من المعروف أن البيئة تسهم في تكوين شخصية قاطنيها، ولها تأثيراتها على المجتمع بشكل كامل، فمن يسكن مناطق الريف وبين المزارع، غير الذي يسكن المناطق الساحلية، وكذا الأمر لمن يسكن الصحراء أو الجبال وفي السهول.
كما أن الساكن في شقة في بناية، غير الذي يسكن في حي شعبي أو في فيلا حديثة، كل هذه مؤثرات تترك في النفس عوامل مختلفة من السلوك والتصرف والتفكير، ولا شك أن اختيار السكن يخضع لجملة من العوامل النفسية والاجتماعية إلا أنه يكون أحياناً تبعاً للحالة الاقتصادية، فالأسر الفقيرة ذات الدخل المحدود وعدد أفرادها كبير تضطر إلى اختيار سكن يناسب دخلها المادي.فلا عجب إن سمعنا عن أن هناك أكثر من أسرة ربما تعيش في سكن واحد صغير، هذه الاختيارات الإجبارية أحياناً أو الاختيارية تترك آثارها على الفرد، ومنها العامل النفسي الذي يظل مؤثراً ويترك انطباعات مختلفة، نتعرف عليها من خلال هذه الآراء.:تأثيرات كبيرة:يقول عبد الحميد صالح جعفر: بطبيعة الحال السكن له تأثيرات كبيرة على الأسرة، كما تلعب البيئة دوراً كبيراً في تكوين الحالة النفسية، فالذي يسكن في مناطق ساحلية، أو في أحياء شعبية مثلاً، غير الذي يسكن في مناطق ريفية أو زراعية، وبحكم أننا من بيئة زراعية، فقد نشأنا على حياة خاصة.أهم مميزاتها تقارب بيوت العائلة الواحدة، والتي تشكل في الأخير نمطاً من السلوك والتعامل، حيث تصبح العلاقة بين هذه العائلة، قوية ومتينة، أساسها الألفة والمحبة والتآزر، الصغير يحترم الكبير والكبير يرعى الصغير.كما أن السكن في مناطق زراعية، صحي ومفيد من حيث الغذاء، فالأرض كما هو معروف تنتج الكثير من المنتجات الغذائية، الذي يعتمد عليها الإنسان في غذائه، وإجمالاً فإن للسكن تأثيراته على الفرد وعلى الأسرة، فمن يسكن في مكان معين، لابد أن يتأثر بهذا الفكان، وتصبح له عاداته وتقاليد وتفكيره الخاص.
ضياع «الفريج»
تقول أم مشعل الزرعوني: «الفريج» كان سكن أهلنا منذ عشرات السنين، وهو عبارة عن حي شعبي، البيوت مسطحة وواسعة وفيها غرف كثيرة، بالإضافة إلى ساحة كبيرة يجتمع فيها أفراد الأسرة أثناء تناول الطعام، وفي أوقات الراحة، وجميع سكان «الفريج» يعتبرون أسرة واحدة.
فهم يتبادلون الزيارات، وأطباق الحلوى والمأكولات، وهذا تجسيد يعبر عن صدق المودة القائمة بينهم، وعن الرحمة بين قلوبهم، اليوم «الفريج» غاب عنا وأصبح يسكنه العزاب من الآسيويون، وانتقلت الأسر إلى سكن مريح، إما في شقة واسعة أو فيلا حديثة، ومع هذا الانتقال تغيرت الكثير من الطباع في النفوس، فزيارات الأهل والأقارب قلت.
إن لم تختفِ نهائيا، فمن يتصور أن عائلات لم تزر بعضها لسنوات حتى في الأعياد، تتبادل التهاني بالهواتف وعبر الايميلات، ومن يسكن في بناية لا يعرف جاره، هذا أيضا من أسباب تعدد الجنسيات، إذن السكن مؤثر في حياتنا وسلوكنا.
وأيضا في سلوك أبنائنا، اليوم يعيش أبناء بعض الأسر في غرف خاصة بهم، وعندهم النت والهاتف والستلايت الخاص به، وجميع وسائل الترفيه، دون رقيب من الأسرة، التي تكون هي الأخرى منشغلة بأمورها الخاصة، وينتج عن السكن الكثير من السلوكيات الخاطئة، لكن عندما كنا نعيش في «الفريج» كان الأبناء يعيشون أمام أعيننا وكانوا في البيت أو في الشارع عندما يلعبون الألعاب الشعبية، لذلك التربية منشأها البيت، والفساد يصدر من البيت أيضا.
سكن يولد العدائية
من جهته يقول الدكتور صالح الخليفي: من يسكن الأكواخ غير الذي يسكن الفلل والمساكن الفارهة، فالتفكير مختلف والطباع أيضا تكون مختلفة، ومعروف أن ذلك يؤثر نفسيا وسلوكيا على السكان، باختلاف مساكنهم ومناطقهم، والتأثير الأكثر هو على الأطفال، فالذين يسكنون المناطق الفقيرة، وفي بيوت صغيرة، يصبحون أكثر عدائية وشراسة.
بينما الذين يسكنون الأحياء الراقية، وفي منازل وفلل كبيرة، يبدون أقل عداء، وهناك دراسات أثبت أن للسكن تأثيرات نفسية وسلوكية، وأن من يختار السكن الواسع يكون مرتاحا نفسيا، وينعكس ذلك على سلوكه، بينما المنزل الضيق.
يسبب الكآبة لصاحبه، ويكون غير قادر على التفكير الصحيح، تماما مثل من يسكن قبالة الشاطئ، يكون أكثر تفكيرا وأكثر إبداعا، بينما الذي يسكن مناطق الأرياف والمناطق الزراعية، يكون أكثر ميلا للعمل، وهذا ينطبق على المرأة والرجل.
الطقس يصاحب المزاج
تقول الدكتورة أزهار أبو علي، مستشارة ومعالجة نفسية: البيئة المعيشية لها آثار نفسية مختلفة على الأطفال، وكذلك على أفراد الأسرة الكبار، وعلى سبيل المثال، إذا كانت البيئة مكتظة بأفراد الأسرة، ويعيشون في مناطق صغيرة، هذا الوضع قد يؤدي إلى انعدام الخصوصية.
وبالتالي قد يؤثر على الطفل، إذا كان يشهد نزاعاً عائلياً في البيت، خاصة إذا كان في سن البلوغ المبكر، دون أن يكون قادراً على فهم طبيعة الصراع، أو النزاع الذي شهده، ويصبح محبطاً في فترة البلوغ أو المراهقة، هذا مثال للتأثير السكني على الأبناء، ولكن حقيقة العوامل المؤثرة في السكن.
فقد أشارت بعض الدراسات والبحوث النفسية، أن طبيعة الطقس تصاحب المزاج أيضاً، ففي بعض البلدان التي تفتقر إلى ضوء الشمس، يعاني الأفراد في هذا البلد من أعراض الاكتئاب والمزاج السيئ، والأفراد الذين يعيشون على مقربة من المحيط أو البحر، هم أقرب إلى الحياة الهادئة.
بينما الأفراد الذين يعيشون في المدينة المكتظة بالسكان، يشعرون بالقلق والاكتئاب، وقد تؤدي التغيرات الاجتماعية التي تشمل التحضر والعولمة، بالإضافة إلى الاعتماد المفرط على التكنولوجيا، إلى التأثير على العلاقات بين أفراد الأسرة، تؤدي إلى العزلة والوحدة، وخاصة في الثقافات المختلفة، ونتيجة لهذا التحول الثقافي والنفسي والاجتماعي، تظهر أعراض مثل القلق والاكتئاب وعدم التركيز.
كما أن النقص في الدعم الاجتماعي والأسري، يكون السبب الرئيسي في انعدام التواصل بين أفراد الأسرة الواحدة، والطريقة التي يتواصل فيها أفراد الأسرة للتعبير عن أنفسهم، فضلاً عن مستوى الدعم العاطفي، يصبح المجتمع داعماً وإيجابياً.
ويمكن أن تكون بمثابة عامل وقائي ضد الظواهر السلبية الاجتماعية والنفسية، كما أن تثقيف الأطفال عن الطبيعة، وتعريفهم بالأماكن، يصبح بمثابة عامل إيجابي للحماية، والفقر ليس بالضرورة أن يكون العامل الرئيسي، في التأثير على العلاقات الأسرية وأسلوب التعامل مع أفراد المجتمع، ولكن يكون عامل خطر للطفل، الذي قد لا يحصل على احتياجاته الأساسية.
وهذا أيضاً يحصل لدى الأسر الغنية التي قد تدلل أبناءها، وفي عدم مراقبتها لتصرفاتهم، وعموما السكن في حد ذاته، سلوك يؤدي في الغالب إلى التأثير على النفس، ومن يسكن قبالة البحر يظل يتأمله حتى يكاد ينساه، هذا ما قاله البعض من الذي سكنوا في مثل هذه الأماكن.
امتيازات
يرى المهندس المدني علي سعيد مقيس أن السكن في فيلا يجعل الأسرة تعيش في أجواء تتميز بالهدوء والراحة والاستقرار ، وتتمتع بالخصوصية بعيدا عن زحمة المدينة وضجيجها، وهو سكن أفضل كثيرا من السكن في شقة.
ويقول: لكن هذا لا يعني أنه لا يوجد اختلاف في الطباع وفي السلوكيات، فمن يسكن في فيلا تحيط بها الأشجار والزراعة من كل مكان، يكون منسجما مع هذا المنظر اليومي، وربما يشغل نفسه في أوقات الفراغ، برعاية الأشجار وسقيها وجني ثمارها، والساكن في مناطق تقع على البحر أو بالقرب من الشواطئ، يكون تفكيره مختلفاً.
وقد يؤثر فيه منظر البحر والمراكب وهي تسير قبالة سكنه، والذي يسكن في شقة، يكون قد انسجم مع هذا السكن، وكل هذه الأمكنة لها تأثير في حياة الناس، وفي طريقة تفكيرهم، خاصة الأطفال الذين يؤثر فيهم السكن كما تؤثر عليهم البيئة التي يعيشون فيها.
سكن العمر
وتقول أمينة إبراهيم من جمعية النهضة النسائية: السكن الملائم والمختار بعناية والذي يجهز تجهيزا متكاملا، هو في الواقع سكن العمر، ولا ننسى في الوقت نفسه، أن السكن يجمع عائلة وربما أكثر.
وهنا لابد من أن يجمعهم، هدف واحد وهو التفاهم والتلاحم فيما بينها، ونحن في دولة الإمارات ولله الحمد، الأسرة يجمعها أكثر من هدف سامٍ، والتراحم بينها هو الأساس، لأنها بنيت على القيم العربية والإسلامية، والعادات والتقاليد الأصيلة.
لذلك تجد الأسرة متماسكة ومتلاحمة، بالرغم من كل متغيرات العصر الحديث، فالسكن الحديث لم يغير من هذه العادات والتقاليد، بل نجد أن رب الأسرة المقتدر، يعمل على جمع كل أفراد الأسرة بما فيها الوالدين، في منزل واحد، وهذا ما يقوي من القيم والسلوكيات، ويزيد من روابط العلاقة بين الأسرة الواحدة، وإذا كان السؤال حول تأثير السكن في السلوك والجانب النفسي، فلا شك أن للسكن تأثيراً قوياً على سلوك الإنسان.
فلنأخذ أولا البيئة السكنية، فمن يسكن في الصحراء غير الذي يسكن الجبال، هنا التأثير يطغى على سلوك من يسكن هذه المناطق، ابن الجبل يختلف سلوكه عن ابن الصحراء، وكذلك الأمر لمن يسكن الفيلل أو الشقق، والأحياء الشعبية، أو الأحياء الراقية.
لكن دعنا نوضح أمراً مهماً، وهو أن السكن في حد ذاته مصدر أمان وملاذ لساكنيه، فالبيت تنشأ فيه أجيال وتتربى فيه أطفال، ومتى كانت قواعد البيت متينة وقوية من حيث التربية، فلاشك أن أجيالاً صالحة سوف تتخرج من هذا البيت.
وبالتالي لا بد من اختيار المكان المناسب، فمثلا الشقة إذا كان فيها أعداد كبيرة من الساكنين، تكثر فيها المشاكل وعدم التفاهم، عكس البيوت الواسعة فالمشاكل لاشك تكون قليلة جداً، هذا الأمر ليس ناتجاً عن دراسة، وإن كنت أتمنى أن تجرى دراسات متخصصة في هذا المجال، لأنه فعلاً توجد تأثيرات كثيرة على الساكن.
وقد شاهدت كثيراً، سلوكيات مختلفة لساكني البيوت الشعبية، عن ساكني الشقق والفلل، فبعض سكان الفلل استطاع أن ينشئ حدائق صغيرة في ساحات بيته، وبعض من أهل الشقق اعتمد على الشتلات الزراعية لتزيين شقته.
وهذا يعني تبايناً في القدرات ولكن الهدف واحد، إذن للسكن تأثيره على ساكنه، ولنعد قليلا للسكن الإماراتي القديم «الفريج»، وانظر كيف كانت الأسر في تعاملها وتآزرها، هذا مثل واحد فقط لتأثير السكن على السلوكيات والترابط.
دراسات
سكان الأرياف أكثر نشاطاً
يظهر التأثير النفسي والسلوكي للسكن على الساكنين في طبيعة نشاطهم وحياتهم اليومية، حيث أكدت العديد من الدراسات أن سكان المناطق الريفية والزراعية، هم الأكثر نشاطاً في عملهم وأيضا في صحتهم، بينما الذين يسكنون المناطق الحضرية والمكتظة بالسكان هم الأكثر قلقا واكتئابا، ويعيشون أوضاعا غير مستقرة.
خاصة في المساكن المتقاربة كالبنايات والأبراج السكنية، فساكني هذه المناطق يعانون كثيرا، من حالتي الاكتئاب والقلق، وهناك مناطق سكنية يميل ساكنوها إلى الهدوء أكثر، مثل المناطق الساحلية والقريبة من البحر، إلا أن سكان هذه المناطق يصابون مع المدى بحالة ذهنية غريبة، مثل نسيان البحر أو التعود على مشاهدته فقط دون التأمل فيه.
مقابل أن سكان المناطق الزراعية، لا تغيب عنهم صور الأشجار والمزارع، فهم يتعاملون معها بشكل يومي، وحتى عندما يغيب أحدهم عن قريته سرعان ما يحن إليها، وبعضهم يفضل أن يعود إليها حتى لو كان مقر عمله يبعد مئات الكيلومترات.
ولذلك فإن كثيراً من سكان المناطق الزراعية، هم الأكثر تمسكاً بالبيئة التي يعيشون فيها، وتناولت هذه الدراسات معظم سكان الدول الأوربية، الذين يعانون من القلق والاكتئاب بسبب السكن الذي يعيشون فيه.
دبي ـ جميل محسن

