هؤلاء فتية رفضوا الاستسلام لواقعهم، وأصروا على هزيمة كل العقبات، وأثبتوا بالدليل القاطع أن إرادة البشر أشد صلابةً من الجبال، وأمامها يصبح المستحيل متاحاً مبذولاً. لم يركنوا إلى الدعة، وسطروا بسواعدهم القوية وعزائمهم التي لا تعرف اللين، ملحمة كفاح ينظر إليها المرء بالإعجاب والفخر والتقدير.

66 شاباً من ذوي الحاجات الخاصة، ممن يتدربون على الأعمال الزراعية في مركز زايد الزراعي للتنمية والتأهيل، التابع لمؤسسة زايد العليا للرعاية الإنسانية، ويخضعون لبرامج تدريبية تقوم على أساس إكساب هؤلاء الشباب المهارات اللازمة لتحويلهم إلى عناصر بناء تسهم في دعم عجلة التنمية على أرض وطنهم، بدلاً من أن يكونوا عناصر خاملة غير منتجة.وحول هذه التجربة الفريدة، وخطط التطوير المقبلة، وأهم البرامج التدريبية والأقسام التي يضمها مركز زايد الزراعي، قال محمد فضل الهاملي، الأمين العام لمؤسسة زايد العليا للرعاية الإنسانية: إن فكرة المزرعة كانت واحدة من الأفكار الثاقبة التقدمية، للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.فلطالما كان رحمه الله يؤمن بأن التنمية التي ينشدها الوطن، لن تتأتى بغير سواعد كافة أبنائه، وبأن دمج أبنائنا ممن لم ينعم الله عليهم بنعمة الصحة في المجتمع، سيكون ذا مردود إيجابي عليهم وعلى وطنهم في آن واحد.:درس مجاني:وتابع الهاملي: إن ما يبذله المتدربون من جهد في عملهم اليومي، وما يبدونه من قدرة على العمل والعطاء، يمثلان درساً مجانياً للأصحاء من أبناء الوطن، ويعطيانهم الدليل القاطع على أنه لا إعاقة مع الإرادة، وعلى أن كل من يتكاسل ويقصر في السعي، تحت أي ذريعة، إنما هو ظالم لنفسه وجاحد لوطنه، وغير قادر على اكتشاف واستخراج القوة الكامنة في نفسه... قوة الإرادة الأقوى من كل القوى.ويضيف الهاملي: بعد 15 عاماً من افتتاح المزرعة أستطيع وبكل ثقة أن أؤكد أنها شبت عن الطوق، وأصبحت من أهم الكيانات التي تعبر عن تجربة الإمارات الرائدة والمتميزة في مجال رعاية المعاقين.رعايةً تستند على ضرورة دمجهم في المجتمع واستخراج طاقاتهم واستثمارها، موضحاً أن عدد المتدربين لدى افتتاح المزرعة لم يكن يتجاوز عدد أصابع اليدين، وقد بلغ عددهم العام الماضي 46 متدرباً، وتقرر أن يصل العدد إلى 66 متدرباً في الموسم الزراعي الجديد والذي يبدأ بداية الشهر المقبل.

:قيمة العملوقالت مريم سيف القبيسي، رئيس قطاع ذوي الاحتياجات الخاصة في مؤسسة زايد: إن المزرعة تستقبل المتدربين من الذين يعانون إعاقات ذهنية جزئية، وتتمثل فلسفتها التدريبية لتأهيل المنضمين إليها في إكسابهم قيم حب العمل، وغرس الثقة في نفوسهم، بحيث يشعروا بأنهم ذوو أهمية في المجتمع، وتعزيزاً لهذه الفكرة، فإن كل متدرب يحظى براتب شهري، يبلغ 2500 درهم.وفور قبول المتدربين في المزرعة، يتم تحويل كل منهم إلى القسم الأكثر توافقاً مع قدراته، حيث تضم المزرعة أربعة أقسام رئيسية، وهي: الإنتاج الزراعي، والإنتاج الحيواني، والورش الميكانيكية، ووحدة النخيل.وينقسم قسم الإنتاج الزراعي إلى قسمي الزراعة العضوية، وهي تنقسم إلى داخلية داخل المحميات، والزراعة الخارجية، وهناك قسم الزراعة الحقلية، التي تختص بإنتاج الخضروات والأعلاف، فيما يختص قسم الإنتاج الحيواني بتربية الأغنام والماعز، وتصنيع منتجات الألبان.ويتدرب المعاقون في الورش الميكانيكية على تشغيل وصيانة وإصلاح المعدات الزراعية، وتبديل قطع الغيار المعطوبة، وصيانة شبكات الري داخل المزرعة. أما وحدة النخيل فتضم 1300 نخلة، ويجري العمل على تحويل النخيل المزروع فيها إلى نخيل عضوي، ومن المتوقع أن ينتهي هذا الأمر منتصف العام المقبل.وتضيف مريم القبيسي: إن ما تنتجه أيادي المتدربين من خضروات عضوية، يتم طرحه حالياً في عدد من المحلات التجارية الكبرى في أبوظبي، وهناك حالياً خطة لطرح الإنتاج من الألبان ومشتقاتها نهاية العام الجاري، وحالياً يتم التنسيق مع جهاز أبوظبي للرقابة الغذائية، من أجل إتمام هذه الخطوة وفق الشروط المعتمدة للجهاز.وتؤكد أن تجربة مزرعة زايد أصبحت محط اهتمام عدد من الدول الشقيقة والصديقة، ومؤخراً زار وفد من سلطنة عمان المزرعة للاطلاع على الفكرة، وبحث سبل تطبيقها، كما زارها وفدان البحرين وكوريا الجنوبية للغرض ذاته، موضحةً أن الإمارات بدعم صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة (حفظه الله) قد حققت السبق والريادة في مجال دمج وتشغيل المعاقين.

:مشروعات جديدة:ومن جانبه، قال محمد سيف العريفي، مدير مركز زايد الزراعي: إن المزرعة بصدد تنفيذ مجموعة من المشروعات الهادفة إلى الارتقاء بالمستوى النوعي لأدائها، فبعد أن كان بدأ الإنتاج الحيواني العام الماضي، وبلغ عدد الرؤوس من الخراف والماعز 220 رأساً، هناك خطة لرفع عدد الرؤوس إلى 500 رأس خلال الأشهر الثلاثة المقبلة. كما يتم حالياً بحث سبل طرح الإنتاج من الحليب، والذي يزيد على 450 لتراً يومياً، هذا بالإضافة إلى افتتاح مصنع منتجات الألبان والأجبان في أقرب وقت ممكن، حتى يتم طرح هذه المنتجات في الجمعيات التعاونية طازجاً، قبل نهاية العام الجاري.ويقوم المركز حالياً بتسويق إنتاجه من الخضروات العضوية، ذات الجودة العالية والتي اجتازت فحوصات جهاز الرقابة الغذائية، في عدد من منافذ البيع الكبرى بأبوظبي، بأسعار تنافسية في متناول الجميع.وفي ما يتعلق بوحدة النخيل، فقد تبرع سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، بما يزيد عن 12 هكتاراً تم تخصيصها لزراعة النخيل العضوية، وبذلك زادت مساحة المركز الإجمالية لتصل إلى نحو 24 هكتاراً.ويضيف مدير المركز: إنه وفي سياق خطط التطوير ذاتها، فإن هناك خطة يتم تنفيذها حالياً لتطوير ورشة الصيانة التابعة للمركز، وتزويدها بأحدث الأجهزة والمعدات المستخدمة في الزراعة، مع عمل برنامج مكثف، لتدريب ذوي الحاجات الخاصة على تشغيل وصيانة هذه المعدات.:برامج التدريب:ويتناول العريفي مناهج التدريب التي يخضع لها المتدربون في المركز قائلاً: إن فترة التدريب لكل متدرب تصل إلى ثلاث سنوات، وينقسم التدريب إلى مهني عملي بالإضافة إلى التدريب النظري، وروعي في برامج التدريب أن تكون مبسطة بحيث تتوافق مع القدرات العقلية للمتدربين، ومن الملاحظات الإيجابية أن الخضوع لبرامج التدريب في المركز.

قد حقق نتائج إيجابية ملموسة على المتدربين، فحسب ما يؤكده الأطباء، إن القدرات العقلية للمتدربين شهدت تطوراً ونمواً بعدما خضعوا للتدريب، وأن التدريب المتواصل ساهم في تفجير بعض القدرات التي كانت كامنة في نفوسهم، مما ساعدهم على الانخراط في الحياة وتفريغ طاقتهم وتوجيهها إلى أعمال إيجابية، بدلاً من أن يوجه هذه الطاقات إلى التسبب في مشكلات لهم أو لذويهم.

ويضيف: إن البرنامج اليومي للتدريب في المزرعة يبدأ من السابعة ونصف مساءً، حتى الثانية ونصف ظهراً، ويحظى المتدرب بإجازة يومي الجمعة والسبت، فضلاً عن إجازة الصيف، وبعد استكمال فترة التدريب، يسعى المركز إلى التنسيق مع المؤسسات الحكومية والخاصة بحيث يتم توفير فرص عمل لهم تتناسب مع قدراتهم، وفي حال عدم توافر الفرصة المناسبة لأي متدرب، يتم الإبقاء عليه في المركز، حتى يواصل العمل فيما يحب من مجالات.

ويضيف: إن حصول المتدربين على راتب شهري، ينمي شعورهم بتقدير الذات، كونهم أصبحوا يشاركون في تحسين مستويات دخل ذويهم، وهناك معاقون ممن لا يعانون من موانع طبية جينية قد تزوجوا أثناء انضمامهم للمركز، ومنهم من أنجب أطفالاً بصحة جيدة ولا يعانون من أية مشكلات صحية.

خطة لتدريب الفتيات على زراعة الزهور

كشف محمد سيف العريفي مدير مركز زايد الزراعي، أن إدارة المركز بتوجيهات من مؤسسة زايد العليا، تدرس طرح برامج تدريبية للفتيات المعاقات، وذلك في إطار مساعي التوسع في نشاطاتها، وتحسين المستوى النوعي لخدماتها.

وقال: إن النية تتجه لاستقطاب الفتيات بحيث يتدربن في وحدة إنتاج الزهور، التي سيبدأ إنتاجها بعد نحو شهرين، مشيراً إلى أنه يتوافر في الوحدة حالياً 200 ألف شتلة زهور، وهناك اتفاقات لتسويقها عبر عدد من منافذ البيع الكبرى.

وأضاف: إن المزرعة تسعى أولاً لضمان أن تحظى الفتيات المتدربات بكل الوسائل التي تضمن لهن أن ينعكس التدريب عليهن بالفائدة، وأن يحظين بأعلى مستويات الأمان والحماية، نظراً لما يحتله هذا الأمر من أهمية، سواءً بالنسبة لأولياء الأمور، أو لإدارة المركز.

لوحة الشرف

يلوحون بأياديهم للعدسة، ويبتسمون في براءة الأطفال... يتساءلون في فرح: هل سنرى صورنا في الجريدة؟ ويهتف أحدهم مرحباً: «يا هلا بمن زارنا، نحن نحب الصحافة، ونسعد حينما نرى صورنا في الجريدة». وبسؤاله عما يسعده في هذا الأمر، لا يجد ما يقوله، إذ لا تتمكن براءته من تحليل أسباب السعادة الصافية والنابعة من إحساسه بالتقدير من قبل الآخرين على عمله وعطائه.

ويعبر سيف حمد مسلم عن سعادته بعبارات بسيطة: «أعمل في المزرعة يومياً، وأشعر بالسعادة لوجودي مع أصحابي، ولا أحب أجازة الصيف لأنها مملة».

وسيف متزوج منذ سنة، وقد رزقه الله بنتاً بصحة جيدة، ومؤخراً حصل على ميداليتين في الكرة الطائرة من مسابقتين محليتين. أما جابر علي محمد فقد حصل على ميدالية ذهبية في مونديال المعاقين الذي أقيم في الولايات المتحدة عن رياضة الجري فئة 50 متراً. ويؤكد جابر أنه سيشارك في المونديال المقبل وسيحصل على ميدالية أيضاً.

ويتحدث مهدي عبد الله عن بناته الثلاث بفرحة قائلاً: إنهن يدرسن في المدارس الحكومية، ويحرص على أن يناديه أقرانه باسم «بو فاطمة»، ولا تعاني البنات الثلاث من إعاقات ذهنية أو جسدية، علماً بأن مهدي متزوج منذ نحو 12 عاماً.

ويعمل جاسم محمد الزعابي في قسم الزراعة، وهو يحب المكوث طويلاً أمام الزهور، وهو متزوج ولديه طفل عمره ثلاث سنوات، وفي أوقات فراغه يحب ممارسة لعبة كرة اليد.

أبوظبي- محمد مصطفى موسى