يثير في واقعه فضول الكثيرين؛ وهو يجلس على كرسي متحرك؛ متنقلاً بين سيارات كثيرة لا تكتمل معادلاتها الميكانيكية إلا ببصماته الإبداعية، إنه شخص مختلف لا يقبل سوى أن يعتلي دائماً واقع إعاقته التي لم يشعر بها يوماً، لأنها ببساطة منحته الثقة لتولي دفة الإبداع في أجواء مهنية أقل ما يمكن أن تبدو للناظر وكأنها أشغال شاقة.

المكان في دبي وفي منطقة ديرة على مقربة من شارع صلاح الدين بالتحديد، والعنوان كراج موريس لتصليح المركبات، فيه الشخص الوحيد الذي يجيد دور البطولة المطلقة؛ شربل سارة الشاب السوري ذو الثلاثين عاماً، الذي يفتتح أبواب كراجه في الثامنة صباحاً ولا يغلقها قبل التاسعة مساءً، بينما لا يغادر كرسيه المتحرك وهو يبدع سريعاً فك شيفرات العديد من السيارات الكلاسيكية والحديثة والفارهة..

شربل ارتقى بإعاقته إلى وصف الميكانيكي الأول في عالم السيارات الصعبة في دبي، يُشار إليه بالبنان ولا تستعصي عليه مهمة إنقاذ ميكانيكية.

حادث سير

في سوريا وقبل 11 عاماً حينما كان في التاسعة عشرة من عمره، أصيب شربل في حادث سير، نتج عنه كسر في فقرتين بالعمود الفقري، قبل أن يجد نفسه في شلل تام لا يقوى على تحريك قدميه، لكنه سرعان ما استعاد موقعه المثالي متسلحاً بالإيمان والثقة والرضا بقضاء الله وقدره، لينهض فوق كرسيه المتحرك لاستكمال مشواره الذي أحبه في عالم السيارات وما يندرج تحته من مسميات الميكانيك والكهرباء وسواها، ثم تواصلت رحلة الإبداع في مواجهة الصعوبات والمشقات..

وشربل لا يدرك تماماً واقع إعاقته ولا يعترف بها كما لم يؤمن بها من قبل، لأنه وببساطة تعالى فوقها كثيراً فتجاوز في مشواره الميكانيكي كل المطبات التي تعيق زملاءه الأصحاء. منذ نعومة أظفاره منح شربل جل اهتمامه للسيارات، وارتضى لنفسه كتباً دراسية إضافية يطالعها باهتمام حول الميكانيك والكهرباء.

يعود من مدرسته ويلتحق بمدرسة مختلفة أسسها في فكره الخاص مع عالم الكتب والميكانيك والهندسة، حتى أصبح وفي غضون سنوات من أوائل المبدعين في هذا المجال، وأكثر من ذلك فقد انتدبته معاهد في هندسة الميكانيك لتدريس الطلبة فيها، ولاحقاً تخرج بفعل عبقريته الميكانيكية مهندسون يحملون شهادات معتمدة، والمفارقة أن شربل لا يحمل شهادة معتمدة في هذا المجال.

اغتراب وكرسي

قبل تسعة أعوام، وجد شربل فرصة الاغتراب على كرسي الطموح الذي حمله إلى عالم الإبداع، وجاء إلى دبي حيث يعمل شقيقه الأكبر في مجال تصليح المركبات، وبلا انتظار تولى شربل دفة العمل والإدارة والإبداع في ذلك الكراج بعد أن تنحى شقيقه لممارسة أعمال أخرى،..

وإضافة إلى شربل يعمل بضعة فنيين آسيويين، يأتمرون بأمر عبقريته ولا يضعون مسمارا واحداً دون مساندة ميكانيكية ويدوية من الجالس فوق كرسي الحركة والعمل.. والحق يقال ان شربل هو الاسم الوحيد الذي يتولى إصلاح الأعطال وفك وتركيب الماكينات وما سواها من الأعمال التي تعد في وصف العامة شاقة، ولكنها ليست كذلك بالنسبة لميكانيكي امتهن عمله بإبداع وإقناع وهو يجلس على كرسي خُصص للمعاقين.

المهم كما يؤكده شربل الميكانيكي الفريد في تجربته المهنية، هو أنه ومنذ الأيام الأولى للحادث الأليم الذي أصابه، لم يشعر بالإعاقة ولم يرتضِ لنفسه واقعاً أو مسميً بهذا الاتجاه، وهو يؤمن أنه وحينما يعيش أجواء الإعاقة التي أصبحت واقعاً في حياته، حتماً سيجد نفسه معاقاً، وخلافاً لذلك فقد تمسك بملامح الإرادة والقوة والصبر حتى أمسى أحد أبرز من يتقنون العمل الميكانيكي لجميع أنواع المركبات.

وبحكم تعلقه مبكراً بعالم السيارات وما يتطلبه من أعمال ميكانيكية وكهربائية، ولكونه أحد الذين امتهنوا هذا المجال عن قناعة وعشق طفولي، فهو قادر اليوم ورغم كرسي الإعاقة، على إصلاح أية أعطال فنية أو ميكانيكية ولمختلف أصناف المركبات.. زبائنه بالآلاف والمعجبون بإصراره وطموحه وواقعه بالتأكيد أكثر بكثير.

طبيب السيارات

ولشدة إخلاصه لعالم السيارات يجد شربل نفسه مع سيارة معطلة في موضع الطبيب أمام المريض، وهو يعامل السيارة كما الإنسان.. لأنها تتغذى وتتألم وتُجهد وتمرض، وهو يشعر بها من خلال صوتها وفي مشيتها وفي وقفتها، وسريعاً ما يجد الدواء الشافي لها، والأهم من كل ذلك أنه لا يمكن أن يترك علة مهما صغر حجمها تظهر في جسد السيارة المريضة التي تأتيه شاكية ولا تتألم دون أن يداويها على الوجه الأكمل..

ولعل الفارق الوحيد بين الطبيب والميكانيكي كما يقول شربل، أن الأول يستمع إلى أعراض المرض من شخص قادر على إيصال المعلومة، أما الثاني فيتعين عليه تحديد الخلل وفهم العلة ومداواتها ثم استعادة الروح في جسد المركبة الصامتة.

كرسي الإنجاز

ويؤكد شربل أن الكرسي المتحرك الذي رافق حياته مع الإعاقة لم يحل يوماً بينه وبين أحلامه وطموحاته الكثيرة، ففي عمله الميكانيكي واليدوي لا يجد صعوبة في الوصول إلى أي ركن من السيارة لوضع اليد على مكمن الخلل، مشيراً إلى أنه واثق تماماً بمكانته المهنية، وهو على مقدرة كبيرة في التعامل مع شتى المركبات التي تأتيه يومياً بالعشرات.

ولا يجد حرجاً أو عائقاً للوصول إلى أبعد مما يطمح دوماً، وكل ذلك يبدو متاحاً طالما أن للإنسان عقلا وتفكيرا يقوده إلى ما يصبو إليه، وفي النهاية يظل شربل الشخص الذي يلم بخبايا مهنته باقتدار، والمحترف الذي يسهل عليه الوصول إلى الخلل لإصلاحه بأدوات ثلاث وهي الخبرة والمعرفة والفكر والعقل ومجهود اليدين العضلي.

الصبر والإرادة والتأني أهم ما يحرص عليه شربل سارة في حياته بشكل عام، ناهيك عن استعانته دوماً بحواسه وثقته في الإنجاز، حيث يرى أن الشخص وإن صادفته الإعاقة في حياته، ينبغي عليه أن يظل صاحب إرادة لا أن يرضخ لمصابه ويرتضي وصف الإعاقة لحياته، وإلا فما فائدة العقل الذي خص الله به الإنسان عن سائر مخلوقاته، مشيراً إلى أن الكرسي لا يمكن أن يعيق إنساناً يؤمن بموقعه من الوصول إلى مبتغاه أياً كان.

إبداع وشهادة

وفي المجمل يقول شربل سارة، الميكانيكي المحترف في عالم السيارات، إنه لم يشعر يوماً مثلما لم يقبل لنفسه مسمى الإعاقة، وهو يعيش حياته كما أي شخص آخر، بل إنه يشفق على أناس كثيرين لا يستطيعون ترك بصمات في مجتمعهم وهم أصحاء، فالإنسان ومهما وقفت أمامه المعضلات لا بد أن يسمو فوقها وأن يذلل الصعاب بشتى الوسائل، وبذلك يمكن أن يضمن لنفسه موقعاً متميزاً في المجتمع.

المهم في نظر شربل سارة أن الإعاقة لم توقف مسيرة عشقه للسيارات، وعلى العكس من ذلك فهي دفعته نحو مزيد من الإبداع والتميز بين أبناء المهنة، وإلا لما لجأ الكثير من أصحاب الكراجات إلى الاستعانة بعبقرية وإبداع شربل في تصليح بعض السيارات الكلاسيكية أو الحديثة والمعقدة.

حضور يثير الإعجاب

منذ مباشرته العمل في كراج السيارات الخاص به في إمارة دبي قبل بضعة أعوام، تمكن شربل سارة وهو يداعب بعبقريته الذهنية أعقد الماكينات والآلات الميكانيكية، من ترسيخ سمعة مثالية له في عالم السيارات، ومن خلال موقعه المهني على كرسي المعاقين فهو يلفت كل يوم انتباه زبائن كثر يعجبون بإرادته وبإصراره الفريد على صنع الإبداع بيديه، دون أن يركن يوماً لوصف معاق.

الزبائن الذين يتجاوزون في عددهم الآلاف والذين يحرصون على قصد كراج شربل بالتحديد، وذلك على الرغم من بُعد أماكن سكناهم في الفجيرة وأبوظبي ورأس الخيمة والعين وسلطنة عمان وغيرها، يظهرون كمية فائقة من الثقة والتقدير للدور المهني الذي يؤديه شربل باقتدار وينهيه على الوجه الأمثل، ولسان حالهم يؤكد مقولة تتردد على ألسن الجميع «لم أرِ في حياتي شخصاً مثلك، يجلس على كرسي الإعاقة ويقوم بمثل هذه الأعمال الشاقة في ظل الأجواء الصعبة في الطقس، أو حتى في التعامل مع آلات ميكانيكية كبيرة ومعقدة».

دبي ـ عنان كتانة