كانت معركة «غواد الكانال» من أكثر اللحظات حسماً في الحرب العالمية الثانية، حيث احتل اليابانيون الجزيرة، التي تعد أكبر جزر سليمان، في أغسطس 1942، وعندما قدمت القوات الأميركية إلى الجزيرة بعد ذلك بعدة أشهر، اضطرت القوات اليابانية إلى تعزيز قواتها البحرية هناك، ونشب صراع بحري بين البلدين للسيطرة على الجزر، انتهى بانسحاب القوات اليابانية من المنطقة في فبراير 1943.

انتهت تلك المعركة، ولكن آثارها لم تنته حتى اليوم، فقبل تلك المعركة كانت المنطقة الممتدة شمال جزيرة غواد الكانال تسمى «صوت القبرة البحرية»، أما الآن فيميل الكثيرون إلى تسميتها «صوت القعر الحديدي» وذلك نظراً لكثرة السفن التي تحطمت هناك، وغاصت إلى قاع البحر، ومن تلك السفن الفرقاطة اليابانية «هيروكاوا مارو»، التي تزن 6800 طن، وهي ترقد الآن تحت المياه القريبة من شواطئ الجزيرة الجميلة، لكنها لا تتوقف عن تسريب كميات من النفط التي تحتويه بين الفينة والأخرى مهددة الحياة البحرية في المنطقة والحيود المرجانية والأسماك.

ومقارنة بالتسرب النفطي، الذي تسببت به شركة «بريتيش بتروليوم» في خليج المكسيك، فإن التسرب الناتج عن الفرقاطة «هيروكاوا مارو» لا يعد شيئاً، لكنها ليست حالة فريدة، فقد نجم عن الحرب العالمية الثانية غرق عدد غير مسبوق من السفن على امتداد التاريخ، لدرجة أن حوادث السفن الغارقة المحتوية على النفط في تلك السنوات الست من الحرب تشكل ثلاثة أرباع السفن الغارقة في العالم كله.

وقد نجح فريق من الباحثين بقيادة الباحث الاسترالي «تريفور غيلبرت» من سلطة الملاحة البحرية الاسترالية والباحث «داغمار إتكين» من مؤسسة البحوث البيئية في ولاية نيويورك الأميركية في بناء أول قاعدة معلومات لتلك السفن الغارقة، وفي عام 2005 أبلغوا مؤتمر التسرب النفطي العالمي المنعقد آنذاك في ولاية ميامي الأميركية أن هناك ما يقرب من 8569 سفينة غارقة يتسرب منها النفط، وأن من بين تلك السفن هناك 1583 ناقلة نفط، ولا أحد يعلم الآن على وجه التحديد كم تحمل تلك السفن المحطمة من النفط، لكن سواء كانت تحمل النفط كبضاعة أم لا، فإنها جميعها كانت تحتوي على وقود السفن.

وهو نفط ثقيل شديد الضرر على البيئة البحرية والأسماك، وتعتمد كمية الوقود، التي كانت تلك السفن تحملها،جزئياً على المسافة التي قطعتها منذ آخر تزود بالوقود قامت به قبل غرقها، رغم أن هذا لا يمكن اعتماده كمقياس ثابت، حيث دلت التجارب على أن معظم السفن تحمل على متنها كميات احتياطية من النفط، كما حدث مع ناقلة النفط «بر ستيج» التي غرقت عام 2002 بعد أن انقسمت قسمين قبالة السواحل الإسبانية.

وفي الوقت الذي تبدو عملية تحديد كميات النفط في تلك السفن الغارقة صعباً، فإن الباحثين إتكين وغيلبرت يقدرانها ما بين 5,2 مليون طن و20 مليون طن، وتعتبر هذه التقديرات مخيفة، فحتى أقلها يزيد بأكثر من الضعف على كمية النفط المتسربة في خليج المكسيك، وأكثر بستين ضعفاً على حادثة التسرب النفطي لشركة إكسون.

والآن، وبعد سبعين عاماً من غرق تلك السفن إلى قاع البحر، فإنها ستبدأ في القريب العاجل بتسريب النفط، ويقول إتكين إن هناك الكثير من الأدلة التي تشير إلى أن عدداً كبيراً من السفن الغارقة قبالة السواحل الأميركية على وشك أن تبدأ بتسريب نفطها قريباً جداً، وينبغي فعل شيء ما حيال ذلك بأسرع وقت ممكن، ويقول «أيان ماكليود» من المتحف البحري في غربي أستراليا إن الأمر ليس ميؤوساً منه، لكنه يتجه ليصبح كذلك، ويتوقع أن يشهد العالم في السنوات الخمس إلى العشر المقبلة الكثير من حوادث التسرب النفطي الناتجة عن السفن القديمة الغارقة.

في السنوات الأخيرة، كانت نسبة التسرب من تلك السفن ثابتة، لكن الأمر قد لا يدوم على هذه الشاكلة، وتعتمد نسبة التسرب النفطي من تلك السفن على سرعة تآكل فولاذها، ويقول ماكليود إن نسبة التآكل تقدر بملليمتر واحد كل عقد من السنوات، ويرى الخبراء أن أية سفينة ستؤول إلى التآكل والدمار، وتفقد بناءها الأساسي، عندما يفقد فولاذها ثلاثة أرباع سماكته.

ومعظم السفن التي غرقت في الحرب العالمية الثانية مصنوعة من فولاذ بسماكة 19 إلى 25 ملليمتراً، ويكمن الحل، كما يرى الكثير من الخبراء في السعي لضخ تلك الكميات من النفط عبر أنابيب إلى خارج البحر، لكن المشكلة في تلك الطريقة وتكلفتها الباهظة، لهذا فقد تلجأ الجهات المختصة في الدول المعنية إلى تطبيق تلك الطريقة على السفن الأكثر عرضة للتسريب النفطي.