يعتبر هذا العام لدى بعض الدوائر الجادة عام القراءة للطفل. ونقول بعض الدوائر في المنطقة العربية، ولا نقول كل الدوائر، ليس لأن الغالبية لم تسمع به، بل لأن الغالبية ليس لديها برامج بإمكانها الإسهام في إكساب الطفل هذه العادة المفيدة، القراءة ، وما تنطوي عليه من ثقافة ومعرفة، إضافة إلى مسيرته التعليمية والتي لا بد من اكتمالها، ليصبح طفلنا الذي يكبر، أكثر نضجا وإنتاجا وفائدة لنفسه وشعبه ووطنه، وحتى الأسرة البشرية؛ عالم اليوم لم يعد كبيرا كما كان بمعنى التواصل والاتصال.
الطفل بالنسبة لنا في المنطقة العربية، يظل جاهلا، ونطلق على الأطفال صفة (الجهَّال)، ونستمتع بحضورهم الفوضوي بيننا، ونُسر حينما يخطئون بالكلام أو بعض الأعمال، وإذا ما غضبنا عليهم، قرعناهم بأعنف الألفاظ وأقساها، حتى إذا ما كبروا فجأة وبلغوا الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من العمر، انتبهنا إليهم وقد فاتهم الكثير، وفاتنا نحن «ذويهم»، الأكثر، وعندها نردد في شكل ندم مصطنع (لا فات الفوت ما ينفع الصوت). والطفل اليوم بحاجة إلى صوت قوي من خارجه، يشير إليه ويدل على وجوده من أجل حضور أبرز.
وما دام الطفل يبقى جاهلا في عرفنا غير السليم، فلا داعي لأن ينتبه إليه أحد، أو يوليه اهتماما يستحقه وهو في أدق مراحل العمر حساسية، أو يلتفت إلى تربيته تربية سليمة، أو إلى تعليمه تعليما شبِّه بالنقش على الحجر يوما، وبالتالي فإننا لسنا حريصين على تربيته وتثقيفه وتوعيته بحيث ينشأ نشأة متزنة ورصينة، ويكتسب ذهنية منفتحة على محيطه والعالم من حوله، وتُنمَّى لديه شدة الملاحظة، ونوعا من الحس النقدي للأمور والأحداث التي لا بد وأن يعايشها بأكثر من شكل وطريقة.
في البيت يواجه الطفل غياب المكتبة وانشغال الأهل بلقمة العيش العزيزة، وفي المدرسة يواجه معركة التلقين، وفي الشارع يواجه كل ما هب ودب، على أكثر من صعيد، من بينها الموت المجاني بحادث سير تافه. وعلى مدى الفصول الأربعة هو في شأن أدنى مما يجب وينبغي، ودوامة الإرباك لديه لا تنتهي ولا ينخفض مستواها.
وفي غمرة من هذا كله، تجدنا نبحث بينهم عن رواد مستقبليين، وقادة أفذاذ، وعلماء أجلاء، وسياسيين محنكين، ومفكرين كبار، وكتاب وأدباء نجوم، هؤلاء كلهم مطلوبٌ أن نجدهم بين أطفالنا (الجهَّال) الذين نقرعهم بأعنف الألفاظ وأقسى النعوت، ونريدهم يتلألئون سريعا في سماء الجغرافيا العربية، ومن بعد، الكرة الأرضية.
مقطع القول.. إنه ليس من الإنصاف التعريض بأنفسنا للضحك، حينما نهدد بأطفالنا (الجهَّال) هؤلاء، أعداءنا الشرسين في المستقبل: الفقر والمرض والتخلف وآخرين من دونهم.
حسن محمد ـ الإمارات

