ثقافية لتفعيل حضور النص.

ولا بد من وسائل دعم وتحفيز عبر تنظيم مسابقات الكتابة والتأليف، وان يتحلى الكاتب بالبحث والاطلاع على التراث العالمي والعربي نصوصا وتيارات ومدارس واتجاهات والالمام بالفنون الادبية والسردية والتمييز بينها.

وتحدث هويدي عن اشكالات الاخراج في المسرح العربي الذي لا يزال بعيدا عن استنطاق الجماليات في الفضاء المسرحي، هذا الاستنطاق المؤسس على دراية جمالية علمية، اذ يشوب المسرح العربي الكثير من التجارب القائمة على الفطرة، في مقابل الاخراج العالمي الذي نقل عملية الاخراج والرؤى الاخراجية الى مستوى العلم.

واشار الى ان المسرح العربي يحتاج الى تفعيل في هذا الجانب من خلال الورش الدائمة، والاستفادة من الخبرات العالمية والعربية، وضرورة التوسع في اقسام الفنون الجميلة والاكاديميات التي تضم فروعا في المسرح، وتوفير المرجعيات والتأسيس لمكتبة درامية متخصصة.

وتطرق د. هويدي الى اشكاليات الممثل المسرحي الذي يعيب اداؤه الطابع العفوي قياسا بالاداء الاحترافي للممثل العالمي، واشار الى ان الفرق واضح بين اتكاء الممثل العربي على ثقافة تعبيرية بسيطة، يشوبها الصراخ والتوتر الزائد عن الحد، والايماء العشوائي، وبين الاداءات التي تعتمد على اساليب علمية تستنطق الاشارة والتعبير بأسلوب علمي مدروس يعطي لطبيعة الاداء دلالات ماكنة.

ومن اجل تطوير ذلك لدى الممثل العربي، قال د. هويدي: لابد من التأكيد على اهمية الثقافة بالنسبة للممثل، فلسفيا وسيكولوجيا ولغويا وصوتيا وجماليا وادبيا في مجال الشعر والموسيقى والرواية، وضرورة اخضاع الممثل العربي لدورات وورش تدريبية، ورعاية الدولة للممثل اجتماعيا واقتصاديا ومعيشيا وتعزيز قيمته الرمزية في المجتمع.

كما عرج هويدي على اشكالات النمط والمعطى السمعي، وطالب بدور فاعل للمؤسسات الصحافية في مجال التوعية الثقافية لتأصيل قيمة الفعل المسرحي.

وقد فتحت الحوارات آفاقاً مختلفة لورقة هويدي حيث تداول الحضور مأزق المثقف النوعي في الفضاء العربي، وارهاصات النخبوي في ظل شيوع ثقافة الاستهلاك، وكذلك دور الناقد الفاحص الذي بامكانه ان يدفع تلك الاعمال النخبوية والتجارب المسرحية ذات النضوج في المسرح العربي الى دائرة الضوء. وقد ادارت المحاضرة كريمة السعدي من ادارة المسرح بدائرة الثقافة والاعلام بالشارقة.

الشارقة - مرعي الحليان