مع تفاقم حالات الإصابة بمرض السكري في مجتمعاتنا العربية بشكل عام وفي الإمارات على وجه الخصوص، ومع تزايد التحذيرات العالمية بارتفاع نسب المصابين بالمرض حول العالم وخطورة هذا التزايد، ومع الارتفاع المضطرد في أعداد المصابين بالسكري في منطقة الخليج، ومع الاستعداد الوراثي المرتفع لدى أبناء الدولة، كان لابد من الوقوف على حقائق تزايد هذا المرض وأهم طرق مواجهته.
في البداية قال الدكتور عبدالرزاق المدني، المدير التنفيذي لمستشفى دبي واستشاري مرض السكر والغدد الصم ورئيس الجمعية الخليجية للسكري، إن الإمارات تعد واحدة من الدول التي سجلت نسب إصابة مرتفعة بمرض السكري.
حيث من بين كل أربعة إماراتيين يوجد مصاب واحد بالمرض، وكل مصاب بالمرض يقابله شخص لم يتم تشخيصه، وعلى مستوى العالم تشير الحقائق إلى أن دول الخليج الستة تشغل مقدمة قائمة الدول العشر الأكثر معاناة مع هذا المرض على مستوى العالم، ومن هنا نقرع أجراس الخطر للتحذير من هذا المرض الذي يتسلل خفية وربما يكتشف بعد فترة طويلة من الإصابة به، وربما كان ذلك هو السبب في أن يطلق عليه مسمى (القاتل الصامت).
لجنة خليجية
ويضيف د. عبدالرزاق المدني أن دول مجلس التعاون الخليجي شكلت فيما بينها اللجنة القومية للوقاية من مرض السكري، ووضعت خطة طويلة المدى تصل إلى عشر سنوات مقبلة للعمل على وقف الارتفاع المتزايد في حالات الإصابة.
ويشير د. المدني إلى بداية إطلاق حملة (عام مكافحة السكري)، والتي انطلقت في العام الاخيرة كواحدة من أهم الخطوات التي قامت بها الجهات المعنية في الإمارات لمكافحة المرض، والتي كان لها أثر كبير على كل المستويات من حيث التوعية الوقائية أو العلاج.
ويشير د. المدني إلى وجود شراكة أصيلة بين مؤسسات المجتمع المختلفة وبين أجهزة مكافحة المرض، وضرب مثلاً بالمدارس التي عملت على زيادة الأوقات المخصصة لحصص التربية الرياضية، وزيادة الجرعات التوعوية الخاصة بفئة المراهقين والشباب، والتي تتناول مضار الإفراط في تناول الوجبات السريعة والأطعمة التي تتضمن مواد غذائية تضر بالتوازن الغذائي لهم في هذه المرحلة.
مؤسسات متعاونة
وقال د. المدني إن الأندية الرياضية ووسائل الإعلام والمراكز التجارية الضخمة وغيرها من المؤسسات التي تخدم المجتمع، يقع عليها دور مهم في مكافحة المرض، ولقوم بعضها بممارسة هذا الدور بجدية والتزام من خلال تزويد المرافق التي توجد بها بالمعدات الرياضية التي تمكن العامة من ممارسة النشاط الرياضي في أقرب موقع، كذلك يعتبر منع التدخين في الأماكن العامة أحد الإسهامات الإيجابية في الحد من هذه الظاهرة السلبية.
الفحص الدوري
ويضيف د. المدني: على الرغم من كل الإجراءات التي سبقت الإشارة إليها، وبرغم سباق الجهود الرامية إلى خفض نسب الإصابة بمرض السكري، إلا أن هناك عقبات تواجه هذه الاجراءات التي تتخذ لمكافحة المرض، أهمها عدم اقتناع الناس بضرورة القيام بالفحص الدوري لاكتشاف أية مشكلة صحية في مراحلها الاولية، وهنا لابد من توعية الناس بالقيام بهذا الفحص بصورة منتظمة مرة واحدة سنوياً لمن تجاوز الثلاثين وأصيب أحد أفراد العائلة بهذا المرض.
كذلك إذا ظهر المرض أثناء فترة الحمل بالنسبة للسيدات حتى ولو اختفى المرض بعد عملية الوضع، كذلك إذا لاحظ شخص ما ازدياداً مضطرداً في وزنه دون أسباب واضحة، أو بسبب الإفراط في تناول الأطعمة الدسمة.
ويشير د. المدني إلى أن هناك نوعا من أنواع السكري يصيب المريض في مرحلة الحياة المتأخرة، وهذا النوع يمكن أن يترك دون تشخيص لسنوات طويلة، إما لاعتياد المريض على الظواهر التي تظهر عليه كأعراض يفسرها بشكل خاطئ على أنها أعراض عادية، ومع الوقت يعتادها فلا ينتبه إلى أن هناك ثمة مشكلة تقتضي التدخل الطبي، أو ربما لعدم ظهور هذه الأعراض أصلاً.
اليوم العالمي
وقال الدكتور عبدالرزاق المدني إن احتفالات جمعية الإمارات باليوم العالمي للسكري الذي يصادف الرابع عشر من نوفمبر من كل عام، تضمنت خلال العام الماضي المزيد من الحملات الوطنية لزيادة وعي الجمهور بالمرض، وضرورة التكاتف في إجراءات المكافحة، وسيضم هذا العام فعاليات وأنشطة متنوعة في لاتجاه نفس ا، كما انضمت الإمارات إلى دول العالم المئة التي أضاءت مبانيها باللون الأزرق، وهو اللون الذي يرمز إلى مرض السكري.
وأضاف أن الفندق الأشهر برج العرب تمت إضاءته بكل درجات اللون الأزرق، كما قام سائقو الحافلات العاملة في هيئة الطرق والمواصلات بدبي بارتداء القمصان الزرقاء، واستخدمت الملصقات على سيارات الأجرة لنفس الغرض في هذه المناسبة؛ إشارة إلى الالتزام بالحد من انتشار هذا المرض.
وأشار د. المدني إلى أن المؤتمر الدولي لاتحاد السكري العالمي سيعقد في العام المقبل، حيث من المقرر اجتماع واضعي السياسات الصحية من بلدان الشرق الأوسط للفت انتباه الجمعيات الدولية إلى المنطقة التي ازداد بها انتشار المرض بصورة تدعو للقلق.
الوعي الشعبي
ويؤكد د. المدني أن زيادة الوعي الشعبي بمسببات المرض وطرق الوقاية منه هي حجر الأساس في الحد من انتشاره، ولن يتم ذلك إلا عن طريق وسائل الإعلام بكل أنواعها، كما يعد الوصول بالحملات الدعائية إلى أطفال ومراهقي المدارس أحد أهم أهداف هذه الحملات، وكذلك من الضروري أن تتكاتف جهود الآباء والمعلمين وأولياء الأمور للتوصل إلى قناعات حول أسباب انتشار هذا المرض بهذه الصورة، وبالتالي التعرف إلى طرق الوقاية منه.
ويضيف أن الوصول أيضاً إلى ربات البيوت بالأفكار التوعوية يسهم في نجاح الحملات، فمن المعروف أن العادات الغذائية غير الصحية أحد الأسباب التي تؤدي للإصابة بالسكري، مما يستدعي توعية ربة البيت بأهمية استبعاد العناصر الغذائية عالية الدهنية من الطعام، والحرص على تنوع الأغذية التي تقدم للأطفال وللمراهقين وحتى الشباب. ويشير إلى ضرورة استخدام كل الوسائل الإعلامية المتاحة مثل المطبوعات والمواقع الالكترونية في التوعية، لما لها من تأثيرات إيجابية في الشباب.
تعريف المرض والأعراض
يشير الدكتور عبدالرزاق المدني إلى تعريف مبسط لمرض السكر قائلاً إنه عبارة عن عدم استطاعة الجسم الاستفادة من سكر الجلوكوز في الدم، نتيجة نقص هرمون الأنسولين المسؤول عن تحويل هذا الجلوكوز إلى طاقة يمكن الاستفادة منها، أو وجود هذا الهرمون ولكن بصورة لا يستطيع الجسم الاستفادة منها، أو ربما يكون السببان معاً.
وارتفاع معدل السكر في الدم إلى نسب مرضية ربما يكون ناتجاً عن وجود علة في البنكرياس، وهو العضو المسؤول عن إنتاج هرمون الأنسولين، تجعله لا يفي بمتطلبات الجسم من هذا الهرمون، أو ربما في بعض الحالات تحدث مقاومة من الجسم لهذا الهرمون تجعله محايداً أو غير مجد، وأحياناً يكون السبب في الوضعين معاً.
ويضيف د. المدني أن هناك نوعان هما الأشهر من مرض السكري على مستوى العالم، بينما النوع الثالث يعرف بـ (سكر الحمل)، وأولهما يعرف بالنوع (1) وهو يصيب الجسم في مرحلة الطفولة وربما بداية مرحلة المراهقة، ويحدث عندما تقل كميات الأنسولين التي يفرزها البنكرياس في الجسم، أو إنتاج كميات تقوم أجهزة المناعة بمهاجمتها. والنوع الثاني يصيب الشريحة السنية التي تجاوزت الثلاثين من العمر.
ويرتبط بعوامل مكتسبة مثل العادات الغذائية غير الصحية. ويمكن علاج هذا النوع عن طريق الأنظمة الغذائية المتخصصة في إنقاص الوزن وعلاج السمنة المفرطة.
أما النوع الثالث فكما يقول الدكتور المدني خاص بالحوامل نتيجة نقص الأنسولين أثناء الحمل، وهذا النقص يحدث فقط أثناء هذه الفترة، ثم يختفي عقب الولادة، وليس من الضروري أن تكون الحامل مصابة بهذا المرض قبل الحمل، إلا أنها تصبح معرضة للإصابة به بنسبة أعلى بعد الولادة.
وعن أهم الأعراض المصاحبة للمرض، يقول د. المدني إن هذا المرض يعتبر من الأمراض التي لا تعطي المجال لظهور أعراض بصورة تقليدية كغيره من الأمراض، وعلى سبيل المثال قد تظهر على المريض مجموعة محددة من الأعراض التي سنذكرها.
وقد لا تظهر عليه أية أعراض على الإطلاق حتى يتم اكتشاف المرض بطريق المصادفة، وأهم هذه الأعراض هي التبول لمرات عديدة في توقيت زمني قصير، وفقدان الوزن بصورة ملحوظة، وحدوث زغللة بالعين، وإحساس متجدد بالجوع والعطش، والشعور بالإرهاق والأرق، وخدر في الأطراف، والإصابة المتكررة بالعدوى، وعدم التئام الجروح.
عوامل وراثية وراء المرض
يعد الاستعداد الوراثي للإصابة بمرض السكري أحد أسباب الإصابة بالمرض في دولة الإمارات كما يؤكد د. المدني، ويضيف أن هناك مجموعة أخرى من العوامل المكتسبة؛ مثل العادات الغذائية غير السليمة والسمنة المفرطة والتكاسل عن القيام بأنشطة رياضية أو حركية.
وكذلك الطفرات الاقتصادية السريعة التي حدثت في الدولة، والتي غيرت الأسلوب المعيشي للكثيرين من الناس، علاوة على تفضيل البعض للعمل في بيئة مكيفة وممارسة أنشطة لا تشتمل على الحركة، ولا تقوم بحرق الطاقة الموجودة في الجسم، كما يفضل الكثيرون استخدام وسائل الراحة والرفاهية المتوافرة في البلاد؛ مثل المصاعد الكهربائية الموجودة في البنايات، أو المتوافرة في المراكز التجارية والمرافق العامة، حتى ولو لعدد متقارب من الطوابق.
وكذلك يفضل الكثيرون استخدام السيارة في المسافات القريبة، علاوة على العادات الغذائية غير الصحية؛ مثل الإقبال على الأغذية التي تمتلئ بالدهون المشبعة، والوجبات السريعة، والتي يعتبر الشباب والمراهقون أكثر الفئات إقبالاً عليها، علاوة على النقص في المعلومات لدى الكثيرين عن طبيعة المرض وطرق الوقاية، وأخيراً العزوف عن القيام بالفحص الدوري لدى الطبيب دون الانتظار حتى تحدث أعراض مقلقة.
دبي - أيمن حجازي
