حينما نشعر بالصداع، نسارع إلى تناول المسكنات، وفي حال أصيب أحدنا بنزلة برد أو إنفلونزا، قد يلجأ إلى تعاطي المضادات الحيوية، وإذا أحسسنا بضعف عام، أو بعدم القدرة على العمل، نتناول الفيتامينات والمكملات الغذائية.
أما حينما يتناول أحدنا وجبة دسمة، ويشعر بحموضة المعدة، فإنه يهرع إلى تعاطي العقاقير الملّطفة والتي تخفف الحموضة، وفي أوقات الأرق وعدم القدرة على الخلود إلى النوم، فهناك دائماً حبة تساعد على الاسترخاء...
وهكذا ومن دون استشارة طبيب نتعاطى الكثير والكثير من الأدوية والمسكنات، من تلقاء أنفسنا، وأيضاً من دون معرفة بما قد يشكله هذا التعاطي العشوائي للدواء من تأثيرات سلبية على صحتنا وسلامتنا.
ومؤخراً أجرت إحدى الشركات الخاصة دراسة لرصد مؤشرات استهلاك الدواء في الإمارات، وخلصت إلى أن سكان الدولة، هم أكبر مستهلكي المسكنات في العالم، وعلى الرغم من أن وزارة الصحة أبدت تحفظاً مبدئياً على نتائج هذه الدراسة.
وأعلنت على لسان الدكتور أمين الأميري، المدير التنفيذي لشؤون الممارسات الصحية والتراخيص، أنها ستناقش مع تلك الشركة كيفية توصلها إلى هذه النتيجة، إلا أن الأمر يعد مؤشراً خطيراً، ويكشف أن سلوكيات المجتمع الصحية، تتسم بالعشوائية وبانخفاض معدلات الوعي والثقافة الصحية.
خطيئة طبية
يقول الدكتور وائل المحاميد، نائب الرئيس الطبي استشاري ورئيس قسم القلب في مدينة الشيخ خليفة الطبية: من السلوكيات الصحية السلبية والغريبة في مجتمعنا وكافة المجتمعات العربية، أن الناس يقومون في كثير من الحالات بتعاطي أدوية من تلقاء أنفسهم، والأمر لا يقتصر فقط على المسكنات أو الأدوية غير المراقبة، فكثيراً ما يحدث أن يتناول البعض عقاقير من غير الرجوع إلى الأطباء.
ويضيف: في حال أصيب طفل بنزلة برد مثلاً، وبعدما يتم توقيع الكشف عليه ومنحه الدواء المناسب لحالته، كثيراً ما تحتفظ الأمهات بالدواء، حتى يقدمنه للطفل ذاته في حال أصيب ببرد مستقبلاً، أو لتقديمه لأحد إخوانه، هكذا من دون الكشف عليه وبغير تحديد لحالته بدقة.
أما فيما يتعلق بالمسكنات، فمن الملاحظ أن قطاعاً كبيراً من الناس، يلجأون إلى تعاطيها بشكل مفرط، بمجرد أن يشعروا بالألم... وهذا السلوك يمثل خطيئة سلوكية طبية بكل المقاييس. ويقول: إنه من الثابت والمتعارف عليه طبياً، أن الإفراط في استخدام المسكنات قد يؤدي إلى «كوارث صحية» وقد يؤدي إلى حدوث اعتلال في القلب وسكنات وأزمات قلبية.
فالإفراط في تعاطي المسكنات، يتسبب في تثبيط مراكز التنفس في الدماغ، وبالتالي فإن زيادة الجرعات تزيد من احتمالات توقف التنفس والقلب ومن ثم الوفاة.
ويقول: أما بالنسبة للمسكنات غير المشتقة من الأفيون، فلا يؤدي الإفراط في استخدامها إلى الإدمان، ولكنها ذات مضاعفات خطيرة أخرى، منها: قرحة المعدة والإثنى عشر والفشل الكلوي والنزيف الدموي فضلاً عن بعض أنواع الحساسية، وهذا يعني ببساطة أن الاستهتار الذي يبديه البعض إزاء الدواء، والإفراط في تعاطيه من دون أن يخضع لإشراف طبي، يمثل سلوكاً خطيرا ومرفوضاً، ويتطلب المزيد من التوعية والتثقيف بمخاطر هذا الأمر.
مخاطر المضادات
ويقول الدكتور خالد عثمان استشاري الأمراض التناسلية والجلدية في مستشفى السلامة: من التداعيات الخطيرة للإفراط أو للاستخدام العشوائي للدواء عموماً، وللمضادات الحيوية على وجه الخصوص، أن الفيروسات قد أصبحت أكثر قوة وشراسة وقدرة على مقاومة المضادات خلال العقدين الأخيرين.
تحذير
الفيتامينات والمكملات الغذائية ليست آمنة دوماً
هناك اعتقادات خاطئة لدى قطاع كبير من الناس، مفادها أن استخدام الفيتامينات والمكملات الغذائية لن يضر في حال لم ينفع، ويذهب هؤلاء إلى أن ما نتناوله الآن من مواد غذائية، لم يعد غنياً بالعناصر الغذائية المهمة للجسم.
مما يستلزم أن يحصل الجسم على التعويض عبر تعاطي كبسولات الفيتامين المنتشرة في الصيدليات، والتي تقف وراءها شركات الأدوية العملاقة، بكل ما تمتلك من إمكانيات دعائية وإعلامية...
غير أنه وخلافاً لهذا الزعم، فإن الدراسات الطبية المستقلة، تؤكد أن قيام الإنسان بتعاطي الفيتامينات من تلقاء نفسه، ومن دون وصفة طبية، قد يؤدي إلى عواقب كارثية، منها ما يسمى بحالة التسمم بالفيتامينات.
وتقول الدكتورة لمياء الباعاصي، مدير قسم الصيدلة في مستشفى النور في أبوظبي: إن الفيتامينات هي عناصر غذائية مهمة للإنسان، ويستطيع الجسم توفير احتياجاته الضرورية منها عبر تناول الطعام الصحي، وهي ضرورية لإحداث التفاعلات الحيوية المسؤولة عن عمليات البناء والنمو والطاقة الحرارية.
لكن غالبية الناس يلجأون إلى الإكثار من التناول العشوائي للمستحضرات الصيدلانية والمحتوية على الفيتامينات والمعادن بشكل يومي دون استشارة الطبيب أو وجود داع طبي، وهم يعتقدون أنها تقي من ظهور بعض الأمراض، وبأنها أيضا تضفي عليهم شعورا بالصحة والعافية.
أخطاء
عشوائية العقاقير تترك انعكاسات خطيرة
أكدت الدكتورة لمياء الباعاصي، مدير قسم الصيدلة في مستشفى النور في أبوظبي: إن العشوائية في استخدام العقاقير الطبية، تعد واحدة من السلوكيات التي تنعكس سلبياً على من ينتهجها، وتكون انعكاساتها في بعض الحالات بالغة القسوة، وما من شك في أن العالم بأسره يعلم أن إدمان المسكنات والإفراط فيها، وتعاطيها عشوائياً، قد كتب الفصل الأخير من حياة مغني البوب الأمريكي الأشهر، مايكل جاكسون.
وقالت: هناك قطاع كبير من المرضى يستخفون بالآثار التي تنجم عن هذا الأمر، ويقدمون بتهور على تعاطي أدوية حتى من دون أن يكلفوا أنفسهم، عناء قراءة الوصفة الداخلية للتعرف على أعراضها الجانبية المحتملة.
وكثيراً ما يقوم البعض بتشخيص المرض ووصف الدواء المناسب لنفسه، من دون تردد أو تفكير، وهو أمر لا يمكن استساغته أو وصفه إلا بأنه تصرف أخرق، وسلوك عبثي قد يلقي بصاحبه في التهلكة، وقد يؤدي إلى ما لا يحمد عقباه.
وتضرب مثالاً على ذلك بازدياد معدل الفيتامينات في الجسم الذي يؤدي إلى حالة التسمم، والتي تتمثل أعراضها في حال زيادة نسبة فيتامين (د) مثلاً في: فقدان الشهية والقيء والارتفاع السريع لضغط الدم وزيادة نسبة ترسب الكالسيوم في الكلى وعلى الأوردة.
متابعة
«الصحة» تحرص على الاستخدام الآمن للأدوية
أشار الدكتور أمين الأميري المدير التنفيذي لشؤون الممارسات الطبية والتراخيص في وزارة الصحة إلى أن الوزارة وفي إطار الحرص على تعريف متعاطي الدواء بالاستخدام الآمن للعقاقير المختلفة، تشترط على شركات الدواء أن تحتوي النشرة الداخلية على كافة المعلومات حول مكونات الدواء والأعراض الجانبية والجرعة المناسبة والمضاعفات المتوقعة وذلك باللغتين العربية والإنجليزية.
وتناول ظاهرة الاستخدام العشوائي للدواء قائلاً: إن هذه الظاهرة ليست مقتصرة على مجتمع بعينه، وهناك جهود طبية على مستوى أكبر المؤسسات الصحية العالمية للتصدي للمشكلة، مؤكداً أن الوزارة من جهتها تحرص على تأدية دورها التثقيفي لتوعية الرأي العام بالظاهرة، وذلك عبر الندوات الجماهيرية المفتوحة، والتواصل الدائم مع وسائل الإعلام المحلية.
ورأى الأميري أن ظاهرة التعاطي العشوائي للدواء، تتصل بثلاث حلقات منفصلة ومتشابكة، وتتمثل الحلقة الأولى في الوزارة، أما الثانية فهي الطبيب الذي يجب أن يؤدي الدور المنوط به، في مجال شرح كيفية استخدام ما يصرفه من أدوية لمرضاه، فيما تتمثل الحلقة الثالثة في المرضى أنفسهم.
مشيراً إلى أنه لا ينبغي على المرضى أن ينتحلوا صفة الطبيب والصيدلاني، فيقوموا بتشخيص حالاتهم المرضية ووصف الدواء لأنفسهم.
اخطاء
الدكتور وائل المحاميد، نائب الرئيس الطبي استشاري ورئيس قسم القلب في مدينة الشيخ خليفة الطبية.من الأخطاء الشائعة والخطيرة، أن يقوم ذوو الأطفال بمنحهم المضادات الحيوية من تلقاء أنفسهم، في حال تعرضهم لأمراض البرد والإنفلونزا.
وذلك من دون عرضهم على الأطباء، ومن المؤسف حقاً أن البعض يتقمص دور الطبيب، فيحسب أنه يقدم لطفله العلاج السريع بالمضادات، في حين أنه يقترف ذنباً في حقه، ويتسبب في تدمير مناعته الذاتية بغير علم.ويتابع: إن مشكلة الاستخدام المفرط للدواء ليست مشكلة إماراتية أو عربية فقط.
ولكنها مشكلة عالمية، وهي أكثر بروزا وتفشياً في المجتمعات التي تعاني من انخفاض مستويات الوعي الصحي، مشيراً إلى أن علاجها لا يمكن أن يتأتى فقط بسن التشريعات أو تشديد الرقابة على تداول الأدوية.
أبوظبي- محمد مصطفى موسى
