تمتد أزهار الأقحوان والورود بمختلف ألوانها على طول البيوت البلاستيكية، التي يعج بها الساحل الهولندي، وتترعرع النباتات في تلك البيوت البلاستيكية على الهواء المشبع بثاني أكسيد الكربون بشكل أسرع ب30 من النباتات الأخرى.

وقد دأب العاملون في البيوت البلاستيكية على إحراق الغاز الطبيعي من أجل الحصول على ثاني أكسيد الكربون وضخه داخل البيت البلاستيكي، أما اليوم فيتم ضخ ثاني أكسيد الكربون عبر أنابيب من مصفاة نفط قريبة، ويتم توليد 400 ألف طن سنوياً من ثاني أكسيد الكربون وإطلاقها في البيوت البلاستيكية، ما بين مدينتي روتردام ولاهاي الهولنديتين، حيث تمتصها النباتات وتتغذى عليها، ثم يتم تصدير تلك النباتات إلى دول العالم المختلفة.

غير أن العلماء بدؤوا، ومع ازدياد مشكلة الاحتباس الحراري، يفكرون بتقليص الانبعاثات الضارة بأي شكل، وتقتضي الخطة الحالية ضخ ثاني أكسيد الكربون الزائد تحت الأرض، لكن علماء آخرين يفكرون بإعادة تدوير تلك الغازات المحتبسة والاستفادة منها، وبدأت الفكرة تستقطب اهتمام الكثير من الشركات العالمية والباحثين، ولا يتعلق الأمر بزراعة الورد الهولندي فقط، بل يمكن الاستفادة من الفكرة على مدى أكثر اتساعاً، بحيث يتم تزويد مدن كاملة بالطاقة باستخدام ثاني أكسيد الكربون في المستقبل، ويقول غابريل سينتي، الباحث الكيميائي في جامعة ميسينا الإيطالية:

«آن الأوان لنتوقف عن اعتبار ثاني أكسيد الكربون من الملوثات، وعلينا النظر إليه باعتباره مصدراً ذا قيمة كبيرة، وما يميز استخدام ثاني أكسيد الكربون هو أن تكلفة تلقيم المصانع ومولدات الطاقة ستكون صفراً».

لن يكون من الصعب إيجاد كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون من أجل حبسها وإعادة استخدامها، فالنشاطات البشرية تؤدي كل عام إلى توليد 27 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون، وينبغي أن تتم الاستفادة منها في مجال نستخدمه كثيراً في حياتنا، ولحسن الحظ فإن هذا المجال موجود، ألا وهو صناعة الإسمنت التي تنتج سنوياً 3 مليارات من الإسمنت البورتلندي.

وتتطلب تلك الصناعة تسخين كربونات الكالسيوم أو الحجر الجيري عند درجة حرارة تبلغ 1400 درجة مئوية، ما سيؤدي بدوره إلى تكسير الكربونات وإطلاق ثاني أكسيد الكربون، حيث يتبقى بعدها أكسيد الكالسيوم، وهو المكون الرئيسي للأسمنت، وللوصول إلى درجات الحرارة تلك يتم إحراق كميات هائلة من الوقود الأحفوري، لهذا فإن صناعة الإسمنت تسبب 5% من مجمل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العالم، وهو أعلى من معدل ما ينبعث عن قطاع الطيران.

تبدأ عملية تصنيع الاسمنت الجديدة باستخدام حجر يدعى «حجر الحية»، وهذا الحجر يحتوي على سيليكات المغنيسيوم، لكنه لا يحتوي على الكربون، ويتم تحميص هذا الحجر، كما في الطرق التقليدية، لكن في هذه الحالة فلن يصدر عنه غاز ثاني أكسيد الكربون، بل أكسيد المغنيزيوم، وبهذا لا نكون قد وفرنا كميات من ثاني أكسيد الكربون، بل استخدمنا درجات حرارة أقل .

حيث لا يحتاج الحجر إلا ل700 درجة مئوية، ناهيك عن أن كمية غاز ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن حرق الوقود الأحفوري ستكون أقل. ويكمن السر في الخطوة الأخيرة، فعندما يختلط المغنيزيوم بالماء، ينحصر الغاز السام داخل الإسمنت على شكل كربونات المغنيزيوم.

ويقول «نيكولاوس فلاسوبولوس»، أحد كبار العلماء في شركة نوفاسيم اللندنية، التي تعكف على تطوير المنتج الجديد: «سنطور نوعاً من الإسمنت يحمل خصائص الاسمنت المعروفة نفسها، لكنه بدلاً من أن ينفث السموم إلى الجو فإنه سيمتصها»، وتقول الشركة إن أسمنتها قادر على امتصاص 50 كيلو غراماً من غاز ثاني أكسيد الكربون لكل طن من الإسمنت، وهذا الأمر يعتبر نجاحاً كبيراً، مقارنة بالطريقة التقليدية التي تبث في الجو 700 إلى 900 كيلو غرام من الغاز السام عن كل طن من الإسمنت يتم إنتاجه.

تبدو الفكرة عملية، لكن العالم قد يستغرق وقتاً طويلاً حتى يجرؤ على تطبيقها وبناء ناطحات سحاب وجسور باستخدام غاز ثاني أكسيد الكربون، وربما تعتبر شركة نوفاسيم من أول هؤلاء المطورين الجريئين، حيث تعاقدت مع شركة «أوروك»، وهي أكبر شركة بناء في بريطانيا، من أجل إنتاج طوب للبناء بالطريقة الجديدة، وفي حال تأكد للجميع أن الطوب الجديد قوي ومتماسك، فإن الإقبال عليه سيكون كبيراً.

إعداد ـ يوسف جباعته