في العرض الأخير من مهرجان دبي لمسرح الشباب في دورته الرابعة، الذي قدمته فرقة المسرح الحديث في الشارقة، طغت العناصر الإخراجية في مسرحية «باب»، التي استضافتها خشبة مسرح الثقافة والعلوم مساء أول من أمس، على ما عداها من المكونات الرئيسية للعمل المسرحي وعلى رأسها النص المسرحي، فبدا العرض وكأنه ينتمي إلى زمن آخر، لا سيما وأن الجمهور خرج بغالبيته وفي ذهنه شك بأنه فهم فكرة النص الذي وضعه مرعي الحليان والرؤية الإخراجية التي صممها محمد صالح وأداها عبد الله المقبالي (العجوز) وعلياء المناعي (الفتاة).
وفيصل علي (جاسم) وحسن المرزوقي ومحمد المصلحي وباسل التميمي، اعتمادا على ديكور مقومه الوحيد هو هياكل خشبية متفاوتة الحجم تشبه كراسي بأرجل طويلة لا ظهر لها.
بدت ملتبسة تلك اللحظة الفاصلة بين العنصر الحقيقي الوحيد في العمل ممثلا بشخصية جاسم وبقية العناصر القادمة من عالم الفنتازيا ممثلة بمجموعة من المشاهد المتعاقبة التي تلقي الضوء على طريقة تفكير الشاب جاسم الذي قد لا يختلف كثيرا عن أقرانه من أبناء جيله الحالم بحبيبة وثروة ونفوذ والمكتوي بحرقة معرفة ما يخبئه الدهر له في محاولة لقراءة مستقبل صفحاته مجهولة.
هناك مستويان للهيكل العام للعمل، مستوى تجري أحداثه على الأرضية الخشبية، والآخر والأهم الذي تجري أحداثه فوق تلك الهياكل الخشبية، حيث يجسد الأول الجانب الواقعي من القصة بينما يعرض الثاني للجانب الفنتازي منه والذي ينطوي على مجموعة من الرسائل المهمة التي وصلت إلى المتلقي بشكل ملتبس مثل حب الوطن والقناعة والخيانة وعدم الخوض في المجهول والدخول في مغامرات غير محسوبة.
السحر والشعوذة تصل مؤشراتهما الأولى من خلال الدخان المنبعث من جنبات بيت العجوز الذي يدخله الشاب جاسم خطأ وهو ينتظر محبوبته في موعد غرامي متخيل، وسرعان ما يعيش حلمه الأول ويلتقي حبيبته على شاطئ البحر، يتبادلان عبارات الغزل، يريان طيرا محلقا، يتمنيان لو كانا مثله قادرين على التحليق سعيا وراء حرية منشودة، وبمساعدة ذلك العجوز، الذي يبدو مشعوذا ومجموعة تحوم في فلكه يتنقل جاسم من غرفة إلى أخرى ومن حلم إلى آخر وما ان يخرج من كابوس حتى يدخل بآخر، فمرة يتعرض للقتل طعنا بخنجر وأخرى بطلقة مسدس، وكل ذلك يجري بخلفيات وأوضاع تتشكل ويعاد تشكيلها طوال الوقت اعتمادا على تلك الهياكل الخشبية.
الندوة تكمل العرض
شكلت الندوة التي أعقبت المسرحية، التي أدارها الفنان خالد البناي وشارك فيها الحليان وصالح، جزءا مكملا للعرض، حيث وصف البناي النص المسرحي بالواقعي والرومانسي لما يزخر به من مفردات رشيقة هي أقرب إلى النثر الشعري.
وكما كان متوقعا، جاءت المداخلات مليئة بالملاحظات والمآخذ التي تحدثت عن الغموض الذي شاب فكرة العمل بسبب زيادة جرعة الخيال والديكور والسينوغرافيا وكثرة تحريك الكراسي وتغيير تشكيلاتها، التي شكلت إعاقة لتطور العمل، حتى ان إحدى الملاحظات طالبت بتغيير اسم النص من «باب» إلى «كراسي»، مما دفع البعض إلى الحديث عن حضور الإخراج وغياب النص، وضرورة التفريق بين الفنتازيا والعشوائية وتحديد الخط الفاصل بين الواقع والخيال والابتعاد عن الخلط بين المدارس الفنية.
هذا التباين في وجهات النظر، قابله ارتياح من قبل المؤلف والمخرج، اللذين تقبلا الملاحظات ورحبا بها بروح رياضية، وأكدا إصرارهما على مواصلة البحث في المسرح وسلوك دروب جديدة فيه.
بينما اتفق الجميع على أن الوقت والامكانيات المخصصة لإعداد العمل المسرحي لم تكن كافية ليس في حالة «باب» فحسب وإنما في كافة العروض الأخرى، التي غلب عليها الاستعجال، ما دفع ياسر القرقاوي مدير الفنون الأدائية في هيئة دبي للثقافة إلى دعوة المسرحيين الشباب الذين يودون المشاركة في الدورة المقبلة من المهرجان للبدء من الآن في الاستعداد لذلك وإلى المشاركة في الدورات المسرحية المتخصصة.
بينما تمنى الفنان عمر غباش على فريق عمل المسرحية أن يعتبر هذا العرض تدريبا عاما وأن يتقبل الملاحظات ويستفيد منها، منوها إلى أن مهرجان دبي لمسرح الشباب لا يزال ينمو ويتطور.
دبي - باسل أبوحمدة
