المدرسة الخضراء بأدق المقاييس الطبيعية.. وجدت على ذلك النحو بعد جهود متراكمة تواصلت على مدى سنوات عديدة، والغاية من خضرتها متمثلة في أكثر من هدف، أما أبرز تلك الأهداف فيتلخص في السيطرة على سلوكيات الطلبة السلبية وتوجيهها واستيعاب الطاقات الطلابية في أمور عملية، ما ينتج عنه حتماً تقليصاً للمشكلات الطلابية لا سيما في فترة المراهقة الأولى.

وهو ما كان بالنسبة لمجتمع الطلاب في مدرسة الرازي الحكومية والمختصة بمرحلة التعليم الإعدادي في دبي، التي تمكنت ببريقها الأخضر من نثر ملامح الحب والحرص والتعاون والإنجاز بين الطلبة أنفسهم، وبين الطلبة والمعلمين، وبين المدرسة والمحيط الخارجي بأكمله.وتحتضن المدرسة الخضراء في دبي إلى أكثر من خمسة آلاف شجرة وشتلة خضراء موزعة على مختلف المساحات في المدرسة، ناهيك عن آلاف النباتات الزراعية من الخضروات والورقيات، إضافة إلى آلاف أخرى من الزهور والورود الموسمية التي تبدأ بالياسمين ولا تتوقف عند حدود القرنفل أو الغاردينا، وأعداد كبيرة من أسماك الزينة في حوض وجد خصيصاً لإنتاج هذا النوع من الأسماك.

يوسف حسن مدير المدرسة الخضراء، يؤكد أن مشاريع مدرسته الخضراء التي لا تضيق بها أروقة المدرسة والمساحات الخلفية المحيطة، أمست علامة فارقة في مشوار المدرسة الأكاديمي والعلمي والمجتمعي، لا سيما وأن إنتاجها من الورود والشتلات الأخرى يفوق حاجتها ويطال المجتمع الخارجي وبعض المدارس القريبة، فيصرف على شكل هدايا من الطلبة أنفسهم إلى جهات عديدة، وتلك جوانب أخرى مريحة يشعر بها الطالب وهو يؤدي مهام إيجابية من صنع يديه.

زراعة مدرسية

أما مصطفى الشحات مدرس مادة العلوم في مدرسة الرازي وأحد القائمين على مشروع الأحواض الزراعية في المدرسة فيؤكد أن الزراعة في المدرسة فاقت في حجمها حدود المباني الدراسية وآتت أكلها على مختلف الصعد السلوكية والتعليمية والبحثية والمجتمعية، مشيراً إلى أنه وفي بداية كل عام دراسي يبدأ مجتمع مدرسة الرازي بإدارته ومعلميه وطلبته عملهم المعتاد في زراعة وتنمية الأحواض الزراعية والمساحات المشجرة إضافة إلى حوض أسماك الزينة، وبذلك يبدو المشهد في حالة اهتمام مبالغ من مختلف أطراف العملية التعليمية.

قبل بضعة أعوام وحينما استقرت الفكرة على زراعة الخضروات والأشجار المثمرة والمعمرة في المدرسة، لجأت الإدارة إلى الاستعانة ببذور محددة من المشاتل الخارجية، أما اليوم فإن المزروعات كافة تنتج من هذه الأشتال ما يكفي حاجة المدرسة أو يزيد، وبالتالي تظل «صناعة الخضرة» قائمة ومتواصلة عاماً بعد عام في مساحات متفرقة من المدرسة، بحسب ما يوضح الشحات.

مرافق خضراء

وإضافة إلى الشحات يشرف على مشاريع الأحواض الزراعية في مدرسة الرازي معلمون آخرون منهم غطفان علي ومسعود محمود مدرسا مادة العلوم في المدرسة، وجميعهم يظهرون كمية مبالغة من الاهتمام بمختلف المرافق الخضراء في المدرسة.

والتي بدورها تنتج كل عام آلاف الشتلات من شتى المزروعات سواء كانت الخضراوات مثل الطماطم والملفوف أو الورقيات مثل البقدونس والجرجير أو الزهور الموسمية بأنواعها العديدة، ناهيك عن الأشجار المثمرة والمعمرة مثل النخيل؛ واللوز والليمون والبرتقال قريباً، التي تزين ساحات المدرسة الداخلية والخارجية وتنتشر بكثرة في حدائق جانية حول القاعات الدراسية ومباني الإدارة والمعلمين.

أما حوض الأسماك المختص بإنتاج أنواع محددة من أسماك الزينة، فهو يضم حضانات لليرقات ومساحات مجهزة تقدر بـ 20 متراً مربعاً، وبها يتم تربية أسماك الزينة لأهداف مختلفة منها الاستفادة العلمية والأكاديمية والبحثية للطلبة الذين يبدعون مختلف المهام الزراعية بأيديهم، أو بهدف تزيين الممرات والقاعات الدراسية بأحواض زجاجية تحتضن الكثير من هذه الأسماك، ناهيك عن كون أن الماء في أحواض إنتاج الأسماك يستغل في المختبرات والأبحاث العلمية التي يقوم بها الطلبة بأنفسهم، بفعل وجود الطحالب والكائنات الأولية الكثيرة.

مجموعات طلابية

الطلاب خلفان ضاحي ومحمد عمار وخالد حسين وسيف عبدالله، هم عينة من طلبة كثيرين يهتمون برعاية وتنمية المشاريع الزراعية في مدرسة الرازي، وينضوون تحت لواء مجموعات طلابية تتناوب العمل ضمن هذه المشاريع.

حيث يؤكدون أنهم يتسلحون بكمية كبيرة من المتعة والانسجام مع مثل هذه المشاريع الهادفة والخارجة عن الإطار التقليدي للعملية التعليمية، لا سيما وأن النتائج التي يلمسونها في مثل هذه المشاريع تفوق في متعتها ومكانتها الساعات التي يقضيها الطلبة في العمل بين هذه الأحواض أو في المختبرات العلمية من أجل إنتاج البذور والشتلات أو للقيام بالتجارب العلمية المفيدة.

الأهم من وجهة نظر الطلاب أن مدرستهم السباقة في هذا الجانب أمست مركزاً لإنتاج الأشجار والشتلات والخضراوات والورود والأزهار وحتى أسماك الزينة، وكل تلك المنجزات تُهدى إلى مدارس أخرى أو لأولياء الأمور والزائرين أو يستفيد منها الطلبة أنفسهم، وذلك دافع إيجابي يحض القائمين على المشروع على مواصلة عملهم بانتظام وباجتهاد، وصولاً إلى مراتب أفضل في مجال الزراعة والإنتاج والتوزيع.

نفسيات الطلاب

تلك المشاريع المدرسية الزراعية والنوعية لا يمكن أن تخرج عن مسمى الأنشطة الدراسية الإيجابية بكافة صورها، لا سيما وأن الفائدة من وراء نثر الخضرة في المدرسة وفي المحيط الخارجي تعود بالدرجة الأولى على نفسيات الطلبة والمعلمين الذين يجدون أنفسهم في موقع الشخصية المنتجة رغم محدودية الإمكانيات والوقت، بحسب ما يؤكد جابر الخلصان وكيل مدرسة الرازي للتعليم الأساسي في دبي، الذي يضيف أن الطلبة من الصف السادس وحتى التاسع، يجدون متسعاً من المتعة والدافعية للعمل بين الأشجار الكثيرة والأحواض الزراعية من خضروات وورود وأسماك، ودافعهم الأكبر يأتي بفعل ملامستهم لواقع الإنتاج الملموس.

تجربة

ويؤكد أن التجربة لاقت استحسان الطلبة وأولياء الأمور وعدد من المسؤولين في قطاع التربية والتعليم، خاصة وأن المشروع بتفاصيله المترامية تعليمي واستثماري في الطاقات والمناهج التي يدرسها الطالب.

مشيراً إلى أن المشروع تمكن إلى درجة تفوق التوقعات من السيطرة على الطاقات السلبية لبعض الطلاب وتوجيهها في أمور مفيدة ومجدية للطالب وللعملية التعليمية وللمجتمع المحيط، لا سيما وأن المشاريع الخضراء المختلفة تدار بأيدي طلابية وهي حتماً تجد اهتماماً من الطلاب والمعلمين والإدارة المدرسية التي تحرص على توسعة المشروع الزراعي عاماً بعد عام، لأن الفائدة منه تبدو أكبر بكثير من حدود النشاط الطلابي.

طالما أن المشكلات السلوكية داخل المبنى المدرسي انخفضت إلى مسمى «لا تذكر»، فيما تأهل الطلاب بالتجارب العلمية والأداء العملي واليدوي إلى واقع أكاديمي أفضل بكثير، بحسب شهادات المعلمين وكشوفات التقييم المدرسية.

تجربة زراعية تساند المناهج الدراسية

تجربة المدرسة الخضراء التي تنتهجها إدارة مدرسة الرازي للتعليم الأساسي في دبي منذ سنوات عديدة، تعتبر أداة فاعلة في مضاعفة الوسائل التعليمية وإيجاد التجارب الإضافية والبديلة بالنسبة للطلبة وفي مختلف المناهج التي يدرسونها بحسب ما يوضح جابر الخلصان وكيل المدرسة.

ويضيف أن المزارع والأحواض العديدة التي يحتضنها الحرم المدرسي لا تقتصر فقط في فائدتها الدراسية على المواد العلمية وحسب، وإنما تطال أيضاً جانباً رياضياً وهندسياً مهماً، حيث يحرص المعلمون على تمكين الطلبة من إنجاز أحواض جديدة وزراعة شتلات مختلفة بمقاييس محددة ومطابقة لأشكال هندسية وحسابات رياضية دقيقة، حيث يبقى الهدف منها زيادة مساحة التطبيق العملي بالنسبة للطلبة.

ويؤكد أن المعلمين القائمين على المشروع الزراعي في المدرسة، يهتمون بتقسيم الطلاب إلى مجموعات محددة تتولى كل واحدة القيام بمهام موضوعة من أجل استكمال العمل الزراعي على النحو الأكمل، ففي المختبرات تتم عملية إنتاج وحفظ البذور نهاية كل عام دراسي، والتي يستفاد منها مطلع العام الدراسي الجديد، أما الفائض من مزروعات الخضار والزهور فيهدى إلى الزوار وأولياء الأمور وإلى المدارس الأخرى، وكل تلك الملامح تصب في خانة ترغيب الطلبة بالبيئة المدرسية التي تعتمد الخضرة أداة فاعلة للنشاط الدراسي.

دبي ـ عنان كتانة