في زمن مضى، كان العمود الصحافي في الجريدة المصرية أول ما قد تقع عليه العين، وكانت الأسرة تتخاطف الصفحات من أجل قراءة مقالة العمود لكاتب معين. اليوم، ومع ازدحام الصحف اليومية بعشرات - إن لم تكن المئات من الأعمدة- فإن القراء عزفوا عنها بعد أن أصبح كل من هب ودب، على حد قولهم، يكتب عمودا.. فلمن يكتب إذن كتّاب الأعمدة، وماذا يكتبون، وهل يقرأ لهم أحد؟ وهل مازال لهذه الأعمدة صدى وتأثير كما بالأمس ؟
يقول الكاتب الصحافي محمد عبدالعزيز أن المتابع لحال الصحافة الآن يجد عزوفا كبيرا من القراء عن قراءة الصحف عموما بسبب الإنترنت والتطور المعلوماتي، أما بالنسبة للعمود الصحافي فلم يعد قارئ اليوم هو نفسه قارئ الأمس الشغوف بمتابعة الأعمدة يوميا، التي كان من خلالها تتشكل ثقافته ورؤاه..مشيرا إلى أنه على الرغم وجود المئات من كتاب الأعمدة فإن القارئ انصرف عن معظمهم، ليس لأسباب اجتماعية أو اقتصادية لكن لغياب الشروط الأساسية التي يجب توافرها في كاتب العمود وأهمها الموضوعية المطلقة، بمعنى ألا ينحاز الكاتب لفريق على حساب فريق آخر أو يتبنى حملة للهجوم على شخص ما من أجل المصلحة المادية.
وبجانب ذلك يجب أن يكون العمود الصحافي متضمنا بيانات وحقائق ومعلومات دقيقة، لأنه مع اتساع مدى الرؤية وتنوع مصادر المعلومات سواء من الصحافة الإلكترونية أو الفضائيات أو الإنترنت تحول العمود إلى مصدر للمعلومات وليس معرضاً للبلاغة الإنشائية، ومضمونه كذلك يجب أن يحوى موضوعات ذات قيمة.ويتطرق عبدالعزيز إلى الفرق بين كتّاب العمود في الماضي والحاضر، مؤكدا أن الفرق شاسع بين العصرين، فقديما كان هناك عمالقة يكتبون ويعلّمون غيرهم فنون العمود.
مدللا على ذلك بالكاتب على أمين- أول من كتب العمود بصحيفة أخبار اليوم- فقد كان يعلّم تلاميذه أن العمود الصحافي كالتلغراف الذي يدفع القارئ ثمنا لكل كلمة به، ما يعنى أن كاتب العمود لابد أن تكون لديه خبرة كبيرة في كتابة العمود، وهو الأمر الذي لا يتوافر في معظم كتاب الأعمدة اليوم والذين يكتبون أعمدة تصل أحيانا صفحة كاملة من الجريدة كمقال افتتاحي.
أعمدة الاستسهال
الرأي نفسه يؤيده الكاتب الصحافي على الجمال، مؤكدا أن القراء الآن لديهم الخبرة للتفريق بين ما هو غث وسمين، فعلي الرغم من شهدته السنوات العشر الماضية من تزايد في الأعمدة الصحفية، فإن القراء باتوا يلتفون حول العمود الذي يعتمد على التقاط الفكرة الثمينة وصياغتها بأسلوب ممتع.
كما يحدث مع كتّاب أعمدة نالوا احترام القارئ مثل مجدي الجلاد، رئيس تحرير جريدة المصري اليوم، وصلاح عيسى، رئيس تحرير جريدة القاهرة، وإبراهيم عيسى، رئيس تحرير جريدة الدستور الذي اقيل اخيرا ..
أما أعمدة الاستسهال فلا تلقى أي صدى خاصة بعد أن أصبح كل من هب ودب يكتب ويضيف أن كاتب العمود كلما تبنى قضايا مجتمعية مهمة بموضوعية وصدق التف القراء حوله، لكنه أكد أن موضوعية وصدق الكاتب مرتبطان بشكل كبير بسقف الحرية السياسية، فهو أهم ما يحتاج إليه كاتب الرأي.
في السياق ذاته يرى الكاتب الصحافي محمد أمين صاحب العمود الصحافي «على فين» أن توزيع الصحف المستقلة والحزبية الى جانب القومية يؤكد أن هناك إقبالا من القارئ على كتاب العمود الجيدين الذين تتهافت عليهم الصحف لنشر كتاباتهم بها حتى تجذب القارئ.
ويضيف أن العمود الآن أصبح معادلاً موضوعياً أمام الصحافة الخبرية التي تفوقت بها برامج «التوك شو» بالفضائيات.. مؤكدا أن العمود الصحافي مازال يجد قبولا لدى الجماهير، خاصة عندما يتحدث عن الفساد وقضايا الإهمال.
على صعيد متصل، يشير الكاتب الصحافي حمدي رزق، رئيس تحرير مجلة المصور، إلى أن العمود أنواع: منها عمود المعلومات وهذا تراجع بسبب عدم حرية تداول المعلومات، ما أدى إلى تزايد الفجوة بين الصحافي والمسئول.. ولذا أفضل كاتب للعمود هو من يعمل بالمطابخ الصحفية وتتوفر لديه ملكة المحقق الصحافي.
الكتابات الشخصية تخلق العداوات
يفضل الكاتب الصحفي حمدي رزق، رئيس تحرير مجلة المصور كتابة العمود الشخصي «فهو الذي به جزء من الكاتب لذلك يخلق أعداء كثيرين له أكثر من الأصدقاء»..
وهناك العمود الساخر وهو نادر حالياً لأنه يحتاج إلى قدرات وثقافة وخبرة إنسانية بخلاف خفة الظل، ومن أشهر من يكتب في هذا المجال الكاتب أحمد رجب وقبله الراحل محمود السعدني.
أما الباحث الإعلامي محمد شعبان فيرى أنه رغم أن أداء الصحافة بكل أنواعها بات مهزوزا فإنه مازال قلة من كتاب الأعمدة يبحث عنهم قارئ النخبة، لكنه يلفت في الوقت ذاته إلى أن هناك بعض الأعمدة تحولت إلى ساحة للشتائم بين كتابها.
وهذا نلاحظه بين كتّاب في الصحف القومية وأخرى مستقلة، حيث يتبارى كل طرف في مهاجمة الآخر.. والأمر لا يختلف كثيرا في بعض الأعمدة الفنية أو الرياضية التي أصبحت تعتمد على الإثارة وترويج الشائعات لإرضاء الجمهور فقط.
لغة الخواطر تتغلب على العمق
يرى الكاتب الصحافي محمد أمين صاحب العمود الصحفي «على فين» أن العمود الصحفي مازال الجاذب الأول للقارئ لشراء الجريدة.. لافتا إلى أن العمود الصحفي من أصعب فنون الكتابة الصحفية، وصعوبته تكمن في الحفاظ على السخونة والتقاط فكرة جديدة والقدرة على التعبير عن الأحداث الجارية والقضايا الملحة بطريقة عميقة وبسيطة في الوقت نفسه ومختصرة جداً وفي مساحة صغيرة للغاية.
موضحا في الوقت ذاته أن هناك الكثير ممن يكتبون العمود الآن ليست لديهم قدرة ومعرفة بالأحداث، وتحول الأمر عندهم إلى مجرد خواطر أو انطباعات شخصية.
أما الكاتب الصحافي بلال فضل صاحب العمود الصحافي «اصطباحة» بجريدة «المصري اليوم» المستقلة فيؤكد أن هذا العصر هو عصر الشباب الموهوبين والصحفيين الشباب، فهناك حالة من الازدهار في فن كتابة العمود الصحافي، وتحول الكتّاب الشباب إلى سلع أساسية يتعاطاها القارئ وتتنافس عليها الصحف المختلفة.
القاهرة - دار الإعلام العربية


