تواصلت فعاليات الدورة الرابعة من مهرجان دبي لمسرح الشباب مساء أول من امس بندوة الثقافة والعلوم والتي تكتظ كل مساء بعشرات الفنانين والفنانات المسرحيات ونجوم الصف الاول والخبرات الادارية والفنية التي جاءت من اغلب الفرق المسرحية الاهلية في الدولة، وفيما تدور الاحاديث الجانبية حول هموم ومستقبل الحركة المسرحية، يتجاذب اخرون اطراف الحديث عن العروض المسرحية الشبابية يلتقطون مواطن الجمال فيها ومواطن الخفوت.
حيث قدمت فرقة مسرح رأس الخيمة الوطني سادس عروض المهرجان في المسابقة الرسمية، وجاء بعنوان ( رحلة بوح) من تأليف الشاب فهد الشحي ومن اخراج مبارك خميس، وتتناول المسرحية موضوع الصداقة والوفاء في عالم المصالح وزمن الاستهلاك، من خلال اربعة اصدقاء يقررون القيام برحلة في الصحراء فتتعطل سيارتهم ليلا وتتقطع بهم السبل، فيدب الخوف في بعضهم فيما يحاول احدهم وبلا جدوى اصلاح السيارة المعطوبة.
وفي ظل هذا الظرف الدرامي الذي خلقه مكان التيه في الصحراء وتنامى الخوف، يفتح النص قضاياه باتجاه المقولة الرئيسية، فهؤلاء الاصدقاء الذين اعتقدوا ان الصداقة والحب يجمعانهما، تبدو هشة امام المعادل الواقعي الذي وجدوا انفسهم فيه، حيث تدب الخلافات بينهم وينظر كل واحد منهم الى اسلوب الخلاص من منظور انانيته، فلا تجتمع الاراء.
ويحاول النص وهو ينسج على نول الخلافات، التقاط بعض الاسقاطات ومحاولة تعرية بعض مظاهر الحياة الاجتماعية، فيكشف لنا عن خلاف طبقي يتحول الى صراع ينشأ بين فتى من اسرة غنية وفتى فقير الحال، اذ يشعر الفتى الغنى انه امام صديق يحسده على عزه وجاهه، بل ويكرهه ويتمنى له زوال النعمة، ويقترح آخر حلا لهذا المأزق، المشي في الصحراء والمغامرة بدلا من الجلوس والسكون وانتظار المصير.
وتسير الاتجاه بهذا الاتجاه حيث يتفرق الاصدقاء في الصحراء ويبقى صاحب السيارة، الفتى الفقير، الذي تنتابه حالة من الخوف وهو يواجه الحجارة التي تأتيه من طرف في الصحراء مصحوبة بعواء ظنه انه عواء ذئب. ولكن تتكشف المسألة حينما يدخل عليه فتى قادما من مزرعة قريبة، وهنا يأتي العرض على نهايته من خلال جملة يرددها هذا الفتى القريب، يدعوه فيها الى الذهاب معه لكي يعيش حياة فيها الحب والصداقة الصادقة، وان يودع اصحابه الذين شتتهم الخلاف..
وفي اطار المعالجة النصية يبدو النص بسيطا ومباشرا في طرح رسائله حول مفهوم الصداقة، ولا يغامر كثيرا بالغوص في اعماق الشخصيات ليكشف عن جذور غائزة في النفس البشرية في مسألة الصداقة وعلاقة الانسان بأخيه الانسان، وبالرغم ان النص يحاول جاهدا حمل قيمة الصداقة، الا ان نسيجه لم يعتمد صيغة درامية محكمة تؤجج الصراعات لتوليد الاحداث، حيث تقفز تلك الشفرات في النص قفزا دون ان تتولد في اطار المناخ المكاني المسيطر والمفترض انه المولد الرئيسي لتلك المفارقات الدرامية..
اما على صعيد المعالجة الاخراجية، فلم تحمل بحثا ولا تكلفا كبيرا، اذ ذهبت مفردات الديكور الى واقعيتها، مع تنفيذ فقير لبيئة الصحراء، وغابت الاضاءة في لعب دورها الاساسي للمساهمة في بناء مشهديات العرض من منطلقات الصراع المؤسس للنص، فجاءت اضاءة انارة فقط.
كما بدا تحريك الممثلين في الفضاء المتاح عشوائيا، قائما على المواجهات بين الممثلين، وتغافلت طقس الخوف المسيطر على المكان. مع هذا لا يمكن اغفال امر مهم في هذا العرض الشبابي، وهو يقدم خمسة ممثلين شباب يخطون خطاهم الاولى على خشبة المسرح، هم عبارة عن خامة وعجينة صالحة للتشكل، ومنهم من يمتلك حسا داخليا عميقا وحضورا لافتا.
ندوة قاسية
في الندوة التطبيقية التي ادارها المسرحي عدنان سلوم كان واضحا ان الاجماع ذهب الى ان عرض رحلة بوح يحتاج الى نضوج على مستويين، النص والرؤية الاخراجية، كما وجهت اشادات الى طاقم الممثلين الذين يحملون طاقات ابداعية واعدة فيما لو توفر لها ظرف ملائم. وقال المخرج احمد الانصاري من جانبه:
انا اشكر الشباب الذين قدموا هذا العرض واشكرهم على فكرة النص التي تعالج قضية شبابية وتنطلق من هم شبابي وهذا الامر يتقاطع واهداف مهرجان دبي لمسرح الشباب، الذي دعى الى ضرورة ان يجسد الشباب هموهم على خشبة المسرح، لكن لست مع الطريقة التي تمت بها معالجة هذه الفكرة، وطالب الكاتب الشاب فهد الشحي بضرورة اسناد تجربته الكتابية الاولى الى مراقبة مشرفين، يعملون على توجيهه.
وطالب مخرج العرض مبارك خميس بضرورة دراسة معطياته قبل الولوج الى أي تجربة اخراجية، واشاد الانصاري بفريق الممثلين وقال انهم يمتلكون مواهب تستحق العناية.
الممثل عبدالله سعيد كان اكثر قسوة في قراءته لعرض رحلة بوح، وقال للمخرج مبارك خميس: عرفناك ممثلا جيدا فابق في هذا المجال وانصحك بالابتعاد الاخراج. فيما تحدث مشاهد آخر، مشيرا الى اداء الممثلين شابه الخلط بين شخصيات الممثلين الحقيقية وبين شخصيات النص، او الشخصيات التي يفترض ان يقوموا بتجسيدها، واشار الى ان الارتباك كان واضحا، وهناك خلط بين ان اكون في داخل شخصية العرض او خارجها..
وفي ختام الندوة تحدث المؤلف الشاب فهد الشحي، مشيرا الى ان هذه التجربة الكتابية هي الثانية له، وشكر الذين ابدوا ملاحظات على النص ووعد بالاخذ بها في تجاربه القادمة.
اما المخرج مبارك خميس فشكر مهرجان دبي لمسرح الشباب على اتاحة الفرصة للمشاركة وتقدم بالشكر الى ادارة مسرح رأس الخيمة التي دعمت تجربته بالثقة والامكانات وشكر فريق العاملين معه الذين اثبتوا اخلاصهم للعمل المسرحي.
دبي ـ مرعي الحليان
