تتواصل «البيان» أسبوعياً مع قرائها عبر رحلة مع نخبة من المستشرقين، المتميزين بمكانتهم العلمية الرفيعة، وروحيتهم الموضوعية المنصفة، في إضاءة فضل العرب والمسلمين، بكنوزهم المعرفية في الطب والكيمياء والرياضيات والفيزياء والآداب، على نهضة الحضارة الأوروبية والغربية، الممتدة من قلب الأندلس غرباً، إلى تخوم الصين شرقاً، حيث أسهموا في إطلاق عصر النهضة، وتطور علوم البشرية في العصر الحديث.

هذه الشهادات الموثقة لهؤلاء المستشرقين المنحدرين من قارات العالم الخمس، بمؤلفاتهم وترجماتهم وسيرهم، تؤرّخ لعلومنا وآدابنا، وتنير الجسر الرابط بين ماضينا وحاضرنا.يجيد المستشرق الاسباني فيديركو كوريينتي اللغة العربية، بل وينظم بها الأشعار. كما يتقن عدداً من اللغات السامية والأوروبية الأخرى ما سهّل عليه عملية البحث والدراسة. عاش سنوات في القاهرة وعاشر نخبة من المثقفين والمفكرين المصريين.انصب اهتمامه على تأليف كتب قواعد اللغة العربية، وكان أول من وضع قواميس عربية إسبانية وإسبانية عربية، وألف كتاباً في قواعد اللهجة الأندلسية، ونشره بالانجليزية ليصل إلى أكبر عدد من القراء.

ولم يقتصر قاموسه الإسباني ـ العربي على الألفاظ الحديثة المستخدمة، بل أدرج فيه الكلمات الدارجة الآتية من قارة أميركا الجنوبية. وضّم قاموسه أيضاً المصطلحات العلمية والفنية والحقوقية والأدبية.

إضافة إلى ذلك، قام كوريينتي بالبحث في علاقات الألفاظ العربية والإسبانية ومعانيها وتأثيراتها المتبادلة ومقارنة العربية الأندلسية باللهجات المغربية، وخصص لها كتاباً بعنوان «ملخص قواعد فصلية اللهجات الأندلسية».

سيرة ابن قزمان

عاش ابن قزمان في أسرة كان لها حضور ثقافي وأدبي وسياسي في البيئة الأندلسية في القرن الخامس الهجري بين ملذات الحياة ومتعها. وهو في ذلك يشبه الشاعر المعروف أبونواس في ذكر الملذات والشهوات الدنيوية. ويعد ابن قزمان رائد الزجالين خاصة في ديوانه المشهور «إصابة الأعراض في ذكر الأغراض» الذي قام المستشرق بتحقيقه والتعلق عليه كما ذكرنا.

وقد اتفق جميع الدارسين القدماء على شاعرية ابن قزمان أمثال: ابن خلدون والمقري وابن سعيد وابن الأبار وصفي الدين الحلّي.. وكذلك الباحثون المعاصرون أمثال عبد العزيز الأهواني وإحسان عباس ومصطفى الشكعة...

والمستشرقون الغربيون، وهم من أوائل من اهتموا بهذا الشاعر وديوانه الشعري قبل أن يخصص له عبد العزيز الأهواني جزءاً خاصاً به في كتابه «الزجل في الأندلس». ومن مميزات شعر ابن قزمان أن زجله يعبر عن تمازج الحضارة العربية بالحضارة الأيبيرية، وهذا دليل على حضور اللاتينية في شعر ابن قزمان. كما أظهر زجله الشعري تشابهاً بين الشعر العربي والشعر الأوروبي على مستوى البناء والوزن والتقفية.

أما إيقاع الزجل فقد أثار اختلافات بين الباحثين العرب والمستشرقين، فهناك من سار به مساراً عربياً، ودافع عن خصوصيته الأندلسية المحلية وهناك من اعتبره مستلهماً من العروض المقطعي اللاتيني.

ومهما اختلفت الأفكار وتضاربت الآراء حول فنون الزجل، فهي تبقى زاخرة بالغنائية الموسيقية المشرقية والأندلسية المحلية. وقد أوضح المسشترق كوريينتي ذلك في ندوات عدة، منها في المغرب، من خلال تركيزه على موضوعة «الأمثال والأزجال الأندلسية بعد ابن قزمان».

مع ابن قزمان والمعلقات

يُعتبر كوريينتي أول من درس ديوان الشاعر الأندلسي ابن قزمان (461 ـ 555 ه) الذي قدم فيه مشاعر الحب التي كان يتحلى بها الشاعر في الغناء والتجول والاحتفال.

ونتيجة للأبحاث التي قام بها، تمكن من العثور على ديوان هذا الشاعر في بلدة صفد الفلسطينية. ولم يكتف بتحقيقه، بل قدم له دراسة وافية حول لغة ابن قزمان، وهي مزيج من اللغة الفصيحة واللهجة الأندلسية. ثم تطرق إلى شرح عروض كل قصيدة على حدة مع معانيها بالأحرف اللاتينية حتى يتيح فرصة للباحثين الأوروبيين الاطلاع عليها.

واهتم كوريينتي أيضاً بالأمثال والأزجال الأندلسية في الفترة التي تلت ابن قزمان، وناقش التوشيح والزجل اللذين تركزت آثارهما في الأدب العربي، مؤكداً نشوء هذين الفنين في الأندلس، وانتشارهما في المغرب والمشرق.

ونسب أقدم الموشحات المحفوظة بأنها تعود إلى عصر الطوائف، حيث وضعت بواكيرها في القرن الثالث الهجري. ومن ثم تزويدها بعنصر جديد وهي «الخرجة» الدارجة المقتبسة من الزجل الشعبي البدائي، وفنّد نظرية رجوعهما إلى أصل عجمي. وقدم بحثه عن أسباب تغيّر الميول الجمالية وما صاحبها من تأثيرات نفسية واجتماعية في دراسة هذين الفنين. وطرح السؤال عن سبب اختلاف درجات الإقبال على هذين الفنين لدى الأدباء العرب على مّر العصور.

وللإجابة على هذا السؤال، يؤكد كوريينتي أن هذه التحولات خضعت لشروط منهجية وإيديولوجية أحياناً، مذكراً أن إعادة العناية بالفنين لدى المستشرقين في أواخر القرن التاسع عشر، يعود إلى ما شاع عن حب الاطلاع والتوجه نحو معرفة شاملة للكون وللإنسان. ويؤمن المستشرق الأسباني بأن هذين الفنين منحا الباحثين في الأدب الشعبي المغربي والأندلسي، فرصة القيام بدراسات أعمق وأوسع في النصوص المجهولة من المخطوطات في خزائن المكتبات.

ترجم المعلقات إلى الاسبانية

قام المستشرق الإسباني بالإضافة إلى دراسة الأمثال والأزجال والتوشيحات، بترجمة المعلقات السبع إلى اللغة الإسبانية تحت عنوان «المعلقات: مختارات وصور للجزيرة العربية قبل الإسلام».

ويعترف كوريينتي: «بأنه بدأ بترجمة المعلقات منذ زمن غير قصير، وأنه عايش الشعر الجاهلي زمناً طويلاً وفتن بما فيه من صور شعرية دقيقة، ومن موسيقى رقيقة، ومن واقعية تأخذ بالألباب، وأنه انتهى من مسودة الترجمة الأولى في القاهرة عام 1965.

ومنذ ذلك التاريخ لم يتوقف عن العودة إليها في التدقيق والتشذيب والتصحيح في ضوء نضجه العلمي واتساع معارفه اللغوية في المجالين العربي والإسباني.

ولم تأخذ ترجمة المعلقات شكلها النهائي إلا في عام 1971، ليقوم المعهد الإسباني العربي في مدريد بطبعها بعد مرور ثلاث سنوات على صدورها. وقدم لها بدراسة أدبية وأخرى تاريخية، وانتهى إلى الاستنتاج أن البدوي العربي توصل بعفوية إلى حل قضية الشكل والمضمون، لأن كلمة «شعر» تعني له المعرفة والشعور، وإن شئت المعنى والإحساس به.

وتُعتبر الدراسة التي قدمها كوريينتي للمعلقات الأولى من نوعها في اللغة الإسبانية التي تدرس شعرنا الجاهلي عامة والمعلقات خاصة. واعتبر النقاد ترجمته الإسبانية من أدق الترجمات في اللغات الأوروبية، بل ومن أفضلها، لأنه ركز على الموسيقى واللغة الشعرية.

شاكر نوري