قبل ثلاثة أعوام تحديداً؛ حينما أوشكت على الخلاص من مهمتها «الإسنادية» في تعليم أبنائها السبعة، وجدت بين يديها مبلغاً صغيراً من المال.. وقد حرصت على الاحتفاظ به بسرية الأمومة، أملاً في تحقيق حلم راودها منذ سنوات طويلة، فهي على أعتاب الستين عاماً ولم يسايرها القدر في زيارة بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج.

مريم حمدان الأم التي أجادت فن التضحية في تربية أبنائها ومنحهم الوقت والجهد والمال والثقة نحو المستقبل، تمكنت في غفلة من العمر من عزل مبلغ بسيط يوازي بضعة آلاف من الدراهم أو أقل.. حفظته بصيغة الحرص والاستثمار لتتمكن به من أداء فريضة الحج..تلك الأم كانت تجلس مستمعة إلى نقاش أبنائها التقليدي حول تقلب أسعار العملات أو الذهب..تنصت دائماً ثم تتحين الفرصة للتغيير من عملة إلى أخرى، وفي أيام أخرى تزور سوق الذهب بتمعن من أجل الشراء أو البيع، حتى تمكنت وفي غضون سنوات قليلة من جمع التكاليف اللازمة لأداء فريضة الحج لها ولمحرم معها.. كل ذلك ظفرت به مريم بعد أن أجادت ببساطتها وإصرارها وحدسها التقليدي، فن التعامل مع سوقي الذهب والعملات في البيع والتبديل والشراء.:فرصة ذهبية:تلك حالة أم اقتنصت بصبرها «فرصة ذهبية» اقتربت منها حينما حلقت أسعار الذهب إلى ارتفاع غير متوقع بحسب المراقبين، وبها ارتقت إلى مشارف حلم عمرها بفعل تمكنها من جمع ما يلزم من نفقات الحج..ولأغراض أخرى مختلفة، تضيق ممرات أسواق الذهب في الدولة بنماذج عديدة لأمهات يرتدين ملامح الثقة في مناكفات البيع والشراء من أجل كسب مبالغ مالية إضافية بعد التخلي عن غرامات متعددة الأشكال والأصناف من ذهب الماضي الذي ظل متروكاً في خزائن الذكريات، وهو سيظل السلعة التي تأبى التخلي عن تحطيم الأرقام القياسية في الارتفاع يوماً بعد يوم.. أما التجار فهم يؤكدون علانية أنهم «الرابح الأكبر» في معادلة البيع والشراء التي تمتهنا النسوة هذه الأيام.

هدى عبيد، أم لخمسة أبناء، تؤكد أنها زارت مؤخراً أكثر من محل لبيع وشراء الذهب، وهي تفكر عن قناعة في بيع كمية محدودة من الذهب الذي احتفظت به مدة تزيد على 23 عاماً وهو عمر زواجها.موضحة أنها تقف في بعض المرات في حالة تردد أمام واجهات المحلات التي تنشط بها حركة النسوة هذه الأيام، وهي تمني النفس بالصبر قليلاً على أمل ارتفاع آخر في أسعار الذهب، وذلك على الرغم من أن الكمية الصغيرة التي بحوزتها ستمنحها كمية ربح تقدر بآلاف الدراهم.:أرباح سهلة:وتضيف هدى أن الذهب أمسى هذه الأيام السلعة المثالية التي تجني أرباحاً سهلة في بورصة تفكير النساء، مشيرة إلى أن هناك أمهات كثيرات لجأن إلى بيع ذهبهن القديم لأغراض مختلفة، فمنهن من تبيع من أجل دراسة أبنائها الجامعية.وأخرى لتوفير مبلغ من المال يسد شيئاً من التزامات عائلتها المرهقة مع البنوك، وثالثة تبيع للتغلب على أعباء الحياة المعيشية ومسايرة الغلاء، مؤكدة وجود نماذج أخرى لنساء يتقنّ فن البيع والشراء لهوس نسائي لا يكتمل إلا مع زوايا وجدران ومرايا محل مجوهرات يبرق بمعروضاته الذهبية من كل اتجاه.أما أم سعيد، وهي واحدة من مجموعة من النساء يحملن كميات من الذهب ظل مخزوناً منذ عشرات السنوات، ويتنقلن به بين أكثر من محل للمجوهرات في السوق المركزي بالشارقة، فتؤكد أنها وحينما علمت عن ارتفاع أسعار الذهب.حملت مجوهراتها التي زاد عمرها على 20 عاماً وجاءت بها من أجل بيعها وشراء مصوغات أخرى من المجوهرات والألماس من باب التجديد وحسب، لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن بعض جاراتها لجأن إلى بيع كميات من الذهب واحتفظن بمبالغ نقدية على أمل استثمارها في جوانب أخرى.

بيع جماعي

وفي السياق ذاته يقول محسن شعيفان، مسؤول محل الرميزان للمجوهرات في الشارقة، إن حركة بيع الزبائن للذهب تفوق الشرا نسبيا، فحركة البيع زادت بواقع 60% مقابل 40% للشراء، وهو ما يأتي على حساب السيولة في السوق، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن الارتفاع الحاصل في أسعار الذهب عالمياً دفع الجمهور إلى ممارسة «هواية» البيع الجماعي، على أمل كسب مبالغ مالية مجزية نسبياً.

ويضيف شعيفان أن نسبة قليلة جداً من الجمهور تقرر شراء كميات محدودة من الذهب هذه الأيام، مع العلم أن الذي يشتري أو يحتفظ بذهبه هو من سيكسب عما قريب، فجميع الدلائل تشير إلى ارتفاع متواصل للذهب.

ومنذ العام 2000 وحتى يومنا هذا تضاعفت أسعاره مرات عديدة، وإلى اليوم لا أحد يتوقع أن ينخفض سعر ذلك المعدن الأصفر، والواقع يوحي بارتفاع آخر أو ثبات على أقل تقدير، لافتاً إلى أن سعر الذهب بين العام الماضي وهذا العام ارتفع بنسبة 65%، حيث كان سعر الجرام 95 درهماً وأصبح اليوم في حدود 160 درهماً.

الزبون يخسر

تلك المؤشرات كما يؤكد شعيفان، دفعت أعداداً كبيرة من النساء على حمل ما لديهن من ذهب الماضي والبحث به عن أسعار أفضل بين محلات المجوهرات أملاً في كسب أموال مرضية، وهو ما كان لهن على أرض الواقع، لكن في حسابات السوق فإن البائع هذه الأيام سيخسر حتماً لأنه يفقد قيمة المصنوعية، وفي النهاية تضطر النسوة إلى بيع ذهبهن لحاجة ملحة للمال وذلك الحاصل في السوق حالياً.

ويوضح مسؤول محل الرميزان للمجوهرات أن أسعار الذهب المرتفعة كثيراً قللت من فرص شراء الزبائن للمصوغات المختلفة، فالشبكة قبل بضعة أعوام كانت تكلف نحو 13 ألف درهم، أما اليوم فهي تعادل 30 ألفاً أو أكثر، وهذا الواقع أبعد المتسوقين عن حالة الشراء.

ولم يتبق من المشترين سوى المقدمين على الزواج وهم أيضاً لا يسرفون في الشراء، وبالتالي تظل حركة البيع أكثر بكثير من واقع شراء الزبائن للذهب على الأقل في الوقت الراهن، بحسب ما يوضح شعيفان.

أما الطلب على السبائك فهو يُتداول هذه الأيام لدى التجار أنفسهم، كما يقول محسن شعيفان، فالتجار يلجأون إلى تعويض الأموال النقدية بسبائك تحفظ لهم عدم افتقاد القيمة الشرائية للأموال، لا سيما في ظل تواصل ارتفاع الذهب بشكل شبه يومي.

وفي هذه الأيام بالتحديد لا يجرؤ التجار على الاحتفاظ بالأموال النقدية ليوم أو يومين، حيث يسارع الجميع إلى تعويض المبالغ النقدية التي بحوزتهم بسبائك تضمن لهم عدم الخسارة، وذلك حتماً سيكون على حساب السيولة النقدية التي تدنت بفعل واقع الارتفاع المتواصل في أسعار الذهب عالمياً.

منطق البيع من أجل الربح

أجمع مراقبون على أن ارتفاع أسعار الذهب غير المتوقع عالمياً دفع باتجاه حركة لا تتوقف من قبل الزبائن الباحثين عن بيع منطقي للذهب الذي ظل مخزوناً لسنوات، فيما لجأ التجار إلى ما هو أشبه بعملية مقايضة الذهب بالذهب، وبعضهم أحجم عن شراء الذهب من الزبائن بفعل ضعف السيولة النقدية في السوق.

وأمام هذا الواقع يحرص الكثير من التجار على المضاربة على «المصنوعية» من أجل تحصيل هامش ربح بسيط، وهو ما منح الزبون المشتري ثقة على المقايضة من أجل تخفيض سعر المصنوعية، حتى أمسى وكأن سعر الذهب لم يعد موحداً في السوق.

ويؤكد المراقبون أن حركة بيع المصنوعات الذهبية تضاءلت كثيراً، وزادت في المقابل حركة الشراء للسبائك الذهبية التي تحافظ على قيمتها بفعل خلوها من المصنوعية، وقد بات الجمهور على ثقة مطلقة بأن الاستثمار في الذهب يعد الملاذ الآمن لهم، لا سيما وأن أسعاره لا تزال تواصل الارتفاع منذ عشرات السنين.

أحمد أبو غوش: الذهب المباع يتحول إلى سبائك

أحمد سامي أبو غوش مدير أحد مصانع المجوهرات سابقاً، يرى أن تضاعف أسعار الذهب في غضون سنوات قليلة، وتخطي سعر الجرام الواحد حاجز الـ 150 درهماً، حرض في الطرف المقابل النساء والرجال معاً على نبش خزائن الماضي واستعادة حسابات قديمة لفواتير بالية.

أملاً في الحصول على كمية ربح مرضية في بيع عشرات الجرامات من «ذهب مناسبات العمر».. وهو ما يدفع باتجاه حركة نشطة في أسواق الذهب، فيما يقود في الطرف المقابل إلى مكاسب مضاعفة تظفر بها جيوب التجار قبل أن تأخذ الأمهات نصيبها من الربح.

ويضيف أن الذهب الذي يأتي إلى خزائن التجار يُصب في سبائك ولا يعاد تصنيعه على شكل قطع فنية، فالطلب حالياً محصور بشكل كبير على السبائك، مؤكداً أن أحد المصانع توقف كلياً عن إنتاج القطع والمصوغات الذهبية، وتركز عمله في صناعة السبائك وحسب، وذلك تطور منطقي يساير مؤقتاً حالة الإقبال الجماهيري على البيع.

ويؤكد أبو غوش أن الجمهور يتردد هذه الأيام إلى أسواق الذهب بمسميات الشراء والبيع بحكم حالة الارتفاع في السوق، حيث تجد الكثيرين يبيعون لأغراض مختلفة، ودافعهم الوحيد «فرصة ذهبية حقيقية» لتحقيق كمية معقولة من الربح.

مشيراً إلى أنه يتوقع ارتفاعاً متواصلاً لأسعار الذهب في الفترة المقبلة، لا سيما وأن الشهور المقبلة تزخر بالمناسبات والأعياد، وعلى أقل تقدير فإن أسعار الذهب ستحافظ على مستوياتها عالمياً، ومن غير المتوقع إطلاقاً أن تنخفض في الأيام أو الشهور المقبلة.

ويلفت أحمد أبوغوش إظطلى أن رأسمال تجار الذهب تضاعف هذه الأيام إلى نحو خمسة أضعاف ولكن من دون سيولة نقدية، وذلك بحكم الارتفاع المتواصل في الأسعار بالإضافة إلى رغبة البيع من قبل الجهور.

دبي ـ عنان كتانة